في رحلةٍ مشحونةٍ بالدراما، التشويق، والأحداث البوليسية ذات الإيقاع المُتصاعِد، تختطف رواية «رسالة بأثر رجعي» للروائي البحريني نبيل رجب القارئ من عالمه إلى عالمٍ مليء بالمفاجآت التي تُنافس أكثر أفلام هوليوود وبوليوود إثارة وخطفا للأنفاس، رغم أنه أمام سردٍ وقعت أحداثه فعلا لراويها إلى درجةٍ لا يمكن معها وصف المشاعر التي تستولي على القارئ إلا بما عبّر عنهُ أحد أبطال الرواية الحقيقيين مُفصِحا عن دهشته الغامرة أمام تفاصيلها بقوله: «أنا في غاية الذهول مما سمعت. يا لها من حكايةٍ غريبة! ظننتُ للحظات وكأنك تنقل لي مشاهد تمثيلية مُقتطعة من فيلم سينمائي، لا قصة واقعية لإنسانٍ يتحدث معي!».
قفزةٌ نحو عالمٍ جديد!
تبدأ الأحداث المُمتعة بانطلاق الشاب البحريني «نادر» مُسافرا نحو جامعة «بونا» الهندية، التي اتخذ قراره بدراسة العلوم السياسية على مقاعدها بعد تخرجه من المدرسة الثانوية عام 1983، ومن تلك الحياة الأسرية المحفوفة بالهدوء والأمان، تحت رعاية والديه كانت تلك الرحلة قفزة نحو عالمٍ جديد ساهم في نسفِ مفاهيمه السابقة واستبدالها بأخرى أكثر عُمقا، وأدى إلى اتساع زوايا رؤيته لتنوع توجهات البشر، واختلاف مُعتقداتهم، ومدى حاجة الإنسانية للدفاع عن حقوق المظلومين والمُستضعفين على الأرض، وإدراكه أن معاني الرحمة والإنسانية موجودة في كل مكان، رغم اختلاف الأعراق والديانات والثقافات، وهو ما أكده بقوله «مهما شكلت هذه الظروف عبئا نفسيا واجتماعيا؛ إلا أنها محطات كانت سببا في نُضج عقلي ورُشد أفعالي، وما كُنتُ لأحظى بكل هذه التجارب لو مكثتُ في مكاني، وتقوقعتُ في روتين مُجتمعي».
تفاصيل واقعية مُشوقة!
منذ بداية الرواية تستحوِذ التفاصيل الواقعية المشوقة على حواس القارئ، بدءا بمشهد رُكاب الطائرة الذين كان بعضهم ينتظر دوره لتناول شيء من الطعام الذي لا يحصل عليه إلا في هذا المكان، مرورا بمشهد النساء الهنديات المُجتمعات على ضفاف النهر، يُشمرن سواعدهن لغسل الملابس، والصيادين الهنود الذين يرمون شباكهم في النهر ويسحبونها حاملة بعض الأسماك الصغيرة، عبورا بمشهد مطعم «أبي الصراصير» الذي تنتشر الحشرات في أروقته وتتجول الفئران بأريحية بين المطبخ، والمكان المُخصص لتناول الطعام، وصولا إلى مشهد «العجوز الشمطاء» مالكة المبنى الذي يستأجر إحدى غُرفه، الشبيهة بالشخصية الكرتونية «زيتونة» زوجة البحار باباي، التي وصفها بقوله: «تقف كالساحرة العجوز التي تطير على مكنستها، وتراها في كُل مكان، تنتظرني أحيانا حتى مُنتصف الليل، تتخفى وراء الأشجار، تمد لي يدها حالما تلمحني قادما من بعيد، تفرك أصابعها كمن يعد النقود في إشارةٍ مفادها أعطِني نقودي عاجِلا». ولا يُمكن إلا أن يستوقفنا التصوير المُمتع لمشهد انتقامه الطريف منها واصفا إياه بقوله: «دأبَت العجوز تطلب مني أن أُقلها على دراجتي النارية إلى المدينة؛ لأن بخلها الشديد يمنعها من أن تستقل عربة روكشا وتدفع شيئا من جيبها. كُنتُ أتقصدُ أن أسلكَ بها طُرقا وعرة غير مُعبدة، تلك التي تكثر فيها المطبات والحفريات، أجعلها تتطاير في الهواء كقطعة قماش، وهي مُتشبثة بي، أحيانا أُخرى أستخدم المكابح بشكلٍ مُتكرر وحاد دون سبب، وكُلما طلَبَت مني تخفيف السرعة قمتُ بزيادتها أو الانعطاف الحاد هُنا وهناك، مُستمتعا برؤيتها تُرفرف خلفي كالعلم في الهواء..».
على لائحة الإنتربول!
تنعطف الأقدار بمصيره للسفر إلى «النيبال» بهدف زيارة الأسرة التي ربطت بينه وبينها صداقة وثيقة خلال إقامتها في المبنى الذي يعيش فيه، وهُناك تورطه قلة تجربته وضآلة خبرته، بكارثة جعلتهُ مطلوبا للعدالة من الحكومة النيبالية، بينما تُطارده شريحة واسعة من الشعب النيبالي! فيتم ضربه وتخديره واختطافه ثم حشره في صندوق سيارة للهرب به إلى مكانٍ مجهول! تتوالى الأحداث ليجد نفسه حليق الرأس مُتنكرا بثياب راهب بوذي في حافلة مُخصصة لنقل الرهبان عبر الحدود، وما أن يُتم دراسته الجامعية حتى يتم القبض عليه في مطار بلده، ويكتشف أن اسمه على لائحة الإنتربول بسبب جرائم عالمية لم يرتكبها، لكن الأقدار تُحالفه كُل مرة ليتمكن من النجاة في اللحظات الأخيرة، وتُجبره كُل تلك المِحَن على اللجوء إلى القوة المُنقذة العُليا أينما كان مكانها دون قيود، مُشيرا إلى هذا بقوله: «مررنا في طريقنا على الكثير من المعابد، والمزارات الدينية التي يمكنني التعرف إليها من خلال الأعلام، والأقمشة الملونة التي تُرفرف على أسوارها أو فوق جُدرانها. وكنتُ أحرص على مُناجاة ربي في داخلي كلما مررت على أحدها مُناشدا إياه أن يقيني مما مررتُ به سابقا، ويمنحني عُمرا أرى فيه أهلي وناسي. لم أكُن أعلم إلى أي الديانات تنتمي أماكن العبادة تلك! أو إن كانت لأصحاب عقيدة وديانة واحدة، أم مُتعددة الديانات؟! كما لا أعرف في أي زمانٍ شُيدت، ومن قام بتشييدها، لكنني مؤمن بأنها بُنيت من قِبل أُناس صالحين..».
نظرة واقعية لحقوق المرأة:
تلك المُغامرات التي كانت علامة فارقة في تعزيز وعي بطل الرواية الحقيقية بحقوق الإنسان قبل أن يبلغ العشرين من عُمره، ومن بينها قضايا اللاجئين وما يمرون به من ظروف شائكة، ومُعاناة العُمال المسحوقين المهاجرين طلبا للرزق من بلدانهم الرازحة تحت خط الفقر، ومواجهات المرأة لنيل حقوقها الأساسية في التعليم والرعاية الصحية وتقسيم الميراث العائلي في المجتمعات الذكورية التي تخضع فيها النساء إلى سلطة الرجل الذي تنحاز لصالحه الأعراف والتقاليد، ومن اللافت للاهتمام أن علاقة الراوي بالمرأة في روايته تمتاز بموضوعيةٍ وواقعية ساهمت في رفع مستواهما لقاءاته الإنسانية بنماذج ذات شخصيات متنوعة من السيدات خلال تلك الرحلة، بعد مُغادرة عالم والدته الحنونة، التي كانت تحلم بحصوله على الشهادة الجامعية لأنها أرادت أن يُحقق أبناءها ما حُرمت منه عندما أُخرِجت من المدرسة قسرا في الصف الثالث الابتدائي لتزويجها؛ التقى بالسيدة الإيطالية الشابة «ماريا سالادينو» لتنمو معها ومع زوجها وطفلتها صداقة مُزدهرة، وزميلات الجامعة الكينيات اللواتي يتقاسم معهن بعض الوجبات، والسيدة «جانتن» النيبالية التي تتحلى بقوة الشخصية رغم البساطة والتواضُع ومصاعب عيش النساء في مُجتمعها، وغيرهن ممن سمحن لزوايا رؤيته أكثر اتساعا نحو طبيعة المرأة وحقوقها الإنسانية.
بعد عامين من المُغامرات والمفاجآت غير التقليدية يعود بطل الرواية في زيارة إلى بلده بشخصية مُختلفة، حفرت التجارب بصماتها العميقة في نفسه، وأحدثت الصدمات انقلاباتٍ جبارة في ذاته، ومن هُنا تتغير نظرته للأمور، وهو ما عبر عنهُ بقوله: «أدركتُ في هذه الزيارة أن التغيرات التي طرأت لم تكُن مُتعلقة بالمكان والزمان فقط؛ أو الأحداث السياسية والاجتماعية؛ بل طالت بنية عقلي وفهمي وتأويلي للأمور، مُقارنة بما كانت عليه قبل السفر. أدركتُ حينها أن عامين من المهجر، وما ترتب عنهما من تراكمات اجتماعية وثقافية وإنسانية مُهمة قد تَرَكت تأثيراتها على شخصيتي، بحيث لم أعُد أرى الأشياء كما كانت عليه في الماضي، أو أحكُم عليها بقوالب تقليدية جاهزة كما كُنتُ أفعلُ سابقا في حياتي..».
كاتبة من السعودية