تحيلنا قراءة رواية «منازل العطراني» 2023 لجمال العتابي إلى مساحة واسعة من الوقائع المحتدمة التي شهدتها الساحة العراقية في العقود الماضية، حيث تنطوي على جدل الواقع العراقي والصراعات الأيديولوجية والتحولات الكبيرة في القرار السياسي ومصير المجتمع تجاه ما تثيره التحولات، وقد كان للمؤلف مهارة الاختيار لا بوصفه يمارس متعة الكتابة، إنما هو الشاهد والكاشف للكثير من الشواهد التي كتبها..
تظهر تراتبية الرواية على قدر كبير من الأحداث التراجيدية للشخصية المحورية (محمد الخلف) وعائلته، وللأماكن (قرية العطرانية.. سجن الكوت.. قلعة سكر.. بعض مناطق بغداد، وغيرها) وللأحداث وما تنطوي عليه من تصاعد درامي، وللنتائج التي تكشف عن قصدية تاريخية عاشها المجتمع العراقي، لكننا ندرك مدى ثقة العتابي في طرح الحقائق، لأنها قريبة إلى تجربته (السير ذاتية)، إذ هو ابن عائلة جنوبية الأصل وتفاصيل ما انطوت عليه سردية الرواية تقترب من حياته (من وجهة نظر خاصة)، لذا فهي رواية تتمتع بسرديات شاملة، وما اللّغة السردية الروائية سوى الوسيط الذي عَبّرَ عن محاكاة الأحداث واستنهاض تاريخانيتها واستدعاء الحقائق التي عاصرها الكثير، يبدو للوهلة الأولى أنها تكشف عن حياة عائلة وعن مصير بطلها الذي تصاعدت به تراجيديا الحياة إلى المأساوية، بعد هربه من (سجن الكوت)، ثم الاختباء في (قرية العطرانية)، غير أن الدافع الحقيقي الذي جعل الأحداث تتصاعد بتراتبية سردية، هو الجانب الأيديولوجي والانتماء إلى القرار السياسي لـ(محمد الخلف)، وفي الوقت ذاته هو انعكاس مرحلي واستدعاء لتاريخ الصراع الفكري في فترة النزاع على السلطة في مرحلة الملكية والحكم الجمهوري..
خيوط الواقعية، فرضت على أجواء الرواية، لا بوصفها تستعيد الواقع عبر أحداثه حسب، إنما لوجود سردنة انسرحت وتمتعت بلعبة الوصف، واستعادة البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية، حيث لعبة الكشف والاستعادة، أخذت على عاتقها حالة الوصف هذه، وكأن الروائي يريد تَمَرُّن الذاكرة ويعيد فضاءاتها الحية وجذورها الفاعلة التي تعيش ليومنا هذا، كما نمسك في مناطق متباعدة في الرواية ثمّة سردية (تسجيلية)، خاصة في بعض التواريخ (1959ـ1958ـ 1963ـ 1968)، لأنها لا تخرج عن إطار المغامرة السردية، فتكون الأحداث بحقائقها، ثمّ يعود الكاتب إلى انسراحه السردي وإلى دراميته المتصاعدة.. وتكشف أيضا التحولات المضمونية التي أخذت من خلالها الأحداث تتضح بمشهدية متصاعدة، حيث الغور في التفاصيل البيئية للأماكن، وقلق الأحداث وهاجس الترقب من الرقيب، أعطى تأثيثا كاشفا وواضحا لطبيعة الأشياء (الماحولية) التي عاشها بطل الرواية ومن معه، ولا بد من الإشارة إلى أن (محمد الخلف) المطارد ليس خائفا بمعنى الرهبة، إنما هائم في أعماقه ومنفعل للمصير الذي سيكون فيه بلده وأهله وأصحابه، خاصة عندما تكون الأشياء في اضطراب مصيري، فحين اختبأ في بيت صاحبه في الكوت للوهلة الأولى ، نقل له ما يجري خارج البيت (الأمور بدأت تتعقد، البارحة كنت في مقهى السوق أتابع مشهد مجزرة الإذاعة، عرض التلفزيون جثّةَ الزعيم، بصق أحد الجنود في وجهه المدمى ، بدأوا باعتقال ربعك في الولاية).. وهي إشارة لثقافة العنف وتاريخ الدم في العراق الذي اصبح متوارثاً، بل إشارة واضحة ومكرسة لدى الجميع، والعتابي في صفحات الرواية الأولى، أشار إلى ذلك، شارحا ومستعيداً الأثر التاريخي للملوك، ناظره بالواقع المعاصر (في أي مكان في العالم كان بمقدوره أن يبعد هواجس نهاره وكوابيس الليل؟ أي استقرار بإمكانه أن يمنحه التوازن؟ سيظل مترنحاً! يستعيد الحجم الهائل من العنف الدموي في بلاده منذ فجر التاريخ حتى اليوم، الملوك والحكام الذين ماتوا قتلا، بدءاً من الملك السومري لوكال زاكيري في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد حتى مقتل الزعيم، وتستمر عجلة العنف بلا توقف).
من ذلك، يمكن القول إن ما كتبه المؤلف هو من سرديات الأثر، وهذا لا يعني أن الحقائق تأخذ بعدها الوثائقي بقدر ما تأخذ البعد التخييلي الذي يجعل السارد يغور في تفاصيل هائمة في الحذف والإضافة، مع الاحتفاظ بثيمة الفكرة وبعدها التاريخي، صحيح أن الرواية تكشف عن أحداث لا ينكرها التاريخ، أو كل من عاصر فترة الانقلابات، لكنها ترحلت إلى بنية السرد وأخذت على عاتقها ضوابط الحبكة الواقعية للشخوص والأماكن والأحداث.. كما أن التحولات المرحلية، التي شهدتها الرواية انطوت على تراتبية هرمية، خلقت أدوارا لبعض الشخصيات كشخصية (خالد) الشاب الذي حمل هموم والده ذي الفكر اليساري المطارد، ومع اجتيازه المرحلة الثانوية ودخوله الجامعة ثارت في داخله أسئلة وجودية (لماذا يموت المرء من أجل فكرة؟ لماذا يدفع الأبناء ثمن (المجد) الذي يناله الآباء؟ من أعطاهم الحق بذلك؟). أيضا شخصية (زهرة) زوجة البطل، التي تعتبر الشاهد على كل التفاصيل، وكان موتها في النهاية هو الرمز لموت حياة تقدمية، بالإضافة إلى أولاد البطل الذين باعدتهم الظروف، وكانت حادثة إعدام (عامر) لها الأثر الكبير في شرخ العائلة، خاصة عندما حدثت تحولات سياسية كان على إثرها إمكانية عودة (محمد الخلف) إلى وظيفته..
رواية «منازل العطراني»، استطاعت أن تعيد زمن الصراعات والاحتدامات (الديالكتيكية) ، وهو زمن تواتري سريع التفاصيل في الاتجاهات كافة، ومع كل ما كتب عنه لا بد من الأخذ به، لأنه شهد تأسيسا مهما وكبيرا في بينة المجتمع العراقي، وما كان جمال العتابي سوى الشاهد والمدون، مع إجادته في خلق عالمه السردي واستنهاض الأحداث وتفاصيلها التي ما تزال باقية ومحفورة في خريطة البلد..
كاتب وناقد عراقي