عمان – «القدس العربي»: القاصي والداني في المشهد السياسي الأردني يعلم أن حملة المطاعيم الوطنية طوال تاريخ القطاع الصحي الأردني أكملت مسيرتها دون أخطاء، وتميزت دوماً بالفعالية والكفاءة حتى بالقياسات العالمية وليس العربية.
والقاصي والداني يعلمان أيضاً بأن وزير الصحة الحالي الدكتور فراس الهواري، الذي ترك عيادته والمستشفيات لتطوير أحد أهم وأوسع وأبرز القطاعات، لا ينتمي بأي نمط سياسي أو اجتماعي إلى نادي الموظفين الذين يمكنهم القبول بتسويات على حساب النزاهة الإدارية والسلامة العلمية، أو حتى بمجاملات لاعتبارات السوق على حساب الصحة العامة.
يمكن أن يقال كل شيء عن القطاع الصحي الأردني من باب الملاحظة وتحسين مستوى الخدمات أو تراجعها أحياناً والتأخير وحتى التراجع، لكن لا يمكن التشكيك بالمطاعيم وغيرها بأي حال من الأحوال، ولا بمستويات الدقة المنهجية والمعايير التي تعتمد عليها هذه الوزارة المهمة، الأمر الذي يقر به دوماً وعلناً وزراء صحة سابقون، بينهم السياسي البارز الدكتور ممدوح العبادي وهو يطالب عبر «القدس العربي» بأن أداء القطاع الصحي العام الإيجابي يحتاج إلى حماية سياسية إضافية قوامها وفكرتها تعزيز الموازنة المالية لوزارة الصحة. ويعترض العبادي طوال الوقت ومن سنوات على تساهل بعض الحكومات في رفع ميزانية وزارة الصحة، لأن التحديات التي تواجهها كبيرة وتزداد وتتضخم.
ملاحظات سلبية
في كل حال، من يسترسلون في ادعاءات ومزاعم الولاء ومن يخطبون في الناس من جهة المعارضة أو الحراك أو النقد السلبي لا يملكون سجل ملاحظات سلبية، لا على وزارة الصحة في عهد الاشتباك مع الفيروس كورونا ولا على أطقمها وخططها ومشاريعها في مرحلة التعافي من ذلك الفيروس، حيث سجل إنجاز لا يمكن إنكاره للحكومة الحالية.
وعندما يتعلق الأمر بحملة المطاعيم الوطنية، فالواضح والمباشر والذي اختبره الأردنيون طوال عقود بدقة متناهية وحرص شديد من أعلى الهرم القيادي إلى أدناه، هو كفاءة الأجهزة التي تدير باستقلالية تراخيص استيراد المطاعيم والرقابة على الدواء والغذاء. يرزح القطاع الصحي الأردني الرسمي تحت وطأة تحديات مالية ومعيشية، والاستمرار في الصمود خلالها يجعل المهمة منتجة إذا ما أضيف لها الغرق في تعقيدات البيروقراطية والروتين.
كيف ولماذا تصنع البلبلة في أمر لا يمكن التشكيك فيه؟
لذلك، يصبح السؤال العلني الذي طرحه عضو اللجنة الصحية في مجلس الأعيان الدكتور إبراهيم البدور علناً ليس صحياً ولا فنياً ولا مطلوباً من وزارة الصحة الإجابة عنه مع طاقمها، بل هو سؤال سياسي ووطني بامتياز، والمطلوب من كل نخب الهرم الإجابة عليه.
سأل البدور عن خطورة التشكيك بالحملة الوطنية بالمطاعيم فجأة وعلى نحو غريب بالمجتمع في واقعة لم تحصل منذ أكثر من ربع قرن. والواقع أن البدور يتحدث عن ربع القرن الذي كان مشتبكاً فيه مع العمل العام والفني، فيما الثقة بالحملات الوطنية والمطاعيم سبقت ربع القرن الماضي بالربع الذي سبقه عملياً، الأمر الذي يجعل ظاهرة تدحرج التشكيك بما سمي بالمطعوم الهندي زاوية تتطلب وقفة تأمل وطنية الطابع وظاهرة غريبة على المجتمع الأردني وعلى البيروقراط، تؤسس لسلسلة من التساؤلات السياسية بامتياز.
ما هو الجديد الذي يدفع قطاعات وشرائح لا يستهان بها من أبناء المجتمع للتأثر بمجرد شريط فيديو صوتي نشر على منصات التواصل يحذر الأردنيين من تطعيم أولادهم قسراً في المدارس؟
ما الجديد وما الذي حصل حتى تضطر لجان الوباء الوطنية وأطقم وزارة الصحة ومعها وزيرها وزملاء له ونخبة عريضة من الأطباء في القطاع الخاص لظهور إعلامي طارئ انتهى بمؤتمر صحافي لفريق وزاري على أمل التخفيف من حدة تشكيك الناس بالمطاعيم؟
وما هو واضح، وفقاً للعبادي وغيره من المختصين، أن الإجابة عليهما ليست على أرفف وزارة الصحة ولا الأطقم التي تدير الصحة العامة في البلاد، بل ينبغي أن يوضع السؤالان على طاولة كل صناع القرار لمعرفة السبب الذي يؤدي إلى تدحرج أزمة مصداقية الخطاب الحكومي ووصولها إلى مناطق غير مسبوقة قد تؤثر على العلاقة بين الدولة والناس.
قالها الصحافي المخضرم أحمد سلامة في جلسة حضرتها «القدس العربي»: ذلك النمط من التشكيك الإداري ليس مقبولاً، ومضرّ، وعلى الجميع التوقف عنده. وعليه، يمكن الاستنتاج في الخلاصة، أن حملة التطعيم الوطنية التي طبقت نفس المعايير في ملف الحصبة عام 2013 تدفع ثمناً لأزمة وإشكالية لا علاقة لها بكل أطقم وزارة الصحة.
وهي أزمة مصداقية الخطاب وتمكن الروايات السلبية وحتى الشائعات أحياناً من التسلل في ذهن الرأي العام والاستقرار والتحرك أيضاً حتى بعد قانون الجرائم الإلكترونية.
يعني ذلك بكل بساطة، أن تشريعاً سيئ السمعة والصيت دولياً ووطنياً بعنوان الجرائم الإلكترونية لم يفلح في ردع حملات تشكيك من هذا الصنف لم تعد تتعلق -وفقاً لما تظهره سجالات المطعوم الهندي والحصبة – بقرارات سياسية وإدارية فقط، بل بدأت تلامس مناطق كانت دوماً مغلقة على النقاش والتجاذب مثل حملات التطعيم الوطنية. يحتاج الأمر هنا للانتقال بهذه الإشكالية على مستوى النقاشات السيادية لمعرفة كيف تصنع «البلبلة»، وحتى على مستوى مجلس السياسات ومركز الأزمات وكل المؤسسات دون استثناء.
معالجة واحتواء
ولا يكفي للمعالجة والاحتواء ترك وزير الصحة وحيداً في التوضيح والشرح العلمي في مواجهة شرائح استقرت فيها الشائعة ويمكنها تبني الجهل، فيما لا يخدم أيضاً مؤتمرات صحافية متأخرة يرتبها ناطق رسمي جديد باسم الحكومة يؤسس للمفارقة الأغرب بقوله: «معلومات طبية من واتساب… هذا غير معقول».
ثمة سبب تراكمي بيروقراطي وطني بالتأكيد دفع بعض الأردنيين لتصديق رواية مختلة عن المطاعيم ومغادرة مناطق كانت مقدسة في الذهن الإداري. وثمة سبب أكبر بكثير من دور منصات التواصل الشعبي أو مشاغبات نائب في البرلمان، وهو سبب أقوى وأعمق من مجرد مشاغلات وشائعات.
الأزمة التي تسمى اليوم بالمطعوم الهندي تطرق ما هو أكثر حساسية في حال اتخاذ قرار بالمصارحة الوطنية والتكنوقراط الصحي في الحكومة، هو آخر ما يمكن أن يسأل عن تراكم الروايات السلبية.
لذلك، فالأجدى هو الانتقال بجرأة إلى الأسئلة المركزية والبحث عن الأسباب الحقيقية التي تقزم ثم تقلص من روايات الحكومة، وأحياناً الدولة، مقابل رواية عابثة أو مختلة أو دقيقة يلتقطها قلقون في المجتمع ويروجها أحد المغامرين.