لا أحد في تلفزيون الأردن الرسمي، ولا حتى في محطة «المملكة» الرسمية أكثر، قرر بأي صيغة «شفاء غليل» الرأي العام المحلي بأي رواية من أي صنف، تعلق أو ترد على بنيامين نتنياهو، الذي سمعه العالم عبر قنوات شبكة كان الإسرائيلية وهو يتهيأ ل»إغلاق الحدود الشرقية»!
إسرائيل «رفيقة درب السلام الميت»، سبق لها أن «سرقت» مياه نهر الأردن، وبعد تجفيفه في حالة «سطو»، جهارا نهارا، عادت لكي تطالب الأردنيين بالعمل معا على تنظيف النهر، حفاظا على «البيئة»!
توسعت حتى فضائية»سي أن أن» بنشر أخبار وفيديوهات نتنياهو، وهو يسترسل في صناعة «مسلسل تركي» من الإدعاءات والمزاعم حتى يبرر العبور بمشروع «السياج» إياه.
وهو سياج يميني متطرف هدفه المفهوم مبكرا إسقاط عمان ومكة والقاهرة سياسيا وأمنيا، بعد «حسم الصراع» .
ما علينا. أردنيا لم أفهم سببا من أي صنف يحجب عني كمواطن خدمة الرد والتعليق والمتابعة تلفزيونيا لقصة خنجر السياج المزعوم على خاصرة المملكة الفلسطينية.
كيف يقيم «عدو» سياجا في أرض يحتلها أصلا إلى جانب مملكة تقف بالباع والذراع علنا وسرا مع «حق الفلسطيني بدولة»؟
سؤال كبير تغرق أربع قنوات تلفزيونية إسرائيلية معا في الإجابة عليه، فيما شاشات الإعلام المرعوب في عمان، لا تعد، ولو برنامجا واحدا يجيب عليه.
فنيا، كان ينبغي إعلان طوارئ متلفز وحملات وطنية تشبه حملات «التطعيم»، التي قررتها وزارة الصحة، وتفاعلت معها بكثافة محطة فضائية «رؤيا»، وهي تستضيف الغفير المهني قبل الوزير السياسي، والنائب قبل المختص.
حتى فيروس «الحصبة» المميت، الذي انشغل به التلفزيون الرسمي في عمان «أقل فتكا» وخطرا من فيروس نتنياهو والسياج.
من غير المعقول إطلاقا أن نجلس معا في «قرية الفرجة» ونترك مهمة «الدفاع عن مصالحنا» كأردنيين وفلسطينيين لمتظاهري العلمانية الصهيونية.
أقله ولو من باب «كفى الله المؤمنين شر القتال»، تنظيم مظاهرات صاخبة في شوارع رام الله وعمان وبغداد، تقول لمساخيط التيارات اليسارية والعلمانية والمدنية الإسرائيلية «نحن متضامنون مع سعيكم لإسقاط الإئتلاف من أجلنا»، ولو من باب التصفيق مسبقا لعودة بساطيركم.
يمكن حشد الموظفين العموميين وراء تظاهرات بهذا المعنى.
نتنياهو «شيخ قبيلة»
صديق أبلغني بعد مشاهدة برنامج وثائقي عن حراك الشارع الإسرائيلي على القناة الثانية، بما قاله يوما له يوسي ساريد.
عن الرجل واختراقاته القديمة، قال: نتنياهو لديه شغف شخصي بالحكم على الطريقة العربية، بمعنى، مثل الشيوخ الملوك ورؤساء الجمهورية في العالم الثالث. إنه يريد التحول إلى «حاكم مطلق»، ومع طاقمه والمصفقين له فقط إمنحونا في إسرائيل عامين مع شيخ القبيلة الجديد سنذوب وحدنا وبلا مقاومة أو حروب.
فقط الرسميون في عمان ورام الله ينظرون لإسرائيل باعتبارها حزمة ل»مشروع منجز وحقيقة واقعية» وجنرالات «تفكيك البناشر» وحدهم يؤمنون أن «التنسيق» حيوي وفعال ويبقى كيان أوسلو على الطاولة.
خبير لا يستهان به، مثل الدكتور مروان المعشر، رصدناه في لقاء يتيم استضافته فيه محطة «رؤيا»، محذرا «الدولة الواحدة اليهودية العنصرية خطر وجودي على الأردن».
لا أحد في المؤسسة الرسمية يريد التعليق، لا تنديدا ولا توضيحا ولا إقرارا بهذا الاستنتاج المتلفز الخطير، تحت ستار وهمي من ما يسمى ب«مسارات التكيف».
لكن مسؤولا عاملا بالحكومة حمل المكروفون وقال أمام الكاميرا الرسمية، فجأة وبدون «التلميح لحقوق الملكية الفكرية» إن عنصرية إسرائيل ستؤذي الجميع.
لوهلة شعرت أن التصريح «قلق على الإسرائيليين»، ويحذر الأمريكيين فقط، مما يحيلنا مجددا إلى سؤال «أزمة الأدوات» في نسخته الحديثة المطورة: «ثمة مفاوضون سابقا، مؤمنون بالسلام والتطبيع، رجال دولة لا تنقصهم الكفاءة، ولا الخبرة، ولا الولاء، ولديهم حكايات مع ألاعيب الإسرائيليين، وتراكمت وجهات نظرهم بخصوص المخاطر، وتم إقصاؤهم عن مقاعد الصف الأول. لماذا لا يتسلم هؤلاء مواقع المسؤولية ويكلفون بإدارة «مصالح الدولة الأردنية» الآن؟
نتنياهو يأتي بأبشع المتطرفين وأكثرهم خطرا ودعوة لعدم الاعتراف بالأردن من رموز «الوطن البديل»، والحصيفون الخبراء من رموز إدارة المفاوضات في الماضي يتحولون إلى شريحة «البدون وظيفيا» في البيروقراطية الأردنية وبطريقة تظهر كتم الرغبة في «استعمال الأدوات» الأصح في توقيت خطر.
جون كيري
طبعا، تلك مفارقة لا أحد في تلفزيونات الحصبة الألمانية يريد التحدث عنها.
هل معقول أن شخصا غير متنفذ الآن في بلاده مثل جون كيري يخضع لمجاملات غريبة في عمان، ويتمختر فيها حتى يتمكن من «إجبارنا» على توقيع اتفاق نقبل فيه أن تكون «حنفية المياه» الخاصة بنا أردنيين، في حوش «الجار نتنياهو» وبدون تخصيص أي جزء لـ«الشقيق الفلسطيني»؟!
حتى لا تلوك ألسنة المزاودات سيرة الموقف أو التقدير الرسمي، أقل ما يمكن فعله أن نرى كمواطنين خبراء التكنوقراط المتميزين فنيا والعالمين بكيفية إدارة المفاوضات مع الأمريكي الإسرائيلي، هم الذين يديرون الأمور باسم بلادنا، بدلا من «انتحال واستعارة» كلماتهم بين الحين والآخر، برسم «صحوة متأخرة».
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في عمان