د. عصام نعمان اعاد العسكر مصر الى قبضتهم. المجلس الاعلى للقوات المسلحة أضحى اليوم حاكم مصر الأوحد. هو السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وصاحب السلطة القضائية. لم يجمع حسني مبارك، في ذروة قوته وسيطرته، في يديه زمام السلطات العامة الثلاث كما يفعل المجلس العسكري. كل ذلك تكرّس بقراريّ المحكمة الدستورية العليا القاضيين بإبطال إنتخابات البرلمان وبإعلان لادستورية قانون العزل السياسي. ثمة ثورتان في مصر حالياً: ثورة شعبية متفجرة في الميدان، وثورة مضادة متمركزة في المجلس العسكري. الثورة الشعبية غير منظمة بل مشرذمة ولم تستولد لنفسها بعد قيادة سياسيـة موحدة. فجمهورها ما زال يقودها وهو يبدو، في احيانٍ كثيرة وحيـال قضايا خطيرة، أوعى من قيادييها المفترضين وأسرع في المبادرة.
الثورة المضادة منظمة، تقودها زمرة عسكرية منضبطة، وتحظى بجمهورتقليدي كبير وآخر مَصلحي حليف.
الجمهور التقليدي هو عوائل ضباط وصف ضباط وافراد القوات المسلحة بشتى افرعتها واجهزتها. تعداد هؤلاء يقدّر بمئات الآلاف وربما ببضعة ملايين، تضاف اليهم قطاعات واسعة من موظفي الادارات والمؤسسات العامة في الدولة وعوائلهم. هؤلاء جميعاً نجح المجلس العسكري في تعبئتهم تحت شعار عودة الامن والاستقرار ودفعهم الى التصويت لمرشحه الفريق احمد شفيق في الجولة الاولى للإنتخابات الرئاسية.
الجمهور الحليف قوامه ‘فلول’ النظام من سياسيين وضباط ورجال اعمال ومساجين و’بلطجية’ جرى اطلاقهم في وجه الثورة والثوار لمشاغلتهم وإلهائهم وتنفيس فعاليتهم، وللتظاهر ضد جمهور الثورة، وللتصويت ضد المرشحين الذين يرفعون شعاراتها ومطالبها.
بجمهوره التقليدي والمصلحي، وبخطة متدرجة، تمكّن المجلس العسكري من تنفيذ ثورته المضادة بثماني خطوات:
اولاها، التخلي عن مبارك لإظهار المجلس بمظهر نصير الثـورة ما يمكّنه، لاحقاً، من إمرار اجراءات مضادة لا تثير الإرتياب.
ثانيتها، التعجيل في اصدار اعلان دستوري ليكون بديلاً من كتابة دستور جديد وذلك بقصد تحجيم مطلب التغيير واحباطه.
ثالثتها، شق انصار الثورة بإقناع الاخوان المسلمين بتأييد إجراء انتخابات تشريعية مبكرة قبل ان تتمكن قوى الثورة من تنظيم صفوفها لمواجهة المجلس العسكري وحلفائه.
رابعتها، اصدار قانون للإنتخابات التشريعية ملغوم بعيوب ونواقص تتيح الطعن به وإبطاله اذا ما جاءت نتائج الإنتخابات غير ملائمة للمجلس العسكري.
خامستها، دفع الفريق احمد شفيق لخوض انتخابات الرئاسة وإظهاره بمظهر مرشح قوى الإعتدال وانصار الإستقرار ومعارضي الدولة الدينية. سادستها، اصدار وزير العدل قراراً منح بموجبه صفة الضبطية القضائية للجيش والإستخبارات والشرطة العسكرية، ما يمكّن العسكريين من القبض على اي مواطن في حال قيامه بالتظاهر او مقاومة الحكام وعدم الإمتثال لأوامرهم.
سابعتها، إستغلال تعطش الاخوان المسلمين للسلطة ونزوعهم الفاقع الى السيطرة على رئاسة الجمهورية بعد سيطرتهم مع السلفيين على البرلمان بالإيعاز الى المحكمة الدستورية العليا ببت الطعن بقانون انتخابات مجلس الشعب والطعن بقانون العزل السياسي قبل موعد جولة الإعادة بـِ 48 ساعة، فكان ان ابطلت المحكمة قانون الإنتخابات وبالتالي اعتبرت مجلس الشعب باطـلاً ومنحلاًّ، كما قضت بلادستورية قانون العزل السياسي ما ادى الى إبقاء الفريق شفيق في جولة الإعادة.
ثامنتها، الإعداد لإصدار قرار بتأليف اللجنة الدستورية المكلفة كتابة الدستور، وقرار آخر بإعلان دستوري تكميلي يحدد صلاحيات رئيس الجمهورية في الفترة السابقة لكتابة الدستور وإقراره.
معظم القوى السياسية اعتبر ما جرى انقلاباً ناعماً دبّره المجلس العسكري بالتعاون مع ‘فلول’ النظام في الإدارة والقضاء. انصار الثورة تظاهروا احتجاجاً رافضين مفاعيل الإنقلاب الناعم. بعض اطراف الثورة، كحملة المرشح الناصري حمدين صباحي، دعا الاخوان المسلمين الى سحب مرشحهم الرئاسي من المعركة. حركة 6 ابريل اعلنت انها لن تعترف بشرعية احمد شفيق اذا ما فاز في دورة الإعادة. اما الاخوان المسلمون فقد اعلنوا احترامهم لقرارات المحكمة الدستورية ودعوا انصارهم الى التوجه ‘بالملايين’ للتصويت لمرشحهم محمد مرسي.
اياً ما ستكون نتائج دورة الإعادة، فإن مرحلة جديدة بزغت في حاضر مصر عنوانها الرئيس: الثورة المضادة بقيادة المجلس العسكري في وجه ثورة 25 يناير. المجلس العسكري سيحاول بكل قواه تكريس الترتيبات التي توصّل اليها في جميع المجالات ما يعني إقصاء الثورة عن الدولة واستعادة بعض جوانب نظام مبارك. قوى ثورة 25 يناير ستحاول توسيع قاعدتها الشعبية بإجتذاب الإسلاميين، خصوصاً اذا ما جرى اسقاط مرسي في دورة الإعادة او قيام المجلس العسكري، في حال فوزه، بتطويقه دستورياً وسياسياً وادارياً للحؤول دون تقليص نفوذ العسكريين في الدولة.
كيف يمكن تحرير مصر من قبضة العسكر؟
سيثور جدل محموم بين قوى الثورة والتنظيمات السياسية المساندة لها وتلك المتضررة من تدابير المجلس العسكري السابقة واللاحقة. غير ان المعطيات الراهنة، عشية جولة الإعادة، توحي بإرتسام التوجّهات والتحركات الآتية: اولاً، تنامي الرفض الشعبي لإجراءات المجلس العسكري، بما فيها قرارات المحكمة الدستورية وما آلت اليه من حلٍ للبرلمان، وتثبيتٍ لترشّح احمد شفيق في جولة الإعادة، وامتعاضٍ من استمرار مرشح الاخوان محمد مرسي في المعركة ما يوحي بأن الثورة وانصارها سيكونون في مواجهة مع المجلس العسكري والاخوان المسلمين في آن معاً اذا ما قيض لمرسي ان يفوز بالرئاسة.
ثانياً، ستكون قوى الثورة مستعدة لتقبّل عودة الاخوان المسلمين الى صفها لمواجهة المجلس العسكري في حال سقوط او اسقاط مرسي في جولة الإعادة إنما شريطة الإلتزام ببرنامج قوى الثورة السبّاقة الى رفض المجلس العسكري بكل سياساته واجراءاته.
ثالثاً، الارجح ان تعود قوى الثورة، في سياق صوغ برنامجها السياسي للمرحلة المقبلة، الى رفع بعضٍ من مطالبها في مطلع الثورة وفق تسلسل زمني على النحو الآتي:( أ ) رفض جميع اجراءات المجلس العسكري بما فيها انتخابات الرئاسة.(ب) الدعوة الى التوافق على اقامة مجلس رئاسة مؤلف من ثلاثة اعضاء: اثنين مدنيين وعسكري واحد، يتولى السلطتين التنفيذية والتشريعية خلال فترة انتقالية لا تتجاوز السنة.(جـ) يؤلف مجلس الرئاسة حكومة وطنية جامعة مهمتها معاونته للقيام بأعباء الفترة الإنتقالية.(د ) يقوم مجلس الرئاسة بتأليف لجنة دستورية متوازنة تمثل جميع اطياف المشهد السياسي لكتابة دستورِ دولةٍ مدنية ديمقراطية، يصار الى إقراره بإستفتاء شعبي.(هـ) يضع مجلس الرئاسة، في ضوء احكام الدستور الجديد، قانوناً لإنتخاب اعضاء البرلمان، على ان تجري الإنتخابات بإشراف لجنة عليا مؤلفة من قضاة، وتكون قراراتها قابلة الطعن امام المحكمة الادارية، ويراعي قانون الإنتخاب الجديد احكام قانون ممارسة الحقوق السياسية (قانون العزل) على نحوٍ يكفل منع جميع رؤساء الحكومة والوزراء الذين مارسوا وظائفهم في اثناء عهد مبارك من الترشّح لإنتخابات البرلمان والرئاسة.(و) تجري انتخابات الرئاسة بعد شهر من الفراغ من انتخابات البرلمان وذلك تحت اشراف لجنة عليا مؤلفة من قضاة وتكون قراراتها قابلة الطعن امام المحكمة الادارية.(ز) يجري تسريع محاكمة المتهمين بالفساد من مسؤولي عهد مبارك، كما محاكمة المتهمين بالتعدي على المتظاهرين من انصار الثورة، ويُحكم لذوي الشهداء بتعويضات عادلة.
رابعاً، مع بدء الفترة الإنتقالية، تقوم قوى الثورة والتنظيمات المساندة لها بإجراء مشاورات مكثّفة لإقامة جبهة وطنية ديمقراطية راديكالية لقيادة البلاد سواء في الحكم او في المعارضة.
خامساً، تؤكد الجبهة الوطنية الديمقراطية الراديكالية في مبادئها وبرنامجها السياسي على إلتزام الاهداف الستة للمشروع النهضوي العربي: الوحدة، الديمقراطية، الإستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الإجتماعية، والتجدد الحضاري. كما تدعم قوى المقاومة من اجل تحرير فلسطين ومواجهة قوى الهيمنة الاجنبية والعنصرية والإستبداد.
والباب مفتوح لمزيد من المناقشة في الموضوع.’ كاتب لبناني