الذاكرة وتطلعات المستقبل الفلسطيني

القدس: نسب أديب حسين
حجم الخط
0

حلّت في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر، ذكرى مرور ثلاثين عاما على رحيل طبيب الأسنان والباحث الفلسطيني أديب القاسم حسين، المولود في 15/2/1929 في قرية الرامة الواقعة في الجليل الفلسطيني. وتمثّل سيرته العصامية وبُعد نظره في أهميّة حفظ التاريخ الشخصي، وما أبقى من إرث ثقافي كبير، نموذجا مهما في المشهد الثقافي الفلسطيني. إذ انصب اهتمام والدي على حفظ التاريخ ومشهد القرية قبل احتلالها في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1948، وكذلك جمع المعلومات عن سكانها. فعمل خلال الثلث الأخير من حياته على جمع الوثائق العائلية والصور، وتسجيل المقابلات، ورمم بيت عائلته القديم المبني في أواخر القرن السابع عشر، حالما بإعادة المشهد الاجتماعي القديم للقرية في رحاب البيت، إلا أنّ الموت باغته بجلطة قلبية وهو في الرابعة والستين من عمره، دون أن يقطف ثمار عمله.
افتتحت ابنته نسب هذا البيت القديم متحفا تراثيا على اسمه عام 2006، وساعدتها الوثائق التي جمعها في نشر كتابين بحثيين. الأول «الرامة رواية لم ترو بعد» إصدار مشترك لهما، بعدما طورت نطاق البحث في علم الأنساب، الذي عمل عليه، إلى بحث اجتماعي تأريخي خلال فترة قرن من الزمن 1870-1970. أمّا الكتاب الثاني فهو كتاب «رسائل فوق المسافات والجدران» يقوم على رسائل تبادلها مع المؤرخ اللبناني عجاج نويهض في سنوات 1964-1973، تؤرخ الرسائل للعديد من القضايا التي حصلت في فترة تبادلها، وتشكّل شهادة شخصية عليها.
تحمل سيرة أديب الكثير من المفاجآت والانقلابات، خصوصا توقفه عن الدراسة في عمر الثالثة عشرة ليكون فلاحا وراعيا مدّة عامين، ثمّ عمله مراسلا في شركة بترول العراق في حيفا، حتى عمر التاسعة عشرة، وخطفه كرهينة من قبل منظمة صهيونية من شوارعها مع مجموعة من الفلسطينيين، وبعد الحكم عليه بالإعدام، وقبل التنفيذ أطلق سراحه بتبادل أسرى. واعترف والدي في رسالة إلى نويهض بتاريخ 25/4/1964، أنّه عمل خلال عام 1948 مهرّبا للأسلحة والذخيرة من معسكرات الجيش الإنكليزي إلى منطقة الرامة. كما شارك أبناء القرية في دوريات حراستها، من نيسان/أبريل وحتى احتلالها في أواخر أكتوبر. وبعد سقوط القرية ومع عُسر الحياة الاقتصادية في ظل الحكم العسكري، عمل مهربا بين فلسطين ولبنان، معرّضا حياته للخطر عشرات المرّات، كي يوفر المال لعائلته. جاء قراره مطلع عام 1950 بالعودة إلى مقاعد الدراسة مفاجئا للعائلة وللقرية، لكنّه مضى إلى القدس فأنجز دراسته الثانوية ودرس تقنية الأسنان، ثمّ درس طب الأسنان، بعد أن افتتح سينما في قريته مدّة عامين بين الدراستين كي يوفر المال في سبيل استكمال طب الأسنان. تخرج عام 1963 طبيب أسنان في الجامعة العبرية متفوقا، ما أهله للحصول على منحة للتخصص في نيويورك. فانطلق إلى الولايات المتحدة لمدّة عام ثمّ إلى سويسرا للعمل. عاد نهائيا للاستقرار في الوطن عام 1989، بعد عودة مقتطعة في السبعينيات.

يتّضح عبر كتاباته أنّ دراسته طب الأسنان في القدس، والخطوات الإسرائيلية الممنهجة لتطبيق سياسة «فرق تسد» والسعي لأسرلة دروز فلسطين ساعية لفصلهم عن امتدادهم العربي الإسلامي، دفعته هو ومجموعة من رفاقه في الجامعة لتشكيل منظمة، لكتابة البيانات والسعي لنشر الوعي والمعرفة والرد على الخطوات الصهيونية المتتالية منذ عام 1956. وخلال غربته، سعى باحثا عن المراجع التاريخية، متواصلا مع العديد من الأدباء والصحافيين اللبنانيين في المهجر وفي لبنان، لإطلاعهم على آخر التطورات في فلسطين، وطلب تزويده بالمراجع الممكنة، ومن أهمّ المراسلات المحفوظة في أرشيفه مع المؤرخ عجاج نويهض الذي أقام فترة المراسلة في لبنان، ومع الكاتب سلامة عبيد الذي أقام في الصين.
جاءت أمسية «قضيتنا الفلسطينية بين حفظ الذاكرة ورؤى المستقبل» يوم الثلاثاء الموافق 26/9/2023 في «البيت القديم متحف أديب القاسم حسين» متوافقة مع نهجه الفكري.
استهل الأمسية شقيقه الناقد نبيه القاسم متحدثا عن سيرته الحياتية، والنقاط المركزية في حياته، ثمّ جاء النقاش الذي أدارته الكاتبة نسب أديب حسين بمشاركة كل من الباحث والأكاديمي خليل نخلة من الرامة، وأستاذ القانون منير نسيبة من القدس، والباحث والمؤرخ خالد عوض من الناصرة. بيّنت الأمسية أهمية بناء الذات والهوية الفلسطينية عند الناشئة، وحسّ الانتماء للقرية/ المدينة للسعي للحفاظ عليها أولا، أملا في إنتاج قيادات أفضل والوصول إلى نهوض جمعي بالوطن. ضمن اختلاف وتوافق أحيانا في الآراء وامتد لساعتين بين المحاضرين والجمهور، أكّد خليل نخلة عدم جدوى البحث عن حلٍّ مستقبلي في الفترة الراهنة، دون تفكيك النظام الاستعماري، وعرض عدّة أسئلة مهمّة تحتاج لبحث فلسطيني داخلي قائلا، «ذاكرتنا الجمعية والفردية محاطة ومحدّدة في بيئة استعمارية، أين نقاط البداية وما هي العناصر الضرورية؟ وكي لا نستمر في جو متخيّل نحتاج أن نجيب على سؤال من نحن؟ وما دور الأجيال الناشئة؟ وكيف نتعامل مع الهوية المصطنعة في بيئة تسعى لتفتيتنا؟». وأكّد خالد عوض السعي الصهيوني لطمس وضياع ذاكرتنا الفلسطينية، وخطورة سرقة التراث المادي في ظل استعمار استيطاني، وأهمية إعادة صياغة الأطر السياسية الفلسطينية، من أجل إجهاض المخططات الصهيونية اليمينية. وأشار منير نسيبة أستاذ القانون في جامعة القدس أنّ مشروعنا الفلسطيني الأول ومطلبنا الأول كان دولة واحدة ورفض قرار التقسيم، ثمّ وبعد مسيرة طويلة من الثورات ضد الاحتلال جاءت الموافقة على معاهدة أوسلو كأمل مكافئة صغيرة للبدء بدولة فلسطينية صغيرة. أمّا اليوم فحلّ الدولتين لم يعد له أفق، معبّرا عن أمله بحل الدولة الواحدة بعد تحقيق العدالة الانتقالية عن طريق المعالجة وجبر الضرر والمحاسبة الجنائية وإصلاح المؤسسات.
وفي الختام عرض الفنان المقدسي شهاب القواسمي لوحة العائلة، التي استحضر فيها أديب جامعا إياه بزوجته وابنتيه نسب وجنان، وفي الخلفية القدس والرامة. كما رافق الأمسية معرض للوحات القواسمي، الذي يسعى لتأريخ المشهد العمراني المقدسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية