البليدة الجزائرية: تاريخ غابر بروح أندلسية

محمد سيدمو
حجم الخط
4

الجزائر ـ «القدس العربي»: للبليدة، أشهر مدن شمال وسط الجزائر بعد العاصمة، قصة جميلة، فهي منذ تاريخ غابر، سهل منبسط وتراب خصيب وماء دافق، لم تكن تحتاج سوى مهندس بارع يستطيع تحويل هذه النِعم إلى جنة عامرة، فكان أن قيضت لها العناية الإلهية في القرن السادس عشر، مهاجرا من الأندلس، ساعد سكانها على البناء والتعمير، فأكرموه بأن جعلوه مؤسس المدينة وباني مجدها.

تقول الحكاية التي تدعمها شواهد كثيرة في المدينة، إن أحمد سيدي الكبير، وصل البليدة قادما من الأندلس ضمن وفد من المهاجرين، على الأرجح في العقد الثالث من القرن السادس عشر، وكان عالما في الدين ومهندسا بمعيار ذلك الزمان في الري والعمران، فأحب المكان واستوطنه بعد أن وجد الترحاب من أهله.
عند مجيئه، تقول الروايات تحديدا إن أحمد سيدي الكبير، وجد بعض القبائل العربية والبربرية في المكان، والتي من أبرزها قبيلة أولاد سلطان التي آوته وأعطته الأمان هو ومن معه. وسرعان ما أظهر الوافدون الجدد من الأندلسيين، صورة مغايرة لما ألفه السكان، من حسن التنظيم والتدبير والأسلوب المبتكر في تصميم الحدائق والجنان والنفس الجديد في الطهي والذوق الرفيع في الفن والموسيقى، فحدث التلاقي والإعجاب ثم المصاهرات، وصمّم السكان الأصليون والوافدون على التعاون على إحداث ثورة في هذه الرقعة التي تحولت سنوات بعد ذلك إلى قطب كبير من أقطاب العمران الإسلامي والعلم الديني في الجزائر.
كانت بداية التعمير، مثلما هي الفلسفة الإسلامية، ببناء مسجد ثم التوسع حواليه بمرافق الحياة الضرورية التي ألفها الأندلسيون في بلادهم مثل الحمام والسوق ودكاكين أصحاب الحرف والأفران، إذ تقوم الفكرة على أن يجتمع الناس في المسجد للصلاة ثم ينتشروا في الأرض لقضاء حوائجهم التي بتسييرها يظهر العرض والطلب الذي يبني اقتصاد المدينة. وهكذا شيئا فشيئا توسعت البليدة وظهرت الحاجة لحمايتها، فشيدت على أطرافها أسوار تخترقها سبعة أبواب، لا تزال أسماؤها دارجة على الألسن إلى اليوم رغم اختفائها ماديا، وأشهرها باب السبت وباب الرحبة وباب الخويخة وباب الدزاير وباب الزاوية.

الدويرات أو قصبة البليدة

وتحتفظ ذاكرة المكان اليوم من تلك الحقبة بحي الدويرات أو أولاد سلطان الذي يعد الحي الأثري بامتياز في المدينة رغم عوامل الزمن والإهمال التي شوهت كثيرا من جماليته. وهذا الحي تتضارب الأخبار حوله بين من يقول إنه كان موجودا في جزء منه قبل مجيء أحمد سيدي الكبير وبين من يقول إن هذا الرجل الصالح بمعية من قدموا معه هم من بنوه من الأساس، بطراز يشبه كثيرا ما نراه في مدن أندلسية عريقة مثل إشبيلية أو غرناطة أو طليطلة كما أنه لا يختلف كثيرا إلا في بعض التفاصيل عن حي القصبة أشهر أحياء الجزائر العاصمة.
لغويا، الدويرات هي جمع الدويرة أي البيت باللهجة البليدية التي اعتادت على أسلوب تصغير الكلمات، فالبليدة أصلا هي تصغير لكلمة البلدة، كما يمكن سماع كلمات أخرى شبيهة على لسان أهل المدينة مثل البويتة وهي تصغير لكلمة بيت أو تويقة التي هي تصغير لكلمة «تاقة» باللهجة المحلية وتعني النافذة. وقد سميت الدويرات بهذا الاسم لأن الحي عبارة عن بيوت متراصة مصممة بشكل يضمن لكل بيت حرمته وحشمته مع انفتاحه على الجيران، حيث يكثر التزاور والتآزر بين أبنائه في الأفراح والأتراح.
تمتاز أبواب بيوت الحي بعلوها المرتفع وشكلها المقوس. وعند الولوج للداخل، نجد فناء المنزل الذي يطلق عليه البليديون اسم «وسط الدار» والذي يزيّن في العادة بغرس أشجار الياسمين المعروفة بها المدينة وأشجار الليمون، ما يضفي على أجواء البيت عطرا طبيعيا خالصا، يتناول على نسماته أهل المنزل فطورهم وعشاءهم في أزمنة الصيف والربيع. كما تمتاز غرف البيت بشساعة مساحتها وشكلها المستطيل، وهي صفة يحبها إلى اليوم سكان البليدة الذين يمقتون «الضيق» ويتطلعون دائما للسكن في الأماكن الواسعة المنشرحة التي بها فناء وحديقة.
لا يمكن القول اليوم إن حي الدويرات بقي نسخة عن سيرته الأولى، فقد جرت عليه عوامل الزمن وتغير الثقافات، واضطر سكانه للتعامل مع النمو السكاني بغير هدى، فقاموا بتوسعات عشوائية داخلية شوهت مبانيه كما أن الترميم في أغلب الأحيان لا يكون مطابقا للأصل ولا يجري على يد مختصين، وهي كلها عوامل جعلته يفقد كثيرا من جماليته، حتى وإن كانت بعض اللمسات الإبداعية لا تزال إلى اليوم واضحة وتكشف مدى الروعة التي كان عليها هذا المكان في قرونه الأولى.

آثار الفترة العثمانية

لقد كان القرن السادس عشر مفصليا في تاريخ البليدة، ومع قدوم العثمانيين لحكم الجزائر، تحولت المدينة إلى إحدى أهم المراكز الحضرية التي تتبع دار السلطان أي بايلك العاصمة وهي السلطة المركزية في البلاد ذلك الوقت، ما جعل البليدة تتجنب أن تكون خاضعة لحكم بقية الأقاليم وأهواء حكامها. وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن سكان البليدة كانوا في حدود 500 نسمة في بداية القرن السادس عشر وصاروا نحو 10 آلاف في القرن التاسع عشر، وذلك على الرغم من الآفات والكوارث الطبيعية التي مرت عليها والتي من أشهرها الطاعون والزلازل.
واليوم، يمكن بسهولة العثور على ما تبقى من معالم تلك الحقبة التي استمرت ثلاثة قرون ونيف، والتي من أبرزها المبنى الذي يضم مقر بلدية البليدة، والذي كان خلال الفترة العثمانية دارا تابعة لإبراهيم آغا وهو صهر الداي حسين حاكم إيالة الجزائر وقائد جيشه خلال أواخر حكمه قبل الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830 وفق ما تشير مراجع تاريخية. وهذا القصر يمتاز بهندسته البديعة، التي تطبعها الأقواس والأبواب الخشبية والفناء الذي تتوسطه نافورة ومختلف نباتات الزينة، وهو من أكثر المعالم التي يعرفها سكان البليدة بحكم زيارته اليومية لقضاء مصالحهم الإدارية.
وفي الواقع، كثيرا ما تمنى المهتمون بآثار المدينة، لو يتم ترميم هذا المعلم وفق هندسته الأولى وإبعاده عن وظائف لم يكن معدا لها للحفاظ عليه، كونه يعد كنزا أثريا لا يقدر بثمن، ليتجنب مصير معالم أخرى زالت من الوجود مثل دار الباي التي تقع في ما يسمى حاليا زنقة الباي أي زقاق الباي، والذي كان يضم مكاتب إدارية تابعة للإدارة العثمانية، وأصبح مع الزمن أثرا بعد عين.
وإلى الشمال قليلا، يوجد قصر عزيزة الشهير في محيط بلدية تدعى اليوم بني تامو، وهو مبنى كبير شيد في بداية القرن الثامن عشر بأمر من الحاكم العثماني مصطفى باشا حتى يقدمه هدية لابنته عزيزة وكان معماره مميزا وبنيانه قويا حتى أنه ظل صامدا خلال الزلزال القوي الذي ضرب المدينة منتصف القرن التاسع عشر. ظل هذا المكان من أبرز استراحات العثمانيين في البليدة، ذلك أنه محاط ببساتين وحقول من كل جهة، فكان داخله يضمن الراحة لمقيميه وزواره وخارجه يمتعهم بصريا بالخضرة والنبات والورود المختلف ألوانها.
وخلال فترة الاستعمار الفرنسي، خرج هذا القصر عن وظيفته ليتحول إلى سجن وظفه المستعمر الغاشم لقمع الجزائريين، ثم أصبح إقامة لأحد القادة العسكريين الفرنسيين. ومع تحرر البلاد، ترك القصر دون عناية حتى استوطنته مجموعة من العائلات وعبثت بداخله عبر تقطيع أوصاله وبناء أسوار داخله دون مراعاة لمتطلبات الحفاظ عليه.

مساجد لها تاريخ

ولعل أكثر ما بقي قريبا من صورته الأولى، عن تلك الفترة هي المساجد التي لها حرمتها الخاصة. ويتشبث أهل المدينة وأصلاؤها خاصة، بتأدية الصلاة في مسجدي ابن سعدون والحنفي اللذين يعدان من أقدم أماكن العبادة بالبليدة ويقعان في أحيائها الضيقة بجانب السوق أو ما يعرف هنا بالسويقة.
لا ريب في أن بن سعدون الذي يمتاز بصومعته المربعة، هو عميد مساجد البليدة حاليا، فقد بني في أواخر القرن السادس العاشر مع استتباب الأمر للعثمانيين واحتفظ باسم بانيه ابن سعدون بن محمد بن بابا علي. ورغم أنه يتربع على مساحة بسيطة تقدر بنحو 260 مترا مربعا، ويمكنه أن يجمع نحو ألف مصل كأقصى حد، إلا أنه يلعب دورا هاما ليس فقط في الجانب الديني بل في باقي مناحي التعاون والتعاضد والصلح بين المتخاصمين، فهو مسجد تحفّه بركة كبار السن ممن تعودوا عليه وأصبحوا لا يفارقون زوايا للتعبد وتدارس القرآن الكريم.
ومن الأسرار التي تحكى عن بركة هذا المسجد قصة بنائه التي لا يعلم إن كانت حقيقة أو خيالا، لكنها لا شك جاذبة ومحببة لزيارته. ومما يروى أن مشيد المسجد بن سعدون كان تاجرا صاحب مال وكانت له زوجة صالحة لم ينجب معها أطفالا، فطلب منها يوما أن تعطيه من حليها ووعدها بهدية مفرحة مقابل ذلك. مرت السنون وكانت الزوجة تسأل دوما عن الهدية، فلما اكتمل بناء المسجد أخذها إليه وقال لها هذه هديتك التي ستبقى صدقة جارية علينا إلى يوم الدين.
وغير بعيد عن جامع بن سعدون، يقع المسجد الحنفي الأثري الذي يحمل حاليا اسم الإمام مصطفى اسطنبولي. وقد بني هذا المسجد في منتصف القرن الثامن عشر، على يد العثمانيين الذين كانوا يتبعون مذهب أبي حنيفة على عكس سكان الجزائر الذين يتبعون مذهب الإمام المالك. ويمتاز هذا المسجد بصومعته مثمنة الأضلاع والتي يصل طولها إلى 35 مترا، وقاعة صلاته الفسيحة التي تضم أربعة أروقة وبعضا من الزخارف بالزليج فوق بوابته.
ومن المساجد الأخرى التي اندثرت، مسجد سيدي أحمد الكبير نسبة للمؤسس الذي بني سنة 1535 قرب ساحة التوت الشهيرة وسط البليدة، والذي يقول مهتمون بتاريخ المدينة إن فرنسا الاستعمارية بنت على أطلاله كنيسة البليدة التي حوّلت إلى مسجد الكوثر بعد الاستقلال، ومسجد آخر يسمى بابا محمد قامت السلطات الفرنسية بتدميره وبنت مكانه ثكنة عسكرية.

قصر ملك البنين

ومن غرائب الصدف التي حدثت بعد دخول الاستعمار الفرنسي، أن جُعل إحدى قصور منطقة الدويرات منفى للملك الحادي عشر بيهنزن كوندو لمملكة داهومي التي تعرف بالبنين حاليا، والذي عاش في المكان من عام 1894 إلى غاية وفاته سنة 1906 بعد أن أطاحت به فرنسا إثر استعمارها للبنين. وفي سنة 2015 زار الرئيس البنيني هذا المبنى رفقة وزير الخارجية الجزائري آنذاك، كما أنه مزار لمختلف البعثات الطلابية لدولة البنين إلى الجزائر. لكن المبنى الذي يقع على أطراف الدويرات أصبح اليوم من الأطلال، لا يظهر منه سوى مدخله، وسط محيط فوضوي لا يشير إلى أن هذا المكان احتضن ملكا.

جنة المستعمر

واصلت البليدة في فترة الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 سنة جاذبيتها، فقد كانت أراضيها التي انتزعت بعد مقاومة شرسة كان من أبطالها المقاوم الشهير بن زعموم، المكان المفضل لإقامة تجمعات الكولون الفرنسي والتي تحولت مع الزمن لمدن كبيرة تمتد من بوفاري» شرقا إلى العفرون غربا، وهي كلها مدن كولونيالية تملك فيها المستعمرون أراض شاسعة بعد أن أبعدوا أهلها منها إلى الجبال والهضاب الأقل خصوبة. ولأهميتها، كانت البليدة أولى المناطق التي مد نحوها الكولون سكة الحديد كما كانت أبرز محطة لنابليون خلال زيارته الشهيرة للجزائر بعد استعمارها.
ولا تزال آثار الحقبة الاستعمارية حاضرة بقوة، من خلال العمران الذي يظهر في مدينة البليدة بالنمط الأوسماني الموجود في العاصمة الجزائر والذي يحاكي طريقة البناء الباريسية. ومن أشهر المناطق التي سكنها المعمرون، محيط ساحة التوت، والتي أخذت هذا الاسم من الكلمة الفرنسية «toute» التي تعني الكل بمعنى أن ساحة التوت كانت منطقة كل المصالح الإدارية. ومما يحكى خلال تلك الفترة، أن بعض فنادق المدينة، كانت مزارا لمشاهير مثل عملاق السينما الصامتة شارلي شابلين.
علاوة على ذلك، يذكر المهتمون بالتاريخ أن أراضي المتيجة التي تقع في معظمها داخل نطاق ولاية البليدة الحالية، كانت بمثابة سلة غذاء لفرنسا. واشتهرت هذه المناطق خاصة بإنتاج الكروم الذي كان يوجه لصناعة الخمور وإنتاج أجود أنواع البرتقال ومحاصيل كثيرة من الخضر والفواكه والحبوب، كانت تشحن من ميناء العاصمة رأسا باتجاه مارسيليا. وتوجد اليوم مواقع كثيرة على الأنترنت للأقدام السوداء (تسمية المستوطنين الفرنسيين في الجزائر) تظهر مدى حنينهم وتعلقهم بمدن البليدة.

ولاية مليونية

أما اليوم وبعد ستين سنة من الاستقلال، أصبحت البليدة ولاية مليونية في الجزائر بفعل التوسع الديموغرافي الهائل الذي عرفته ونزوح عشرات الآلاف من العائلات نحوها بفعل ما توفره من خدمات وفرص للعمل. والولاية اليوم، تضم منطقة صناعية كبيرة وهي أحد أكبر مراكز الصناعة الغذائية في الجزائر، فضلا عن صناعات أخرى مثل صناعة مواد التجميل والأثاث ومواد البناء والصناعات الدوائية.
كما أن البليدة تستمر في كونها رغم تراجع المساحة الزراعية بفعل الامتداد العمراني واحدة من أكبر الولايات الفلاحية، وقد استغني فيها عن الجزء الأكبر من زراعة الكروم لفائدة منتجات أخرى تساهم في تأمين حاجيات البلاد الغذائية.
ويبرز قطاع الخدمات بقوة، فالولاية تضم حاليا جامعتين هما من بين الأكبر في البلاد، كما أنها تعد من أهم مراكز تدريس الطب بفضل احتوائها على عدد كبير من المستشفيات الجامعية. ومن الجانب السياحي، تشتهر البليدة التي لا تطل على البحر رغم قربها منه، بمحميتها الطبيعة الشريعة، التي تهيمن على جبال الأطلس البليدي، وتمتاز بتنوع بيئي وطبيعي هائل، حيث توجد بها حيوانات وأشجار ونباتات نادرة كما تحوي بحيرة معلقة على علو شاهق في منطقة الضاية. وتتحول هذه الأماكن إلى مزار للسياح في فترة الشتاء بعد أن يكسوها بياض الثلج، وعلى منحدراتها يمارس هواة التزلج رياضتهم المفضلة.
يبدي أهل البليدة فخرهم بهذه المدينة التي صنعت جزءا هاما من التاريخ الجزائري الحديث وكانت دائما عاصمة الظل التي تأوي آلاف الإطارات من الذين يديرون مراكز حساسة في مختلف المصالح الحكومية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية