روبرتو دي زيربي… عبقري ابن ثري يهابه جبابرة البريميرليغ!

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: روبرتو دي زيربي، مدرب إيطالي شاب في عقد الأربعينات، بدأ مشواره التدريبي قبل عقد من الزمن من تحت الصفر، كمدرب طموح في دوري القسم الثاني الإيطالي. كان حلمه الوحيد استكشاف موهبته الفذة في عالم التدريب، بعد فشله في تحقيق أبسط أهدافه وطموحاته في مسيرته الاحترافية الخجولة داخل المستطيل الأخضر، ولولا إيمانه بموهبته وثقته الكبيرة في نفسه، لتوقف عن ممارسة مهنة التدريب في منتصف الطريق، بيد أنه أصر على مواصلة رحلته الشاقة، إلى أن بدأ يجني ثمار صبره ومثابرته طيلة السنوات الماضية، بتحوله في فترة قياسية إلى واحد من مدربي الصفوة في الدوري الإنكليزي الممتاز وأوروبا، بفضل معجزاته وعروضه الهوليوودية ونتائجه التاريخية مع فريقه برايتون.

ابن الملياردير البسيط

أطلق دي زيربي صرخته الأولى على هذا الكوكب في يونيو/ حزيران 1979، هناك في الشمال الإيطالي، تحديدا في موطن نادي بريشيا في مومبيانو الجذابة، لأبوين من طبقة الأغنياء، حيث كان الوالد ألفريدو دي زيربي، رجل أعمال يملك شركات متخصصة في بيع أجهزة التنظيف المنزلية الكهربائية، لكن في نفس الوقت، كان يحظى بحب واحترام الجميع في ملعب «ماريو ريغاموتي»، باعتباره رئيس مركز التنسيق في بريشيا، وهذا كان عملا تطوعيا من قبل الوالد، لشغفه وتعلقه بالنادي، الأمر الذي جعل الصغير روبرتو ينجذب لسحر وجنون كرة القدم، أو كما قال عنه الوالد في أكثر من مقابلة تلفزيونية: «كان روبي لا يمكن إيقافه. كان يقفز في كل مكان مع كرته دائما. لم يكن يتوقف أبدا»، وذلك في أوج سنوات جنة كرة القدم في ثمانينات القرن الماضي، عندما كان الدوري الإيطالي يضم نجوم الصف الأول، وعلى رأسهم دييغو أرماندو مارادونا وميشيل بلاتيني وأساطير أخرى، ألهمت دي زيربي وكانت سببا مباشرا في تعلق قلبه بالمركولة المجنونة، الى درجة أنه كان يقضي كل وقته في تقليد براعة مارادونا في ملاعب مومبيانو الترابية، إلى أن أرسله الوالد إلى أكاديمية ميلان، على أمل أن يحترف اللعبة من الباب الكبير، لكنه ظل يكافح مع أندية مجهولة في سنواته الأولى في دوري الدرجة الثانية والثالثة، فقط الاستثناء أو مشاعر الفخر الوحيدة التي يحتفظ بها في مشواره الاحترافي، كانت في فترته القصيرة مع نابولي. ورغم أنه لم يكن له تأثير كبير، إلا أنه يعتز كثيرا بهذه التجربة، التي جعلته الفرصة والشرف للدفاع عن ألوان بطل الطفولة الراحل دييغو، وفي الأخير أنهى مسيرته في العام 2013 بعد تنقله بين 16 ناديا.

احتواء الأستاذ

بعد ثلاث سنوات من تقاعده، وجد نفسه في وظيفة تدريب مثالية، بحصوله على فرصة خلافة مواطنه دافيدي بالارديني، بعد إقالته من تدريب باليرمو في شهر حظه سبتمبر/ أيلول عام 2016، ومع ذلك، لم تسر الأمور كما كان يخطط الشاب البالغ من العمر 37 عاما آنذاك، بسلسلة من النتائج التي وُصفت بالكارثية، الى درجة أنه فشل في قيادة الفريق للحصول ولو على نقطة يتيمة في أول ثلاثة شهور في مبارياته على أرضه، بإجمالي 7 هزائم مع أداء أقل من متواضع. وما زاد الطين بلة وعجل بقرار طرده، كانت الهزيمة أمام سبيتزيا الناشط في دوري الدرجة الثانية في كوبا إيطاليا بركلات الترجيح، هنا أدرك صديقنا الطموح، أنه بحاجة للحصول على استراحة محارب، فهل تعرف ماذا فعل خلال عام الراحة؟ قام بتطوير مهاراته التدريبية من خلال تعلم أصول كرة القدم الهجومية القائمة على الاستحواذ والهيمنة، وطوق النجاة كان أستاذه ومُلهمه في مهنته الجديدة الفيلسوف بيب غوارديولا، الذي احتضنه بصدر رحب، مثل باقي تلاميذ مدرسة عبقري الألفية الجديدة، ليعود دي زيربي في أكتوبر/ تشرين عام 2017، بنسخة مختلفة بعد تعيينه مدربا لنادي بينيفينتو، وحسنا فعل بالثورة التي أحدثها في أداء الفريق، خاصة في أسلوبه الهجومي القائم على الاستحواذ، حيث كانت بداية فترة اقتران اسمه بمُعلمه، بألقاب من نوعية «غوارديولا الصغير» و«بيب الإيطالي» وهكذا، وذلك بطبيعة الحال، لبراعته في تطبيق الأفكار التي تعلمها من مُحدّث اللعبة في القرن الجديد، قبل أن تأخذ مسيرته منحى آخر، بعد ظهور بصمته بأثر فوري على محطة المدربين المشاهير ساسوولو، الذي قدم معه مستويات ونتائج تلامس نجاحاته الحالية، منها إنهاء الموسم في المركز الثامن مرتين على التوالي، وخسارة مكانه في تصفيات دوري المؤتمر الأوروبي أمام روما بفارق الأهداف فقط.

الحرب والعالمية

بعد إعلان رحيله عن ساسوولو في العام 2021، فاجأ الوسط الإيطالي بذهابه إلى شاختار الأوكراني، وكانت بدايته موفقة بحصوله على الكأس السوبر الأوكراني مع أسماء بارزة مثل ميخايلو مودريك ولاسينا تراوري وديفيد نيريس، كأول مدرب إيطالي يحقق هذا الإنجاز، قبل أن تجبره الظروف على مغادرة وظيفته، بسبب اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، التي قال عنها من داخل غرفته بالفندق في كييف في يوليو/ تموز العام الماضي في مقابلة مع «راديو 105»: «مرت الأيام ببطء شديد، لأنك لم تستطع النوم، في الليل، كان بإمكانك سماع كل شيء، كان هناك من ينام في المخابئ ومنهم في غرفهم. نمت في الغرفة لأفهم ما كان يحدث خارج الفندق، لكن عندما سمعت انفجارا، ركضت بسرعة إلى المخبأ»، لينتهي به المطاف بعودة مؤقتة إلى الوطن، بحصوله على إجازة قصيرة لم تتجاوز الشهرين، بعد الدراما التي أحدثها ملاك تشلسي الجدد في تلك الفترة، بالاستغناء عن المدرب الألماني توماس توخيل، وتعيين مدرب برايتون غراهام بوتر في القيادة الفنية في «ستامفورد بريدج»، تاركا مكانه للمدرب الإيطالي الشاب، الذي أحسن استغلال الفرصة على أكمل وجه، رغم أن النادي باع العديد من لاعبيه الأساسيين، منهم بيسوما ومارك كوكوريا وتروسار، لكن تكتيكاته ساهمت في انفجار أسماء أخرى مثل أليكس ماك أليستر وكايسيدو وباقي المجموعة التي أثارت إعجاب المشاهدين الموسم الماضي، بداية من اختباره الأول في إنكلترا أمام ليفربول في عقر داره «الآنفيلد»، الذي ترك فيه انطباعا لم ولن يُمحى من ذاكرة مشجعي الريدز، بتعادله مع كتيبة يورغن كلوب بنتيجة 3-3 في مثل هذه الساعات من العام الماضي، في المباراة التي خرج منها تروسار بأهدافه الثلاثة (هاتريك)، التي جعلته أول لاعب في تاريخ برايتون ينجح في هز شباك عملاق الميرسيسايد 3 مرات على ملعبه.
وسرعان ما رسم لنفسه صورة «بعبع» كبار وعمالقة البريميرليغ، بفضل نتائجه المذهلة أمام الكبار، كانتصاره العريض على تشلسي بقيادة بوتر بنتيجة 4-1، وتجنب الهزيمة أمام ليفربول 3 مرات في نفس الموسم، بل حرم يورغن كلوب وفريقه من استكمال رحلة الدفاع عن بطولة كأس الاتحاد الإنكليزي، وكان قاب قوسين أو أدنى من الوصول للمباراة النهائية، لولا أن تخلى عنه التوفيق أمام مانشستر يونايتد في ملحمة نصف النهائي، التي حُسمت بركلات الترجيح، ليعود بعدها وينتقم من الشياطين الحمر في الأمتار الأخيرة لموسم الدوري الإنكليزي الأخير، في المباراة التي انتهت بهدف ماك أليستر الوحيد، لتكتمل بعد ذلك المعجزة بحصوله على المركز السادس وضمان التأهل لدوري مجموعات اليوروبا ليغ، في لحظة قال عنها: «هذا الشرف أكثر شهرة من التتويج باللقب»، كونها المشاركة الأوروبية الأولى في تاريخ النادي. والمثير للإعجاب أن غزوات تلميذ غوارديولا النجيب في بلاد الضباب لم تتوقف للموسم الثاني على التوالي، وأيضا بعد تحويل الفريق إلى سوبر ماركت في الميركاتو الصيفي الأخير، محققا نتائج مبهرة مثل الفوز على نيوكاسل يونايتد ومانشستر يونايتد بنفس النتيجة 3-1، وفي أول جولتين هز شباك لوتن تاون وولفرهامبتون في ثماني مناسبات، بواقع 4 أهداف في كل مباراة، ليفرض نفسه على دائرة المنافسة على اللقب، بتواجده في المرتبة الثالثة برصيد 15 نقطة، على بعد 3 نقاط فقط من حامل اللقب، لكنه يمتلك أقوى خط هجوم في المسابقة بـ18 هدفا، فهل يواصل دي زيربي مغامراته مع برايتون ليثبت أنه بالفعل مشروع مدرب عبقري ومتخصص في قيادة الأندية الكبرى؟ أم سيكون نجاحه الحالي مجرد ظاهرة وستختفي على المدى المتوسط؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع والأشهر المقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية