القاهرة ـ «القدس العربي»: “هذا الانفجار سيقضي على الأخضر واليابس، وإذا كان هناك من يخشى على مصر فإن عليه أن يعيد التفكير مرة أخرى في ما يحدث من انغلاق وانتهاكات سمعنا جُزءا قليلا منها الآن، وهناك ما هو أكثر من ذلك، لذا عليكم أن تتركوا المواطنين يعبرون عن رأيهم، وأن تكونوا حريصين على انتخابات حقيقية، لأن حق الترشح والترشيح حق أصيل لا يمكن الاستغناء عنه” تلك كانت بعض مما جاء من تصريحات المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، الذي ظهر للعلن إثر نقد الكثيرين له لعدم مشاركته المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي في جولاته بين المحافظات. وقد مثلت تلك التصريحات بالنسبة للكثيرين ممن انتقدوه خلال السنوات الماضية متهمين إياه بالانضواء تحت لواء السلطة، فرصة لأن يعيد صباحي حساباته، ويعود لرفاق الطريق لتحقيق الأمل المنشود بتحقيق تحول سلمي للسلطة..
ومن أخبار الحكومة: تابع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مع اللواء خالد شعيب، محافظ مطروح، موقف التعامل مع السيول، التي تعرضت لها المحافظة في الأيام الأخيرة. ووجه رئيس الوزراء بسرعة انتقال سيارات شفط المياه من محافظتي الإسكندرية والبحيرة، وغيرهما لمساعدة الجهات التنفيذية في المحافظة للتعامل مع آثار السيول. كما شدد الدكتور مصطفى مدبولي على توفير مختلف الإمكانات التي تحتاجها المحافظة، لسرعة حل أي مشكلة نتجت عن مياه السيول، سواء بالطرق أو المرافق العامة، وغيرهما، مؤكدا المتابعة الدائمة للموقف. ومن أخبار سكان الزنازين: اهتمت “درب” بخبر سار لم يعلم صاحبه بأمره، مؤكدة نجاح محمود محمد أحمد حسين المعروف باسم “معتقل التيشيرت”، في عامه الأخير في الجامعة، في الوقت الذي ما يزال محبوسا في سجن بدر، بعد إعادة القبض عليه على ذمة اتهامه في قضية تعود أحداثها لعام 2014، على الرغم من إخلاء سبيله على ذمتها في وقت سابق. وأشارت إلى أن محمود تخرج بتقدير عام جيد جدا، ولم يعلم بالنتيجة حيث من المقرر أن تطلعه أسرته خلال الزيارة المقبلة. وكانت منظمة روبرت أف. كينيدي لحقوق الإنسان قد استنكرت إعادة اعتقال واحتجاز محمود محمد المعروف باسم “معتقل التيشيرت”، حيث قضى بالفعل أكثر من عامين في الحجز الاحتياطي.
لو سمحت يا ريس
علق الإعلامي عمرو أديب على تصريحات الرئيس السيسي عن الإعلام خلال الفترة الماضية. وخلال تقديم برنامجه “الحكاية” المذاع عبر فضائية “إم بي سي مصر” قائلا وفقاً لـ”فيتو”: “أنا هستغل تحريضك للمسؤولين إنهم يتكلموا يتفتح الكلام بقى.. أحنا احترمنا أن فيه ظروف في البلد، المسألة مش ناقصة نكد وشعللة، إنما أيضا إحنا محتاجين نتكلم ونعبر أكتر”. وتابع: “سيادة الرئيس، إعلام معندوش الفرصة لأسباب مختلفة أتفهمها لن يكون مفيدا للدولة، الإعلام لازم يبقى فيه آراء مختلفة ونحن حتى الآن نريد أن نأخذ خطوة للأمام في ملف حرية الإعلام، أناشدك في الـ6 سنين اللي جاية دع 100 زهرة تتفتح”. وتساءل الإعلامي “هل تعلم يا سيادة الرئيس أن هناك كاتبا في بعض الأحيان الكثيرة يبقى كاتب مقال في جريدة ويتم منعها؟”. وواصل أديب: “لو عايز إعلام كويس يا سيادة الرئيس سيبنا نشتغل وحاسبنا والناس تسمع وتقول، وكل الشخصيات ميبقاش عليها أي حاجة، ومبقاش قلقان لو قلت أي شي، ده لو عايز إعلام ينور ويوعي”. وأكمل: “أنا بستغل الفرصة اللي أنت فتحتها النهاردة بخصوص قولوا للناس الحقيقة، أن الـ6 سنين اللي جاية يتفتح المجال للإعلام ياخد راحته”. وواصل مقدم برنامج “الحكاية”: “سيادة الرئيس انت قلت على اللي حصل السنين اللي فاتوا هل مش من حقنا بقى أننا نسأل أيه اللي هيحصل الـ6 سنين اللي جاية؟ أحنا مش لاقيين حد يكلمنا ولا يرد على اسئلتنا، تريد إعلام مميز ومساند دائما سيب له مساحة حرية يسأل ويعرف الحقيقة”.
قولهم الحقيقة
“بطلب باسم الناس اللي باعتبر نفسي واحد منهم لو سمحت ادينا الفرصة بقى الفترة اللي جاية دي نتكلم ومبقاش حاسس بقلق، احنا بنتكلم علي 20 توك شو من الساعة 8 لغاية 1 الصبح، وانت قلت لنا إننا خلاص مستقرين وبفضلك وبفضل القوات المسلحة تجاوزنا فترة القلق، فلو سمحت اعطونا فرصة نتكلم أعطوا فرصة لكل الناس تعبر”. وواصل عمرو أديب مخاطبا السيسي: “سيادة الرئيس لما بتتكلم الأجزاء اللي تشعر أنها مهمة للناس هي اللي فيها جدل ومصارحة ودي اللي بتصنع وعي للناس، أنا عندي جمهور كل يوم بيسألني هتعرف تتكلم في النقطة دي؟ ونقعد نتناقش أنا وفريق الإعداد بنقعد في حالة صعبة ودلوقتي عمالين يكتبولي على الشاشة أنت مجنون علشان بتتكلم في حرية الإعلام، لأ أنا مش مجنون دي شغلانتي وأنا بفهم فيها”. وتابع أديب: “خلي كل الأصوات يا سيادة الرئيس تتكلم.. ماذا حدث في الحوار الوطني؟ احنا محتاجين نتكلم زي ما أنت بتتكلم قول للناس الحقيقة حتى لو الواقع صادم، الـ6 سنين المقبلة لازم نبنيها بقدرة كبيرة من الاحتواء ومحدش يقولي آه علشان البلد تتهد، أحنا بنتضرب كل يوم بالصواريخ بقالنا 10 سنين من قنوات خارجية حصل ليك أيه؟ ولا حاجة الناس بتروح شغلها والأمور عادية، أنا عارف إن الحرية قد تؤدي إلى الفوضى، والتخوف شيء معقول، ولكن مهم جدا لما آجي أطلع بالليل اتكلم لما أقول للناس الحقيقة علشان يصدقوني”.
خطيئة برلمانية
استهل مجلس النواب دور الانعقاد الجديد بإرسال برقية شكر وتأييد للرئيس السيسي وهي خطوة، رغم أنها وفق وصف أشرف البربري في “الشروق” برتوكولية غالبا، تفتح بابا للجدل، بسبب تزامنها مع انطلاق معركة الانتخابات الرئاسية التي يخوضها الرئيس السيسي للفوز بفترة حكم جديدة، وينافسه فيها مرشحون لأحزاب ممثلة في البرلمان. وقال المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، إن عددا كبيرا من النواب طلبوا توجيه البرقية، ووافقت الأغلبية عليها عند طرحها للتصويت. وتبدأ البرقية بالقول «إن مجلس النواب وهو يبدأ دور انعقاده الرابع من الفصل التشريعي الثاني يتقدم إلى سيادتكم بخالص التقدير والعرفان على ما تبذلونه من جهود مخلصة على جميع المستويات لمصلحة هذا الوطن.. ويؤكد مجلس النواب دعمه الكامل وتأييده لمسيرة العمل الوطني التي بدأتموها منذ عشر سنوات على مختلف الأصعدة، الداخلية، الإقليمية، والعالمية» لذلك فهي تنطوي على مشكلة بالغة للانتخابات الرئاسية التي قال الرئيس السيسي نفسه إنه يريدها تعددية وتنافسية، ودعا الشعب إلى اختيار أي منافس آخر إذا كان يريد التغيير. فالبرقية البرلمانية حملت اسم مجلس النواب وجاءت الموافقة عليها دون طرحها للنقاش وبالتالي لم تتح أي فرصة للرفض أو حتى التحفظ عليها، من جانب الأحزاب التي لها مرشحون في السباق الرئاسي وهو ما يمكن أن يعطي انطباعا بأن هذه الأحزاب تؤيد وتدعم المرشح الرئيس عبدالفتاح السيسي التي قررت منافسته في الانتخابات، حتى إن لم يكن نواب هذه الأحزاب قد صوتوا لصالح إرسال البرقية. لذلك فالبرقية تنطوي على حرج واضح لأحزاب الشعب الجمهوري صاحب ثانى أكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب، الذي سيخوض رئيسه حازم عمر سباق الرئاسة، والوفد صاحب ثالث أكبر كتلة برلمانية في المجلس، الذي سيخوض رئيسه عبدالسند يمامة الانتخابات الرئاسية، وكذلك الحزب المصري الديمقراطي الذي يعتزم ترشيح فريد زهران في انتخابات الرئاسة.
مغلوبة على أمرها
هذه الأحزاب التي حدثنا عنها أشرف البربري عليها إما أن تلتزم الصمت على توجيه البرقية، فيتصور الناس أنها توافق عليها وعلى ما فيها من دعم وتأييد للرئيس المرشح في الانتخابات، أو تصدر بيانات تعلن فيها أن نوابها لم يصوتوا لصالح إرسال البرقية، حفاظا على مصداقية مرشحيها في سباق الانتخابات. لكن يبدو أن كل الدعوات التي طالبت بالجدية في الترشح وخوض معركة الانتخابات أمام الرئيس المرشح، حرصا على صورة مصر وشعبها أمام دول العالم لم تجد أي صدى، سواء لدى الحكومة ولدى الأحزاب التي قررت المشاركة في الانتخابات، وادعت أن مشاركتها لن تكون مجرد ديكور ومرشحيها لن يكونوا مجرد كومبارس في مسرحية انتخابية معروفة نتائجها سلفا. فعندما تبدأ معركة الانتخابات ببرقية شكر وتأييد من مجلس النواب للرئيس المرشح، فإننا نفتح الباب أمام التشكيك في جدية الانتخابات والأحزاب والمرشحين، لأن الأصل في المنافسة الانتخابية هو أن يحاول كل مرشح إقناع الناخبين بالتصويت له، مرة بعرض ما لديه من أفكار وسياسات تختلف عما يطرحه المنافسون الآخرون، ومرة بإظهار نقاط الضعف والقصور لدى هؤلاء المنافسين، حتى لو كان أحدهم هو الموجود في السلطة. أما حين تكون الأحزاب التي تدفع بمرشحين في انتخابات الرئاسة، مؤيدة أو حتى موافقة على سياسات الرئيس المرشح وخياراته وتقدر له إنجازاته، فعليها إعلان انضمامها إلى حملته، كما فعلت أحزاب أخرى مثل مستقبل وطن وحماة وطن والمصريين الأحرار، وهو اختيار سياسى لا غبار عليه تماما.
«نجوع وماله»
جرى العرف على أن أي مرشح في أي انتخابات يقدم لجمهور الناخبين والرأي العام الصورة الوردية، ويعد الناس بوعود كثيرة، وعندما يفوز، يتحدث عن الصعوبات والمشاكل والتحديات التي تمنعه من تنفيذ غالبية هذه الوعود البراقة. لكن السيسي الذي تابع عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق” تصريحاته، خالف كل ذلك وطرح خلال مداخلاته المتعددة في جلسات المؤتمر المختلفة آراء وأفكارا وتوجهات لا يقدمها عادة المرشحون للناخبين، لأنها كما يعتقد كثيرون قد تكون صادمة لهم وتؤثر في شعبيتهم. فى اليوم الأول لمؤتمر “حكاية وطن” قال الرئيس: “إذا كان البناء والتنمية والتقدم ثمنه الجوع والحرمان، فلنفعل ذلك، أوعوا يا مصريين تقولوا ناكل أحسن، فلو كان ثمن الازدهار أننا لا نأكل أو نشرب فلا نأكل أو نشرب، نريد أن يكون لدينا مكان على الخريطة في دولة 95% منها أرض صحراء. إوعى يكون حلمك يا مصري لقمة. وجرت العادة أنه في الحملات الانتخابية لا يقال مثل هذا الكلام لأنه قد يضر بالفرص الانتخابية، خصوصا لدى الفئات غير المتعلمة أو المتأثرة بالأزمة الاقتصادية. في اليوم الأول أيضا وخلال جلسة الطاقة قال الرئيس، إن هناك 17 مليون مشترك في خدمة الكهرباء يحصلون على الطاقة بربع الثمن، وإن وزارة الكهرباء تأخذ برميل الغاز لإنتاج الكهرباء بـ3 دولارات وسعره عالميا 9 دولارات، وقال الرئيس بوضوح إن الأسعار الخاصة بالغاز تضاعفت والدولة بحاجة لجلب الدولار من أجل تشغيل محطات الكهرباء، ويجب أن نتحمل ذلك وألا نقوم بالاستدانة أكثر من ذلك، ومفهوم من كلام الرئيس أن تخفيف الأحمال هدفه توفير جزء من الغاز لتصديره للخارج حتى يمكن توفير جزء من العملة الصعبة التي نحتاجها وبالتالي فإن تخفيف الأحمال قد يستمر.
سيتألمون بفوزه
في اليوم التالي لمؤتمر “حكاية وطن” تحدث الرئيس عن قضية العلاقة بين المالك والمستأجر في الوحدات السكنية، وهي كما أوضح عماد الدين حسين قضية شديدة الحساسية منذ أن قام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بتخفيض القيمة الإيجارية لهذه الوحدات في بداية السيتينات من القرن الماضي. السيسي قال إن هذا أمر تجاوزته الظروف والأوضاع الآن، وإن الذين أصدروه واستفادوا منه قد رحلوا منذ عقود. وبالتالي يفترض انطلاقا من كلمات الرئيس أن هذا الموضوع قد يكون قيد المناقشة والمراجعة في الفترة المقبلة. وفي اليوم الثاني للمؤتمر تحدث الرئيس عن سد النهضة الإثيوبي، واعتبره خانقا لمصر لفترة طويلة. وأرجع الرئيس إنشاء السد إلى حالة التراجع والتدهور والفوضى التي شهدتها مصر من 25 يناير/كانون الثاني 2011 وأعطت لإثيوبيا الفرصة لبناء السد. قائلا إنه لولا هذه الحالة ما تمكنت إثيوبيا من الشروع في بناء السد. وفي ما يتعلق بقضية المياه أيضا قال الرئيس، إنه متوقع أن يزيد عدد سكان مصر بحلول عام 2050، وهم يحتاجون إلى ما بين 25 ــ 50 مليار متر مكعب من المياه، فكيف سنحصل عليها؟ وكان الرئيس يتحدث في سياق ضرورة ترشيد استخدام المياه بكل السبل، لكنه قال أيضا إننا بذلنا كل الجهود الممكنة. وبالتالى فإن الرئيس وضع المصريين أمام حقيقة المشهد المائي، علما أن المواطن المصري يعاني شحا في المياه، جعلت نصيبه ينخفض إلى النصف تقريبا عالميا. بالطبع تحدث الرئيس عن جوانب متفائلة كثيرة، وأنه بالصبر والعمل ستعبر مصر أزمتها الراهنة، لكنه كان حريصا طوال الوقت على أن يقول للناس، إنه لا توجد أنهار من العسل في المستقبل القريب. يرى الكاتب أن هذا الأمر قد يكون مضرا على المستوى الشعبوي، لكنه منطق سليم في التعامل بصدق وموضوعية مع الناس، لأنه إذا فاز السيسي فوقتها سيقول للناس إنني لم أخدعكم، وبالتالي فإن الخطوة المقبلة هي اتخاذ الإجراءات المؤلمة لغالبية الفئات خصوصا الطبقة الوسطى.
أهم الدروس
تمضي الأيام وتتوالى السنون ويبقى نصر أكتوبر/تشرين الأول نقطة الضوء الأكثر بريقا ولمعانا في تاريخنا المعاصر. 6 أكتوبر 1973 هو اليوم الأكثر دلالة في حياة المصريين، ولم تزل معانيه وفق ما يرى الدكتور محمود خليل في “الوطن” تتدفّق وتتجدّد رغم مرور 50 عاما عليه، وسوف يظل كذلك لسنوات أخرى كثيرة ومديدة. الدرس الأخطر الذي تأكد لإسرائيل والمنطقة والعالم عبر حرب أكتوبر أن اللعب مع شعب مصر خطر. فأيا كانت أوجاع ومتاعب هذا الشعب فإنه قادر على الانتفاض في لحظة من أجل أرضه وكرامته. ولست بحاجة إلى التذكير بأن المصريين تمكنوا من القفز على كل الصعاب والمعوقات التي كانت تجعل من العبور وتدمير خط بارليف والتقدم في أرض سيناء أمرا مستحيلا. هذا الشعب صنع المعجزة عام 1973، وعوض نقص الإمكانيات المادية المتوافرة في يده لخوض الحرب ببسالته وصموده وشجاعته المستمدة من الإيمان بقضية بلاده وضرورة تحرير كل شبر من أرضها. هذا الشعب قادر على الصبر والاستيعاب وتمرير الأمور، لكن لديه مساحات حرجة في خريطة تفكيره لا يعرف عندها صبرا ولا استيعابا ولا يسمح فيها بتمرير الأمور.. إنها الأرض. يبقى أكتوبر/تشرين الأول لأنه يمثل الهزيمة الأولى التي نالها المحتل الإسرائيلي على أيدي العرب.. وهي الهزيمة التي وجد العدو نفسه مضطرا إلى الاعتراف بها.
صانع القرار
من قبيل العجب على حد رأي الدكتور محمود خليل، أن تجد بيننا من ينكر على هذا الشعب نصره، وعلى الرئيس السادات رحمه الله إنجازه، في وقت يعترف فيه العدو بهزيمته المنكرة أمام جنود هذا الشعب. هذا الاعتراف الذي توارثته الأجيال في إسرائيل، واليوم يحاول صانع القرار في تل أبيب التقليل منه، من خلال بعض الأحاديث الساذجة عن أخطاء القادة الإسرائيليين في التقدير عام 1973، أحاديث ساذجة ومحاولات للتمويه وللتغطية على نصر حقيقي حقّقه المقاتل المصري، ولم يزل يوجع قلب وعقل إسرائيل حتى الآن. كان السادات رحمه الله دائب الحديث عن «روح أكتوبر»، الروح القادرة على العبور من عتبة اليأس والبؤس إلى عتبة الأمل والرجاء. روح أكتوبر ظهرت بشكل مؤقت خلال أيام الحرب، لكنها اختفت بعد ذلك، عندما حصد ثمار النصر وثمار تحرير الأرض مجموعة من الانتهازيين، الذين ما يدخلون قرية إلا أفسدوها، تجار السياسة والمال الذين لم يهرولوا نحو هذا الشعب الذي صنع المعجزة، بل سعوا على بطونهم إلى أعدائه. لقد كان هؤلاء يفكرون عكس ما يفكر المصريون وقتها. فهذا الشعب آمن بالسلام من أجل بناء دولة قوية مزدهرة، بعد أن خسرنا الكثير في الحروب، ولم يكن إيمانه بحال يعنى التسليم لإسرائيل أو السعى إليها. الدرس الذي تعلمته إسرائيل من الحرب أن هذا الشعب هو مصدر الخطر الأول عليها، لأنها تدرك أكثر مما يدرك الكثيرون أن المصريين ـ وقت الجد – قادرون على استدعاء روح أكتوبر الكامنة في صدورهم.. وتفعيلها في الواقع.. ليعدلوا المايل، ويقيموا المعوج، ويصنعوا الأعاجيب.
أيام ديان
في مذكراته يقول موشي ديان وزير دفاع إسرائيل التي اهتم بها سليمان جودة في “المصري اليوم”، في أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، إنه كان يتابع أعمال الجبهة من مكانه في تل أبيب، وإن أكثر ما لفت انتباهه أن روح المصريين في الحركة على الجبهة كانت تفوق الوصف. وإذا كانت خمسون سنة قد مضت على تحقيق نصر أكتوبر، فقد صار في مقدورنا أن نرى الصورة أوضح، وقد قالوا دائما إنك تستطيع رؤية ملامح اللوحة الفنية بشكل أوضح، كلما أخذت من جانبك خطوات بعيدا عنها إلى الوراء، وكلما تطلعت إليها على مسافة بينك وبينها.. وهذا ما أظن أنه حاصل هذه اللحظة مع النصر العظيم، الذي أحرزناه في ذلك اليوم، فمحونا به عار هزيمة ثقيلة حلت بنا في الخامس من يونيو/حزيران 1967. كانت إسرائيل قد أقامت خط بارليف الشهير على الضفة الشرقية، وكانت قد راحت تحصنه وتقويه، وكانت تقول إنه من المستحيل اجتيازه، فضلا بالطبع عن فتح ثغرات فيه واقتحامه، وكانت وكأنها تؤسس للبقاء في سيناء طويلا، وكانت تتصور أن بارليف المنيع سوف يحمي ظهرها، وسوف يجعلها تشعر بالأمان. كان خط بارليف مانعا ترابيا قويا، ومن قبل الخط من جهة الغرب كانت هناك قناة السويس نفسها بمجراها الممتد على ما يقرب من 175 كيلومترا، وكان مجراها مانعا آخر في حد ذاته، وكان علينا بالتالي أن نجتاز مانعين قويين، أحدهما ترابي كان يقف كالجبل، والثاني مائي كان يتمدد ويمتد من رأس خليج السويس إلى شاطئ البحر المتوسط.
نسور الجو المصريون
كانت إسرائيل وفق ما تابع سليمان جودة في مذكرات وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل تنام على وسادة من حرير، وكانت مطمئنة تماما إلى أن ما استولت عليه في 5 يونيو/حزيران قد صار في قبضتها، وأنه لا سبيل إلى استعادته من جديد، ولكن ما كان ينقصها أنها لم تكن تعرف حقيقة المصريين، ولم تكن تعرف أن بقاء الأرض المحتلة لديها من 67 إلى 73 لم يكن يعني أبدا تسليمنا بذلك، ولم تكن تعرف أن للمصريين معها حسابا سوف يأتي وقته. وقد جاء وقته في يوم السبت الموافق 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وبالتحديد في الساعة الثانية وخمس دقائق، فعندها زُلزت الأرض على الشاطئ الشرقي للقناة، وانطلق نسور الجو المصريون في سماء سيناء، ولم يكن العسكريون الإسرائيليون يملكون والحال هكذا سوى الاستسلام أو الفرار، واكتشفت تل أبيب أنها أمام مارد لم تكن تعرفه ولا تتوقعه. اكتشفت أن الروح المصرية على شاطئ القناة وفي سيناء روح أخرى غير التي تصورتها في 5 يونيو، وكانت تلك الروح هي التي عبرت بنا إلى الشاطئ الشرقي لقناة السويس، ولا تزال قادرة على العبور بنا في كل اتجاه إذا عرفنا كيف نستحضرها.. ولا خيار أمامنا سوى استحضارها بأي طريقة.. والذين استحضروها في المرة الأولى قادرون على استحضارها مرة ثانية وثالثة.
ترامب باق
تنبأ جلال عارف بما يلي في “الأخبار”: يبدو أن الولايات المتحدة ستعيش طويلا مع «فوضى ترامب» بالأمس.. ولأول مرة في التاريخ الأمريكي تمت الإطاحة برئيس مجلس النواب كيفين مكارثي من موقعه الرجل وهو من رموز الحزب الجمهوري صاحب الأغلبية في المجلس تم إسقاطه بعد اقتراح قدمه العضو الجمهوري أيضا غيتس ولم يؤيده إلا ثمانية أعضاء من الجمهوريين، لكن ذلك كان كافيا لعزل مكارثي بعد أن صوّت النواب الديمقراطيون بأكملهم لصالح العزل، ليصدروا مشكلة جديدة وكبيرة لخصومهم في الحزب الجمهوري المنقسم بين أغلبية محافظة باعتدال، والقلة المتشددة من أنصار ترامب التي كانت وراء عزل مكارثي الذي سلمها رقبته من البداية، حين خضع لشروطهم قبل تسعة شهور، لكي يصل لرئاسة المجلس، وكان من بينها أن يكون لأي عضو منفردا أن يتقدم بطلب عزل رئيس المجلس.. وهو ما حدث أخيرا، السبب المعلن لغضب أنصار ترامب من النواب الجمهوريين أن مكارثي توصل لصفقة سياسية مع الديمقراطيين منعت أزمة كبيرة كانت تهدد بإغلاق المؤسسات الحكومية لعدم إقرار الميزانية. الصفقة التي وافق عليها الديمقراطيون ومعظم النواب الجمهوريين منحت مهلة 45 يوما للعمل بميزانية مؤقتة مع استمرار التفاوض للتوصل إلى تفاهم على الميزانية الكاملة خلال هذه المهلة. الاتفاق أغضب المتطرفين من أنصار ترامب في المجلس، حيث كانوا يرون أن إغلاق المؤسسات الحكومية ولو لفترة سوف يخدم ترامب، ويشير إلى فشل الإدارة الديمقراطية، بينما كان مكارثي وغالبية النواب الجمهوريين يرون العكس ويخشون من أن يكون تسببهم في الإغلاق سببا في سقوطهم في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في وقت واحد مع انتخابات الرئاسة. الخطير في الأمر أن منهج إشاعة الفوضى أصبح يهدد المؤسسات الأمريكية. كانت الفوضى سلوكا فرديا لترامب ومساعديه، ثم جاء اقتحام الكونغرس ومحاولة إلغاء نتائج انتخابات الرئاسة، التي فاز فيها بايدن ليكون علامة فارقة في الحياة السياسية الأمريكية. الآن يعزل رئيس مجلس النواب، ويدخل الحزب الجمهوري مرحلة جديدة من الصراع الداخلي وربما.. بسبب البحث عن وسيلة تبعد الأضواء عن متابعة ترامب وهو ينتقل «كعب داير» من محاكمة إلى أخرى مستمتعا بإدعاء المظلومية، وبنشر الفوضى.
الخداع للجميع
المعارك مع الناشرين كما أخبرنا محمود الشربيني في “الوفد”، لا توفر أحدا ولو كان نبيل عبدالفتاح، تغلب على جلسات الكتاب والمبدعين أحاديث عن واقع الثقافة والنشر المتردي، والتحولات التي طرأت على عمل دور النشر، بحيث أصبح الغالبية العظمى منهم يمارسون الخداع مع القارئ والكاتب نفسه، الجملة التي على لسان الناشر هي أن الكتاب نفد، أو أنه لم يبع نسخة واحدة، والنتيجة الوحيدة هي أن حقوق الكتاب ذهبت مع الريح
صدق أو لا تصدق، أن نبيل (مدير سابق لمركز دراسات الأهرام وأحد ألمع خبرائه الآن) يدفع من حر ماله ليطبع كتابا له على حسابه؟ دفع مبلغا محترما ليطبع مئة نسخة من كتابه الأخير «التدين والثورة الرقمية جدل الفعلي والرقمي»، كي يتجاوز مشكلات الناشرين، ويقدمها لأصدقائه على سبيل الإهداء، وتلك طريقته في ممارسة الاحتجاج على واقع النشر كان ذلك قبل أن تطلب دار نشر أخرى، تكن له تقديرا مختلفا نسخة المخطوط لتنشره في طبعة جديدة، لا يزال النشر في المنافذ التابعة لوزارة الثقافة هو الأفضل في كل الظروف، فهناك نظام وأسلوب عمل وهناك بعض من يقدرون قيمة الكلمة والفكرة ويقدرون صاحبها. على سبيل المثال الشاعر والكاتب جرجس شكري مسؤول النشر في هيئة قصور الثقافة «سابقا» الذي قام قبل عامين بإعادة نشر ثلاثة كتب من أهم ما كتبه نبيل عبدالفتاح في كتاب واحد، بمقدمة جديدة عصرية، وحمل الكتاب عنوان «تفكيك الوهم»، قام مؤخرا بعمل عظيم وهو إعادة طبع مؤلفات طه حسين بمناسبة مرور نصف قرن على وفاته.
جمال كلاسيكي
الحقيقة التي انتهى عندها محمود الشربيني أن صاحب النص والرصاص، والمصحف والسيف، والإسلام والعولمة وتجديد الفكر الديني، والنخبة والثورة والدولة، واليوتوبيا والجحيم، والمشرف على تقرير الحالة الدينية في مصر منذ صدوره في مصر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية، يعد واحدا من أهم المفكرين في عصرنا الحديث، ويتمتع بمكانة مرموقة في الأوساط الثقافية العربية، من بيروت ودمشق وصولا إلى تونس ومراكش، حينما جاء الإخوان المفسدون إلى السلطة، قلموا أظافر مركز الدراسات في الأهرام، وتم التخلص منه، وكان ذلك مقدمة لتجميد عمل مركز لطالما ناقش أخطر القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية «الطائفية» في مصر. ساهم بالتفكير والنقاش والكتابة عن العولمة وقت ظهورها، واستشرف ضرورة تجديد الفكر الديني قبل زمان طويل، وانشغل بالجدل الهوياتي، ودخل في سجالات مع كثير من نظرائه ومن رموز الفكر العربي في عصرنا الحديث، ثم كان شاهدا على التحولات السريعة التي حدثت مع تنامي سلطة السوشيال ميديا، في الوقت الراهن يقف نبيل عبدالفتاح شاهدا على ما سماه عصر العاديين الرقمي، المقصود بهم الأشخاص العاديين الذين غيروا قواعد اللعبة، وبرزوا بما يكتبونه من بوستات وتغريدات وفيديوهات «ومضة» كقوة لا سيطرة عليها، ويبدو وكأنه «السوسيولوجي» الوحيد المشغول الآن بتأثيرات هؤلاء «العاديين»، ونظرة واحدة على كتابه الأخير وهو سفر يتجاوز الأربعمئة صفحة، يكشف مدى الجهد الذي بذله في متابعة اهتماماتهم وأفكارهم ومنشوراتهم وتجاوزاتهم التي لا رادع لها، واتساق تفسيراته – أو نبوءاته – إلى حد كبير، حول انحسار سلطة الكهنوت الديني، وبتحول النظرة المجتمعية عن الجمال الكلاسيكي لصالح الأجساد الضخمة المنحوتة «الكيرفي».. إلخ.
خطيئة النخبة
سبق أن رصد عماد فؤاد ما وصفه بـ«جريمة النخبة»، عندما سادت ظاهرة تبنى بعض المحسوبين على النخبة، للخطاب الشعبوى، بكل ما يحمله هذا الخطاب من بساطة معرفية، ومضمون هش. تابع الكاتب في “الوطن”: هنا تنازلت «النخبة» عن دورها، واستسلمت للرأي العام، وبدلا من أن تقوده وتوجهه بما تملكه من رصيد معرفي، ومعلومات أكثر دقة، وقدرة على التحليل، تركته يقودها، ويوجهها إلى حيث لا يعلم أحد. الجريمة تطورت مؤخرا إلى قيام هؤلاء بتبني الشائعات والأخبار الكاذبة، وترديدها بإلحاح لتبدو وكأنها حقائق دامغة، والمؤسف أن من يقومون بالمهمة عدد ليس قليلا من بينهم سياسيون، وصحافيون، ومثقفون، ومن المهتمين بالشأن العام. إنهم يمرون على مدار اليوم بصحف، ومواقع إخبارية، ومنصات إعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي، ويطالعون أخبارا وتقارير متنوعة، وبعد الانتهاء لا يحلو لهم إلا التمسك بالكاذب منها، فهي الأكثر إثارة، وطعمها ألذ، وتضفي بريقا زائفا ولو للحظات على من يروجها. تتجسد أمامك الجريمة إذا سألت عن مصدر الخبر، ستكتشف أنك تخاطب عقلا مشوشا، عاجزا عن الرد، بعد أن تداخلت مصادره، وإن نبهته إلى أنه ينقل عن منصات إخوانية، أو يردد ما بثته قنوات أجنبية مغرضة، يقول بثقة ليست في محلها: أنا متأكد مما أقول، وإن حاولت التصحيح يقذفها في وجهك: «أنت دولجي».. وكأنها تهمة. هكذا يبدو مأزق المصريين مع «نخبتهم» ولسان حالهم يكاد ينطق بالمثل «نخرج من حفرة.. نقع في دحديرة»، والدحديرة هي المنحدر شديد الانحدار، حيث تسقط إلى قاع لا تراه، وهكذا يتحول الأمر إلى كابوس ثقيل.
جدوى المثقف
في فترات التحولات الجدية للدول، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، يتعاظم دور المثقف باعتباره وفق ما ارشدنا إليه عماد فؤاد أحد أطراف القوة الناعمة، وصاحب التأثير الأعمق والبصمة المؤثرة – سلبا أو إيجابا – فأفكاره تنتشر كمتوالية هندسية، ويعتبره عامة الناس قبلتهم لمعرفة ما يجري حولهم من أحداث، وما يستعصي عليهم من مشاهدات، وينتظرون منه الحقائق، وإذا ما كان المثقف – وهو واعٍ بحكم المنطق – أمينا وصادقا ومخلصا، يظل المجتمع محصنا عصيا على السقوط، ومنتبها على الدوام لكل المؤامرات التي تستهدفه، سواء كانت من دول أو جماعات أو أفراد. قبل مرور شهر على توليه رئاسة مصر عام 2014، طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي من قادة الرأي والإعلام، القيام بدورهم في توعية المصريين، مؤكدا أننا نواجه عدة حروب في الداخل والخارج، ما يستدعي الانتباه الشديد إلى تماسك المجتمع بالكامل، وخلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، بمناسبة يوم الشهيد، تحدث الرئيس عن تطور وسائل القتال في تدمير الدول، وأن الجيل الرابع من الحروب لا يعتمد على المواجهة المباشرة، وإنما على وسائل الاتصال الحديثة في نشر الشائعات، ليفقد الناس الثقة في أنفسهم وفي بعضهم بعضا وفي قيادتهم. ما زال الرئيس يراهن على وعي المصريين في عدم تأثرهم بالشائعات، والصمود أمام الحرب النفسية، والتفرقة بين الحقائق والأكاذيب، وما زال الأمل باقيا في قيام «النخبة» بدورها الطبيعي في هذا الإطار، بعد فرز وتجنيب المحبِطين والمحبَطين.