محمد صادق الحسيني
ثمة سباق جدي وماراتون محموم بين مشروعين الاول غربي يتمنى ان تستفحل الامور في سورية وتتفاقم الازمة حتى يتاح المجال له لينفذ خطة ما بعد عنان يقال انها فكرة عربية خليجية تركية مدعومة من حكومة نتنياهو المحبطة من الغرب المتخبط عنوانها ‘سورية كوسوفو العرب’ الهدف منها كما لمح لافروف بعد عودته من طهران بانها تستهدف ‘الى تغيير الجغرافية السياسية في المنطقة وتشمل فيما تشمل ايران’ اي اشعال ‘حرب الفوضى الخلاقة’ على امتداد اقليم ما تفضل واشنطن بتسميته ‘الشرق الاوسط الجديد’! المشروع الثاني وهو مشروع روسي صيني ايراني هدفه اخراج خطة عنان من المستنقع القاعدي الغربي الممول خليجيا الى بر الامان الروسي ما يعني بالديبلوماسية نجاح موسكو في جمع كافة الاطراف الخارجية المتورطة او المعنية او المهتمة بالملف السوري في اطار مبادرة مؤتمر دولي حول سورية يعقد في موسكو او جنيف للبحث عن حل سياسي تنتجه معادلة سورية سورية برعاية ودعم دوليين!
وهنا ثمة من يسرب بان لافروف لم يكن ليأتي الى طهران بتلك العجلة في زيارة من دون ترتيب مسبق وغير مخطط لها لولا ورود تحذيرات جدية الى قيادة بلاده يقال ان اكثر من طرف من الاطراف المحسوبة على محور المقاومة اوصلتها الى موسكو بان الوضع في بلاد الشام خطير وعلى صفيح ساخن ويمكن ان ينفجر في اية لحظة!
في هذه الاثناء فان الايرانيين الذين اختاروا موسكو كمحطة جديدة للتفاوض مع الغرب عمليا كان لديهم المعلومات الكافية بما يؤكد ان مجموعة الثلاثة الاوروبيين اي لندن وباريس وبرلين زائد واشنطن يخططون لافشال مفاوضات موسكو سعيا منهم لضرب عصفورين بحجر واحد: اولا الوقيعة بين موسكو وطهران من خلال اظهار الاخيرة وكأنها لم تقدم شيئا لموسكو من خلال اختيارها لها كمحطة مفاوضات لان لا وجود لمفاوضات ولا توافقات اصلا وثانيا لارباك الجانب الايراني واظهاره وكأنه باع موسكو ما لا يملك! تجدر الاشارة هنا الى ان السيدة اشتون لا تستخدم مصطلح ‘مفاوضات’ بل ‘محادثات’ وثمة فرق كبير بينهما لان الايرانيين يريدون مفاوضات رسمية حول رزمة مقترحات قدموها للغرب تتشكل من خمسة بنود فيها ما هو نووي وما هو غير نووي ويعتقدون ان ذلك كان ينبغي التوافق عليه بين معاونة اشتون ومعاون جليلي في اطار تفاوضي قانوني يسمى ‘موداليته’ وهو ما حاول الغرب ان يتنصل منه حتى اللحظة وان كان قد استعاض عنه باتصال هاتفي بين اشتون وجليلي اقرت فيه بضرورة الاستماع للبنود الايرانية كاملة ومناقشتها في موسكو ولكن في اطار ‘محادثات’ ما يعني لدى الايرانيين بانه نوع من التمييع وشراء الوقت لحين تستقر المعادلة ميدانيا اي على الارض السورية كمثال بارز للصراع بين المشروعين! وعليه فان كثيرين هنا اعتبروا قدوم لافروف مسرعا الى طهران في زيارة مستعجلة من دون ترتيب مسبق انما حصل اولا للاستماع الى الجانب الايراني حول تفصيلات ما عنده من حيثيات حول الملف السوري وثانيا وهو ما يحصل ربما للمرة الاولى وهو التفاهم مع الايرانيين وحلفائهم من اطراف المقاومة ‘غير الحكومية’ على الاقل اللبنانية منها والتي كانت على ما يبدو على ‘خط السمع الدائم’ مع الايرانيين والروس طوال فترة ما قبل المباحثات واثنائها وما بعدها وهو امر يذكرنا بما يشبه المحادثات المكثفة التي سبقت التوصل الى اتفاق نيسان الشهير في العام 1996 بعد فشل العدوان الاسرائيلي على المقاومة اللبنانية وما نتج عنه من ترسيخ حزب الله كلاعب اساسي في المعادلة الاقليمية يومها. هذا الامر يدفعنا للاعتقاد بان الروس بعد الذي سمعوه من حزم وجدية من طهران على خوض كل المعارك الى جانب دمشق وانهم لن يفرطوا مطلقا بما يسميها مستشار الامام السيد علي خامنئي مرشد الثورة الاسلامية بـ’الحلقة الذهبية’ لمحور المقاومة، سيمضون بقوة الى جانب دمشق تحت كل الظروف ولن يفرطوا بدورهم بالاسد، لانهم لو فعلوها قد يفقدون ايران ايضا وهو ما يجعلهم ومعهم الصينيون يشاهدون عساكر الاطلسي اي الناتو على حدود بلادهم عند نقطة طخار الافغانية ومياه الخزر التي تفصل بينهم وبين ايران!
هذا الموقف الروسي الحازم وهذا التماسك الايراني الروسي مع دخول العامل اللبناني المقاوم على خط التوازنات يمكن ان يحول محطة موسكو التفاوضية الى محطة اختبار قاسية لاشتون والغرب تأمل طهران ان يفرز اعترافا رسميا واذعانا نهائيا من جانب واشنطن وحلفائها بحق ايران بالتخصيب النووي كحق تكفله لها معاهدة حظر الانتشار النووي الموقعة كحد ادنى علما بانها لن تقبل باي ملحقات اضافية تفرض عليها تحت اي ظرف كان!
هنا ايضا لابد من الاشارة الى ان الايرانيين يسمون مفاوضاتهم مع الغرب حول النووي بمفاوضات الدول السبع ما يعكس توازن القوى الذي يعتقدون انه قائم بالفعل ويحرصون على فرضه على طاولة المفاوضات باستمرار بينما يصفها الامريكي بمفاوضات 3 ـ اي دول الاتحاد الاوروبي الثلاثة ـ زائد 3 اي امريكا وروسيا والصين زائد واحد اي ايران وهو ما يعكس الرؤية الامريكية التي تحاول استمالة المحور الروسي الصيني بينما يصفها الاوروبي بمباحثات الخمسة زائد واحد مع طهران بهدف اضفاء الثقل الاوروبي عليها عبر بوابة الالمان!
ايا تكن الحالة التي تعيشها منطقتنا العربية والاسلامية ثمة من يؤكد بان سباقا محموما بين محور واشنطن تل ابيب وحلفائه الذين يخططون لاغراق سورية في حرب اهلية في مقدمة لاغراق المنطقة في حروب فتنوية متعددة تنتهي بالسيطرة على قرارها وبين محور روسي صيني ايراني يبدو ان اللبناني المقاوم اضيف اليه بقوة ليمنع نجاح السيناريو الاول ما يجعل امكانية انتاج توازن قوى اقليمي دولي جديد يعتقد انه سيكون حاضرا بقوة في اجتماع القمة المرتقب بين بوتين واوباما والذي يمكن ان يفرز بنظر البعض تعايشا روسيا امريكيا حول سورية وايران ركيزته ‘اتفاق نيسان’ جديد ولكن هذه المرة على نطاق اوسع قد يكون هو الخيار الوحيد المتبقي لمنع تفجير حرب اقليمية المسرح عالمية التأثير يخافها الكبار حتى لو اشتهاها الصغار!