ليبيا: هل هي بداية معركة لمحاربة الفساد؟

رشيد خشانة
حجم الخط
0

إذا ما سارت الأمور في اتجاه انتخابات عامة، قد نسمع عن تورط شخصيات نافذة أخرى في قضايا فساد، في إطار تصفية بعض الخصوم وسد الطريق إلى الرئاسة في وجوههم.

قرأ بعض الليبيين في الحزم الذي عولجت به قضية سفيرة ليبيا لدى بلجيكا أمل الجراري، على أنها بداية حملة على الفساد، بينما قرأها البعض الآخر على أنها مُقتصرة على الفساد الصغير، الذي لا يطاول الحيتان الكبيرة. وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عزل السفيرة الجراري، بعد الاشتباه بضلوعها في عملية فساد، فيما أمر النائب العام بحبسها احتياطيا. ونفت السفيرة وابنها ارتكاب أي مخالفات، مؤكدين أن الأموال لم يجر اختلاسها، بل يتعلق الأمر بتحويل مبلغ 231 ألف يورو من حساب السفارة، إلى شركتين بلجيكية وألمانية، لشراء أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. ولم تصل الأموال إلى وجهتها، علما أن الابن هو مالك الشركة الألمانية.
وطبقا للتشريعات النافذة أحال الدبيبة إجراءات إعفاء السفيرة إلى المجلس الرئاسي، الذي لم يُعلن بعدُ قراره في هذه المسألة. والأمرُ المُحيرُ هو اكتشاف تجاوزات مماثلة، وقعت في عدة سفارات وقنصليات ليبية، ما حمل النيابة العامة على توجيه الاتهامات لعدة أشخاص، من بينهم ثلاثة رؤساء سابقين لبعثات دبلوماسية.
لكن درءا لكل فساد في ملف إعادة إعمار درنة، وافق مجلس النواب في جلسة عقدها مؤخرا في مقره ببنغازي، على قانون إنشاء جهاز لإعادة إعمار مدينة درنة والمناطق المتضررة من السيول، التي اجتاحت شرق البلد في العاشر من أيلول/سبتمبر الماضي.

خزائن منهوبة؟

صحيح أن ملاحقة وزير أو سفير قضائيا ليس حدثا مألوفا، لكن المؤكد أن هناك كثيرين يستحقون الاخضاع لرقابة اقتصادية ومالية من أجل استعادة ما نُهب من خزائن الدولة. وطفت القضية على السطح في أعقاب بث تسجيل صوتي للسفيرة تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما تعالت الأصوات للمطالبة بفتح تحقيق ضدها بشبهة اختلاس المال العام. وما عمق ورطة السفيرة أن سكرتيرتها أكدت في تصريحات صحافية، صحة التسريب، موضحة أن السفيرة طلبت تحويل المبلغ من مخصصات علاج المرضى الليبيين إلى شركة يملكها ابنها. والأرجح إذا ما سارت الأمور في اتجاه الإعداد لانتخابات عامة، أن نرى ونسمع عن تورط شخصيات نافذة أخرى في قضايا فساد، في إطار تصفية بعض الخصوم وسد الطريق إلى الرئاسة في وجوههم.
والحملة مستمرة على ما يبدو، بعدما أوقف جهاز الأمن الداخلي بطرابلس مدير مكتب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، بعد ورود معلومات بشأن قضية فساد، تتعلق بتوريد أدوية ومعدات طبية مخصصة لمتضرري كارثة درنة. وربما ستُتخذ إجراءات مماثلة في حق مسؤولين آخرين من هذا المستوى.
لكن الملف الأقرب للفتح في الفترة المقبلة هو ما كشفه مصرف ليبيا المركزي عن تسديد المصرف لمبلغ تزيد قيمته عن 248 مليون دينار (حوالي 50 مليون دولار) خلال العام الجاري، كديون سابقة متراكمة إزاء ملف العلاج بالخارج. وفي رسالة إلى مكتب النائب العام، أكد المصرف المركزي وجود مطالبات جديدة، لم تتم الاستجابة لها حتى الآن، معلنا نفاد المخصصات المالية للعلاج، في تونس وتركيا ومصر والأردن.
ويجوز القول إن نفقات العلاج بالخارج باتت تشكل نزيفا مستمرا، وهي مجال فسيح للفساد، وتبديد المال العام، لأنها تُرتب على الدولة التزامات مالية في مخالفة واضحة لقانون الدين العام. وحض المصرفُ مكتب النائب العام على «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، لوقف النزيف ووصول الأموال إلى مستحقيها، وفق آلية محددة ومعايير واضحة». واللافت أن المصرف قام بتجربتين في كل من تركيا والأردن بتخفيض نفقات العلاج بالخارج بنسبة خمسين في المئة. ودلت عمليات المراجعة والتدقيق على وجود تضخيم في النفقات، حسب المصرف المركزي. وقد يكون أحد الأسباب الدافعة إلى تشديد الرقابة على الإنفاق، استمرارُ تدني إيرادات السوق المحلية من المشتقات النفطية، إذ كانت صفرًا للشهر الثالث، وفق ما ذكرته النشرة الشهرية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي.

لماذا الإجماع؟

وبالعودة إلى ملف الانتخابات، أعلن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن موافقة أعضاء المجلس على مشروع القانون الخاص بالانتخابات الرئاسية والقانون الخاص بانتخاب أعضاء مجلس النواب، «تمت بالإجماع وبالتسمية والملاحظات التي سبق أن تقدمت بها مجموعة من النواب حول فحوى المشروعين». لكن لماذا الإجماع، فالمفروض أن جهاز إعادة الإعمار سيعمل بكل شفافية، ويخضع لرقابة أجهزة المحاسبة، وبالتالي فهو لا يحتاج للتصديق عليه بالإجماع، فضلا عن أن الإجماع مناف للثقافة الديمقراطية.
تقودنا ملابسات إقرار هذين القانونين إلى قانون آخر لا يقل عنهما أهمية، بل قد يفوقهما، وهو القانون الانتخابي، الذي أقرته لجنة 6+6 بعد مخاض طويل وشاق. ولوحظ أن عقيلة صالح امتدح المشروع قائلا إنه «لا يُقصي أحدا ممن تتوافر فيه الشروط المعروفة للترشح» كما أن لكل مواطن «الحق في الترشح إن كان مدنيا أم عسكريا». لكن المعروف أن جدلا كبيرا دار حول هذين الشرطين، إذ طُلب من العسكريين الراغبين بالترشح، التخلي عن مناصبهم العسكرية، كما طُلب ممن يحملون جنسية ثانية التخلي عنها للترشح للانتخابات. وتضمنت التعديلات أيضا، حسب عقيلة صالح، تمكين الخاسرين في المنافسة الانتخابية من العودة إلى أعمالهم السابقة. وربما كان أحد الحلول الممكنة هو تقديم المرشحين تعهدا كتابيا بالتخلي عن الجنسية الثانية في صورة الفوز بالانتخابات.
ولاشك بأن مُقترحات التعديل هذه ستجعل مشروع القانون أكثر مقبولية، لكن ما زالت هناك مزالق ومنحدرات قد تقود إلى تركيز نظام استبدادي جديد، خاصة متى عرفنا من هو المستفيد (أو المستفيدون) من هذه التعديلات. يأتي في مقدم هؤلاء المستفيدين اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الحاكم الفعلي للمنطقة الشرقية، وسيف الإسلام النجل الثاني لمعمر القذافي، ورئيس الحكومة الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة إلى حكومة انتقالية مصغرة من التكنوقراط، بالرغم من أن المادتين 86 و90 تقضيان، بشكل لا غبار عليه، بضرورة تشكيل حكومة واحدة، لا يكون رئيسها ووزراؤها من بين المترشحين للانتخابات. لكن هناك خشية من تنازع الدبيبة ورئيس حكومة البرلمان أسامة حماد على أحقية تنظيم الانتخابات.
أما المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باثيلي فحض من جهته، القادة الليبيين على التخلي عن انقساماتهم والاجتماع معًا للاتفاق على استجابة موحدة لاحتياجات إعادة الإعمار، وخاصة تجديد النظام الصحي، الذي يعاني من اضطراب شديد، بسبب الصراع الذي طال لأكثر من عقد من الزمن. وما زالت مرافق الرعاية الصحية تواجه نقصًا حادًا في الموظفين والأدوية والمعدات والأجهزة الطبية.
وأكد باثيلي أن تأثير العاصفة «دانيال» هو تذكيرٌ بضرورة تسريع المفاوضات بشأن كسر الجمود السياسي. وينتظر باثيلي استلام مشاريع القوانين الانتخابية المعدلة، ومن ثم تيسير حوار عاجل بين الأطراف الرئيسة في ليبيا، من أجل التوصل إلى تسوية لجميع القضايا الخلافية. ويبدو أن أمريكا مؤيدة لهذا المسار على ما قال سفيرها وموفدها الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند.

دور المحيط الجغرافي

لكن لعل أهم تطور على هذا الصعيد هو الموقف الجزائري الذي أعلن عنه الرئيس عبد المجيد تبون، مؤكدا أن بلاده تدعم الجهود الأممية لإيجاد حل سياسي يقوده الليبيون بأنفسهم، ويمكنهم من الحفاظ على وحدة بلدهم وسيادة وسلامة أراضيه. ويُعتبر موقف الجزائر وازنا جدا في مسار الحل السياسي في ليبيا، لكونها تملك مفاتيح الوضع في المحيط الجغرافي للبلد، ولا يمكن التوصل إلى حل قابل للتنفيذ إلا بمشاركتها. يُذكر أن مشاركة الجزائر في عمليات الإنقاذ في درنة والمدن المجاورة، كانت بارزة، إذ سير الجزائريون تسع طائرات إغاثة وفريق إنقاذ وأطباء إلى ليبيا في وقت مبكر، ما مكن فريق الانقاذ الجزائري من انتشال نحو مئة جثة بمفرده.
وأصيب سكان المدن الليبية الجنوبية بالذعر الخميس الماضي، جراء الأمطار الغزيرة التي هطلت على مدينة أوباري ومدن أخرى، بكميات غير عادية، وخافوا من تكرار سيناريو درنة، خاصة بعدما انقطع التيار الكهربائي عن المدينة، وجرفت السيول المتدفقة بيوتا من الطين والصفيح. غير أن خبراء المناخ استبعدوا أن يتكرر في مدن الجنوب سيناريو درنة، حيث كان انهيار السدين السبب الرئيسي للكارثة التي حلت بالمدينة وجوارها. وهناك عاصفة من طراز آخر هبت على بنغازي، حسب تقرير أممي صدر الخميس الماضي، إذ طلب خبراء الأمم المتحدة من خليفة حفتر أن يوقف فورا عمليات الإخلاء القسري للسكان وهدم المنازل في وسط بنغازي، وأن يضع حدًا للأعمال الانتقامية والعنف ضد المتظاهرين الذين يحتجون على عمليات الإخلاء.
وأفاد التقرير أنه منذ آذار/مارس الماضي، تم إجلاء أكثر من 20 ألف شخص من سكان بنغازي في وقت قصير للغاية. وتولى تنفيذ تلك العملية أعضاء كتيبة طارق بن زياد واللواء 20/20 الذين أجبروا الأهالي على التخلي عن ممتلكاتهم أو وثائق ملكيتهم، على ما قال الخبراء. ووفقاً للتقارير التي تلقاها الخبراء، لم تكن هناك مشاورات مسبقة مع السكان المعنيين. واستطرادا فإن أهل بنغازي يعانون مثل أهل درنة، لكن من سيول أخرى جارفة للبيوت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية