يبدو أن فقدان الأمل أصبح الظاهرة الأكثر سيادة في عصرنا هذا. عصر الكوارث، التي تنتج بعضها بعضاً، وبشكل متواتر، والزلازل وهي في عز نشاطها. وكان آخرها جنوب غرب مراكش.
نامت المدينة المغربية لتستيقظ على مأساة لا تصدق. غصت الأرض بقوة تحت أقدام سكانها الآمنين، وبدأت الأبنية العتيقة بتاريخها والغنية بذاكرتها تتأرجح، كما لو أنها أغصان هزتها عاصفة عاتية. وما زالت حتى الساعة، أصوات الصراخ والدعاء التي اندلعت في الشوارع تتصاعد في الرياح رغم مضي أيام عديدة على الكارثة. أما الأشجار التي أفلتت من جذورها في رقصة مجنونة تشبه الجنون الذي أحاط بالمدينة، فقد سبحت في البحار وارتفعت أوراقها فوق الأمواج.
إن تلك المأساة ما زالت تعلو السماء وتجتاح الأرض في كل لحظة منذ حدوثها.
فالمدينة التي كانت تزهو بالحياة والنشاط، تحولت إلى أشلاء مدمرة. الزلازل لم تبتلع المباني الجميلة فحسب، بل أيضاً أزهقت أرواح الكثيرين فقد الأطفال آباءهم وأمهاتهم، والعائلات فقدت أحباءها، لتنزف القلوب، مع كل نفس. شلالات من الحزن والألم. هكذا أصبحت الخيبة، واليأس والضجر، والخراب والدمار، ومشتقاتها سكان المكان الجدد الذين استوطنوا الأرض، بعد أن قضوا على سكانها الأصليين.
أما الفيضانات فلم «تبخل» على الأرض بسخطها. وقد خصت مدينة درنة الليبية في حصة هائلة من مأساة إنسانية تتمزق لها الأرواح وتدفع بقاياها في دروب الظلام. لقد أصبحت مدينة درنة كليل عميق لا نجد له ضوءً. هي الزهرة التي تذبل وتموت يومياً في صمت رهيب. هكذا سلب سكانها الناجون وأهلهم نعمة الحياة، واستحالت القلوب صخوراً باردة والأرواح باتت تغفو في نومها العميق.
تحولت الأحلام إلى أشباح تطارد الليل وتلاشت الأماني كرِمال تتناثر في صحراء بعيدة.
قصص النزوح والموت واحد!
كان للسوريين أيضاً، وكما جرت العادة، موعد مع الألم أينما حلوا.
لقد انتشرت مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي قصة شاب سوري يدعى أسامة، في العشرينيات من عمره، فر مع عائلته من حرب الأسد إلى ليبيا بحثاً عن مأوى آمن.
قصة تفاعل معها رواد التواصل الاجتماعي لما تحمله من غصة ووجع وانكسار وعذاب يصعب على البشر تحمله. هرب من الحرب التي أجبرت ملايين السوريين على مغادرة منازلهم، بحثاً عن مأوى آمن. وأسفرت عن فقدان أعداد لا تحصى ولا تعد من الأرواح. حرب تعد من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
كيف بدأت الحكاية؟
بعد أن خسر أسامة وعائلته كل ما يملكونه في بلدهم المنكوب حملوا القليل من أغراضهم ورحلوا إلى ليبيا لبدء حياة جديدة، قد تمنحهم شيئاً من حقوقهم الإنسانية، ومن أولها حق العيش بأمان وكرامة.
هكذا انقسمت العائلة. فبعضها سكن في درنة والبعض الآخر في بنغازي، ولكن الحلم لم يتحقق. وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن وركابها. وكأن للموت موعداً مع السوريين، يلاحقهم أينما حلوا.
لقد نجت عائلة أسامة من حرب الأسد، بصعوبة، لتعيش حرباً أخرى قاتلة.
إنه فيضان من نوع آخر، حمل مدينة درنة ومن فيها إلى البحر. خسر أسامة ابن أخيه عمار في الفيضان، الذي ضرب المدينة.
يقول والآلام تعتصر فؤاده: «قد كانت صعبة جداً علي – لا أذاقها الله لإنسان – تعرضنا في بنغازي لفيضانات، لكنها مرت على خير. وكانت الأضرار مادية. حصلت فيضانات في درنة أيضاً، وحين سمعت بها من الـ«سوشيال ميديا» تواصلت مع عمار قبل ساعة ونصف من انفجار السد».
يصمت قليلاً ثم يشهق شهقة عميقة ويكمل: «سألته عن أحواله فقال إن هناك فيضانات. وبعدها انقطعت أخباره».
لقد ترك أسامة كل ما يربطه بمدينة بنغازي، وانتقل إلى درنة بحثاً عن ابن أخيه، ولكنه لم يجد له أثراً. لم يترك مكاناً إلا وقد بحث فيه. من مستشفى باب طبرق إلى الهلال الأحمر. لقد تفقد أسماء المفقودين جميعهم وبحث بين الجثث، وفي لائحة أسماء الموتى، ولكن دون جدوى.
قيل له إن المكان الذي كان يسكن فيه عمار أصبح في البحر بكل ما كان حوله.
عمار ليس السوري الوحيد، الذي مات في فيضان درنة. لقد قتل أكثر من مئة لاجئ سوري، وهناك مئة آخرون في أعداد المفقودين.
أما أسامة ومن بقوا على قيد الحياة يعيشون اليوم حالة من الصدمة والانهيار، والكآبة.
لقد قرر أسامة الهروب عبر البحر إلى أوروبا، رغم معرفته مسبقاً بمخاطر الرحلة، التي تنتهي بالموت غرقاً في معظم الأحيان.
لكن عندما يفقد الإنسان الأمل، يبدأ في الغرق في بحر من اليأس والاكتئاب العميقين. ولا نعرف أي غرق أعمق. أهو الغرق في البحار أم الغرق في أعماق الحزن؟!
لكن علينا أن نتذكر دائمًا أن هناك نوراً يمكن أن يشق طريقه خلال الظلام المُظلم. لكن كيف نبني جسرًا من الأمل فوق أمواج اليأس وكيف نقوى لنقول للحياة: نحن هنا لنواجه التحديات.
الأمل هو القوة التي تنهض بالإنسان من جديد وتجعله يستعيد ذاته ليبني قصة من الإصرار والنجاح. قد تكون الزلازل والحروب والفيضانات وغيرها من الكوارث مدمرة، ولكن، رغم أنف الموت، لا بد أن تنتصر الحياة.
نحن محكومون بالأمل.
٭ كاتبة من لبنان