الكويت ـ «القدس العربي» منى الشمري: مثقفون وفنانون يؤبنون المسرح السياسي في الكويت، الذي كان محرك تنوير مجتمعي ووجهة متعة طالما دق ناقوس الخطر لمخاطر وقعت فعلا في قراءة بعيدة النظر لواقع البلد، لكن المسرح السياسي في حالة شلل تام منذ سنوات، ومع أحد أهم رموزه الفنان سعد الفرج ناقش أعضاء وضيوف الملتقى الثقافي أزمة المسرح في الكويت، حيث أجمعت كوكبة من المهتمين بالمسرح على أنه تم تغييب المسرح الجاد في الكويت مقابل رواج المسرح التجاري. وأرجع المتحدثون أزمة المسرح إلى تلاشي الدعم الحكومي وتعسف الرقابة، بالإضافة إلى وجود رقابة موازية تتمثل في التيار الديني.
في بداية اللقاء أكد مدير الملتقى الثقافي الروائي طالب الرفاعي أن الحديث عن الفنان سعد الفرج ليس حديثا عن المسرح الجاد وحسب، وإنما هو حديث عن التنوير، وقال الرفاعي إن الفرج قامة كبيرة في الحركة الفنية الكويتية على مستوى المسرح والتلفزيون والسينما.
وبدأ الفرج حديثه بتأكيده أن المسرح يعني له الحياة، وقال إن بدايته مع المسرح كانت في المسرح الشعبي، حيث كان يبيع التذاكر للجمهور، وكان يحلم بالوقوف على خشبته وهو ما تحقق له بعد قدوم زكي طليمات إلى الكويت.
وتوقف عند بعـــض المحطـــات المسرحية المهمة في مشواره المسرحي، فبدأ بالحديث عن مسرحية «الكويت سنة 2000» التي عرضت على المسرح عام 1965 وكانت تستشرف المستقبل وتدعو إلى عدم الاعتماد على النفط كمصدر دخل وحيد.
جماعات الإسلام السياسي
وغرفة التجارة ضدنا
وتابع الفرج: من الأمور التي تقيد الفرق المسرحية الأهلية أنها جمعيات نفع عام، وبالتالي لا يسمح لها بأن تخوض في السياسة بحكم القانون، لذلك اتفقت مع عبد الحسين عبد الرضا على إنشاء مسرح خاص فأسسنا المسرح الوطني وقدمنا «بني صامت» وتعرضنا لمضايقات فاتجهنا إلى المسرح الاجتماعي وقدمنا «بيت العز».
وتطرق إلى مرحلة أخرى في مسيرته، عندما تعاون مع الكاتب عبد الأمير التركي في «حرم سعادة الوزير» و»ممثل الشعب» وهي أعمال سياسية جادة تم «تكويتها» من المسرح العالمي.. وبعدها «دقت الساعة» و»حامي الديار»، و»مضارب بني نفط» و»هذا سيفوه وهذي خلاجينه» وبسببها قامت جماعات الإسلام السياسي وأعضاء في غرفة التجارة بشن حملة ضدنا وتم تحويلنا للمحاكمة ثم الإفراج عنا بكفالة 300 دينار، ما عدا عبد الحسين عبد الرضا الذي حكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر بسبب جملة خرج فيها عن النص المجاز من الرقابة.
وأشار إلى أن المسرحية تعرضت للهجوم من التيار الديني المتمثل في جمعية الإصلاح، حيث وصفته المجلة الناطقة باسمها بالحشاش وشارب الخمر، لأن المسرحية طالبت بفصل الدين عن السياسة.
وقال الفرج إن جمعية الإصلاح طلبت منه سنة 1974 تقديم مسرحية إسلامية يكون فيه أبطال العمل من الرجال فقط، واعتذرت لهم لأنه لا يمكن نجاح عمل مسرحي من دون وجود للمرأة، وعلق قائلا بأنهم يؤمنون بدور المسرح وأهميته لكنهم يريدون مسرحا على حسب فكرهم.
وقال إن المسرح السياسي تم القضاء عليه لأسباب عديدة، حيث أن المسرح يعتبر من جمعيات النفع العام، ومن شروط هذه الجمعيات عدم العمل بالسياسة، وهو ما يمكن أي مسؤول من تدمير المسرح، كما أشار الفرج إلى نقطة أخرى تتعلق بالرقابة، حيث أشار إلى أن هناك رقابة موازية للرقابة الحكومية، حيث يمكن لأي جهة أو شخص في المجتمع أن يرفع قضية ويوقف عرض المسرحية، ووجود رقابة مجتمعية شديدة، حيث سبب أن يكون النص مجازا ثم تحدث مشكلة فتتراجع رقابة الدولة عن إجازته. وأضاف: بعد الاحتلال وبعد التحرير.. تخلصنا من المسرح السياسي الجاد.. فمن عام 1991 أين المسرح السياسي الجاد؟ وكانت لي تجربة قبل سنوات قليلة في «عنبر و11 سبتمبر» مع الفنان القطري غانم السليطي قدمناها لشهر ونصف الشهر من العمل والبروفات بدون أجر.. وخسرنا كشريكين في الإنتاج في الدعاية والإعلانات.. لأن المسرح الجاد لا يدعم وغير مطلوب لا في الكويت ولا في غير الكويت.. حتى لا يشكل سلطة.
المسرح يتيم لا أب ولا أم له
وأضاف: المسرح الآن يتيم الأب والأم لأنه لا يوجد دعم ولا تشجيع.. مستذكرا دور المغفور له الشيخ عبد الله السالم قائلا: إذا كانت هناك نهضة مسرحية في أي وقت من الأوقات فهي بفضل المغفور له الشيخ عبد الله السالم الذي بنى في كل ضاحية مسرحا.
وأكد الفرج أن الكويت تخلصت من الغزو العراقي وطردت المحتل، لكنها طردت معه المسرح السياسي والمسرح الجاد، في مقابل إفساح المجال لمسرح التهريج، مشيرا إلى أنه تعرض للمضايقات والتهديد فترك المسرح السياسي واتجه إلى المسرح الاجتماعي.
وتوقف عند مسألة الدعم الحكومي للمسرح، مشيرا إلى أنه في العصر الذهبي للمسرح كان يتم دعم العرض المسرح بـ50 ألف دينار، وأن التلفزيون كان يدعم المسرح من خلال الإعلانات، لكن الدعم توقف وأصبح المسرح يتيما بلا أب أو أم، وهو ما أدى إلى خسائر كبيرة. مؤكدا أنه خسر في مسرحية «عنبر و11 سبتمبر»، وأضاف أنه ما لم تدعم الدولة المسرح فلن تقوم له قائمة.
حكومات الظل الخفية
وعلق الناقد الأديب سليمان الشطي على وجود رقابة موازية، كما قال الفرج، إن بعض المسؤولين ليسوا قادرين على تحمل المسؤولية فهم حتى لا يتحلمون مسؤولية الدفاع عن نص أجازوه، وقال إنه عندما وجد هؤلاء الرجال في الماضي انتعش المسرح، وطالب الشطي أهل المسرح بتكوين جبهة موازية حتى يعود المسرح إلى تألقه. وهاجم الشطي: حكومات الظل الخفية، التي تجعل كل مسؤول لا يتحمل مسؤولية قراره.. فتجاز الأعمال ثم يتم التراجع عنه.. وأكد أن المسرح لن ينهض إلا بثلاثة عوامل هي: الرعاية والتقدير والحماية من كل أنواع الرقابة. وزير الإعلام السابق محمد السنعوسي لام المسرحيين على التحجج بعدم وجود دعم حكومي، مشيرا إلى أن الدولة من حقها ألا تقدم دعما للمسرح، وتساءل عن دور المسؤولين عن نشاط الحركة المسرحية في توفير الميزانيات للأعمال المسرحية.
الدراما سرقتهم نجومية وفلوس
ودعا إلى عدم تعليق كل شيء على شماعة الدولة.. وأشار إلى أن الفنانين الكبار لدواعي السن لم يعودوا باللياقة نفسها التي تسمح لهم بالسهر والعمل في بروفات طويلة وبالتالي ابتعدوا عن المسرح.. وأيضًا سهولة العمل في الدراما التلفزيونية ومردودها من الأجر والشهرة أثر سلبا على الحركة المسرحية.. عدا عن أن طبيعة المجتمع نفسه تغيرت مع ظهور أشكال فنية مختلفة. كما أكد السنعوسي أهمية النشاط المسرحي المدرسي المهمل لإحياء المسرح. وأشاد بخطوة الحكومة في إنشاء مجموعة من المسارح في الفترة المقبلة.. وبخطوة إطلاق اسم عبد الحسين عبد الرضا على مسرح السالمية.. وجهود وزير الإعلام في التخفيف من الإجراءات البيروقراطية والرقابية.
من جهته، اتفق خالد عبداللطيف رمضان مع الفرج في وجود رقابة موازية، مشيرا إلى أن الرقابة الرسمية تبدو أحيانا أكثر تساهلا من هذه الرقابة الموازية. بينما طالب الفنان جاسم النبهان بعودة المنافسة بين فرق المسرح الأربع من خلال إلزام كل فرقة بعرض مسرحي خلال الموسم لتعود المنافسة وتعود الجماهير للمسرح. وتطرق إلى أهمية قيم الحب والاحترام التي تأسست عليها الفرق المسرحية الأهلية، التي غابت في هذه الأيام.. وكذلك أهمية المواسم المسرحية التي فتحت الباب للمنافسة الشريفة لكنها توقفت وتم الاكتفاء بمهرجانات للنخبة.. ودعا إلى تفعيل الرقابة على المسرح التجاري الذي لا يقدم أي نصوص ويعتمد على الارتجال.
بينما أشار الاكاديمي فهد عبدالمحسن إلى أن جيل مرحلة التأسيس كان ينظر إلى المسرح كجزء من بناء الإنسان الكويتي، مطالبا بعودة الدولة في دعم المسرح والإيمان بدوره.
أما نبيل الفيلكاوي فتحدث عن جهود نقابة الفنانين والإعلاميين وكيف سعت لتعديل قانون المرئي والمسموع قائلا: القانون مهلهل ويمكن استغلاله بسهولة ضد الفنانين وهو ما حدث عند تحويل كبار الفنانين إلى النيابة.. والتقينا وزير الإعلام ووجدنا منه الدعم لطرح رؤى.. فطلبنا إلغاء الرقابة الفنية وليس القانونية.. وإلغاء شرط تسليم الأعمال الخاصة في شهر رمضان كاملة قبل ستين يوما، لأنه شرط يستحيل تطبيقه وسيؤدي إلى إعدام الدراما التلفزيونية.. كما ألغينا لجنة المشاهدة.. والوزير تفهم كل ما طرحناه ووعد بتسهيل الإجراءات لأن الكويت فقدت ملايين بسبب الإجراءات الروتينية والرقابية مع ذهاب المنتجين إلى دول أخرى.
نظرة متفائلة
من جانبه تطرق علي العنزي إلى أهمية تطوير المعاهد الفنية ونقل تبعيتها من وزارة التعليم إلى الجامعة وقال: القربة مليئة بالثقوب ولن تعالج كل مشاكل المسرح إلا حين يوكل الأمر إلى أهله.
الفنان فيصل العميري أكد أن المسرح لن يتطور من دون دعم ورعاية ووجود صالات مجهزة.. والأهم ذلك أن يكون هناك ذلك الشغف بفن المسرح الذي كان لدى الرواد. وأخيرًا تحدث المخرج وليد العوضي عن تجربة تعاونه سينمائيا مع الفنان سعد الفرج وأكد أهمية النظرة المتفائلة، مشيرا إلى أنه شاهد عرضين مهمين في الأسابيع الماضية هما «أوبرا ديرة» ومسرحية «تانيا».. واعتبر أن المشاكل الرقابية وغيرها هي فردية تعود إلى الأشخاص وليس إلى الدولة نفسها.. مشيرا إلى انقسام أعضاء الرقابة على سبيل المثال عند إجازة فيلمه «تورا بورا».