الدوحة ـ «القدس العربي»: تشير دراسات وأبحاث رسمية إلى تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا والعداء ضد المسلمين في العديد من الدول الغربية، بسبب رواسب قديمة، تحييها نخب في عدد من الدول، خلقت جدلاً واسعاً، وتعرض لها عدد من المسلمين، ميزها محاولات «استفزاز» لمشاعر نحو مليار ونصف مليار شخص في العالم، تحديداً مظاهر حرق المصحف الشريف في عدد من العواصم الأوروبية.
وكشف الدكتور محمد المصري أستاذ دراسات الإعلام في معهد الدوحة، أن بحثاً أشرف عليه أكاديميون في عدد من الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية وعدد من الدول، أشار إلى وجود نظرة سلبية تجاه المسلمين في وسائل الإعلام. وأضاف أن البحث حلل نحو مليون خبر أو مادة صحافية وإعلامية نشرت على مدى عشرين سنة في أكبر الصحف الأمريكية. وقارنت الدراسة التغطية الإعلامية عن المسلمين والهندوس، والكاثوليك وغيرهم، وكشفت تحيزاً سلبياً في حق المسلمين مقارنة بالديانات الأخرى. ووجد البحث الذي نشر خلال 2021 أن التمييز كان جلياً تجاه المسلمين، وأبرزهم بشكل سلبي في التغطية الإعلامية في نحو 17 مؤسسة، نشرت نحو 850 ألف مادة. وأشارت الأبحاث المرصودة أن تغطية الأخبار المتعلقة بالمسلمين كانت في معظمها في اتجاه سلبي. وشدد الباحث أن السردية في عدد من الدول الغربية، أشارت أن الخطاب النمطي كان سلبيا في غالبه.
وأشار عدد من الباحثين خلال مؤتمر عقد مؤخراً في العاصمة القطرية الدوحة، أن جذور الإسلاموفوبيا قديمة ساهمت فيها عدد من الرواسب التي كرست خطاباً سلبياً تجاه المسلمين.
وقال الدكتور جون إسبوزيتو، أستاذ الأديان والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون، المدير المؤسس لمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي- المسيحي ومبادرة «الجسر»: «إن الباحثين ركزوا على مدى تفاقم الإسلاموفوبيا واتساعها على مستوى العالم». وأضاف قائلًا: «الإسلاموفوبيا ليست بالظاهرة التي ستزول قريبًا، فحقيقة الأمر أنها تتفاقم وتزداد سوءًا».
واعتبرت الباحثة آن نورتون من جامعة بنسلفانيا، أن «الغرب لم يعترف بإسهام المسلمين في الحضارة الغربية مع جهود نقل المعرفة وإرث الإغريق والإسهام في النهضة العلمية، حتى بعض الذين يدعون تبني قيم الليبرالية لديهم رهاب من الإسلام».
كما يرى الأكاديمي سلمان سيد من جامعة ليدز، أن «قيم ما بعد الحداثة روجت للإسلام أنه خطر يهدد الديمقراطيات، وهي من ترسبات الخوف والجهل». واعتبر أن الإسلاموفوفيا هي ظاهرة عالمية وتمارس في كل مكان ولا تقتصر فقط على عدد من الدول مثل فرنسا والنمسا وإسرائيل وهي جزء من ظاهرة التمييز في العالم.
وأشارت أبحاث إلى أن كل من يريد أن يشتهر ويصبح شعبياً لدى فئات غربية ينطلق في الترويج لخطاب يتضمن تحريضاً على الإسلام، وهو ما يستدعي «تفكيك الإسلاموفوبيا دون إنكارها».
رهاب المسلمين مفهوم قديم
ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا، لأول مرة من طرف كاتبين فرنسيين وتكرس أواخر التسعينات، في حين يرى باحثون، أن الحروب الصليبية كانت ضمن سياق الإسلاموفوبيا. وسبق أن تحدث إدوارد سعيد عن هذا السياق وأشار له في عدد من أبحاثه. كما اعتبر المفكر المسلم محمد أسد، أن الحروب الصليبية هي التي سممت العلاقة بين الإسلام والغرب.
وحسب دراسات عدة، شكلت الحروب الصليبية التي بدأت في النصف الثاني من القرن 11 م، واستمرت حتى القرن 15 م، واحدة من أكثر الأحداث الحاسمة في العصور الوسطى في كل من أوروبا والشرق الأوسط.
وحسب ما وصلت إليه، فأينما حلت جلبت الحملات عواقب وخيمة، لكنها دفعت أيضًا إلى تغييرات جذرية داخل الدول التي نظمتها وشنتها. وحتى بعد انتهائها، استمرت تأثيرات الحروب الصليبية من خلال الأعمال الأدبية والوسائل الثقافية الأخرى، بل وبُعثت كفكرة ما زال يسمع صداها حتى الآن، مع استمرارها اللامتناهي بالتأثير على تفاصيل العلاقات الدولية.
وفي ظل اكتساب ظاهرة الإسلاموفوبيا اهتمامًا واسع النطاق بسبب انتشارها المثير للقلق في جميع أنحاء العالم، سلط مؤتمر دولي رفيع المستوى نظمته جامعة جورجتاون في قطر، الضوء على مختلف العوامل المعقّدة التي تحرّك هذه الظاهرة، والقواسم المشتركة بينها وبين ظواهر التمييز والتعصب والعنصرية الأخرى. وشدد المشاركون في المؤتمر، الذي عُقد تحت عنوان «التاريخ والممارسات العالمية للإسلاموفوبيا» على أهمية البحث والحوار والاستمرار في تكاتف الجهود والتآزر من أجل استئصال ممارسات الكراهية والتحيز والتمييز. وشارك أعضاء هيئة التدريس بجامعة جورجتاون في قطر في تنظيم المؤتمر الذي استقطب كبار العلماء والممارسين والصحافيين، منهم خريجو الجامعة، إلى جانب الناشطين والفنانين وطلاب جامعة جورجتاون في قطر للمساهمة بآرائهم في الحوار.
ظاهرة الإسلاموفوبيا
اعتبر الدكتور صفوان المصري، عميد جامعة جورجتاون في قطر، أن الدوحة، كانت سباقة في تبني المبادرات العالمية لمواجهة العنصرية العالمية بشتى صورها وأشكالها، ومنها كراهية المسلمين والإسلاموفوبيا. ومن أمثلة الجهود واسعة النطاق في العديد من المجالات التعليم والتوعية والحوار العام ووضع السياسات وعقد اجتماعات الخبراء وصانعي السياسات لتضافر الجهود. وأضاف: «يسهم مؤتمرنا في الجهود المبذولة للفت الانتباه إلى الإسلاموفوبيا والرد عليها، ومواجهة آثارها المدمرة، وتعزيز الجهود المؤثرة للنشطاء والقائمين على التعليم والمثقفين والمبدعين».
وتعمّق المشاركون في بحث العوامل العالمية والتاريخية والدينية والسياسية المختلفة التي ساهمت في انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا عالمياً، ضمن التداعيات الناجمة عن الحرب على الإرهاب التي كانت السمة الأبرز للقرن الحادي والعشرين، وتركت آثاراً عميقة على المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم.
وفي جلسة نقاشية تناولت الجذور الفكرية للإسلاموفوبيا، أكد الدكتور سلمان سيد، أستاذ البلاغة والفكر المناهض للاستعمار في جامعة ليدز، أنه «لا يوجد تفسير منطقي للإسلاموفوبيا، بل هي من أقدم أنواع العنصرية المرتبطة بموازين القوى، وغالبًا ما تقوم على فكرة أنه لا يمكن إدماج المسلمين في المجتمعات» لافتًا إلى أن «الإسلاموفوبيا هي نوع من الحكم العنصري الذي يستهدف العقيدة الإسلامية، على الرغم من أنه ليس من الضروري أن يكون المرء مسلمًا ليكون عرضة للإسلاموفوبيا. وشدد أن المسلم يكفيه أن يكون قريبًا من المسلمين أو يُنظر إليه على أنه من المسلمين». وأوضح أن دحض الإسلاموفوبيا لا يتطلب تحديد جذورها الفكرية فقط، بل يجب أيضَا السماح بتطبيق شعائر الإسلام وإتاحتها لتصبح ممارسات طبيعية معتادة. واستكشفت الحوارات المعمّقة، التي أقيمت في قطر، أثر التحامل ضد المسلمين على حياة المجتمعات المسلمة حول العالم، ودور التأجيج الإعلامي في بناء خطاب الإسلاموفوبيا، وتأثير ذلك الخطاب في تشكيل الرأي العام وصياغة السياسات التي تمس حياة الأفراد. وشدد المشاركون على الحاجة إلى التراجع عن الخطاب الإعلامي المعادي، ونشر أفضل الممارسات والإرشادات والمعايير الجديدة مع زيادة تمثيل المسلمين وحضورهم في وسائل الإعلام.
وبحث إعلاميون وأكاديميون الأنماط السلبية للتغطية الإعلامية الغربية مع تفاقم المواقف المعادية للإسلام، قبل بطولة كأس العالم التي احتضنتها قطر أول دولة عربية وإسلامية تستضيف البطولة العالمية.
تاريخ من العداء ضد المسلمين
سبق أن كشف الدكتور بدران بن لحسن، الأستاذ المشارك والباحث، في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية التابع لجامعة قطر معلومات وتفاصيل خاصة عن «الإسلاموفوبيا»، وجذورها الدينية والثقافية في السياق الغربي، والتي أنتجت خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين الذي يميز بعض المجتمعات.
ونشر البحث في مجلة جامعة قطر بعنوان: «الإسلاموفوبيا وجُذورها الدينية والثقافية في السياق الغربي». وحاول الباحث وهو جزائري ولديه اهتمام واسع بفكر مالك بن نبي، فهم الظاهرة في جذورها، وفتح باب المراجعة الثقافية، الدينية والفكرية الغربية نحو الإسلام، والانفتاح عليه، وتجاوز عقدة الحروب الصليبية، وبناء فهم علمي واقعي للإسلام والمسلمين لصالح التعاون الحضاري والعيش المشترك بدل الصراع.
وتجتاح ظاهرة الإسلاموفوبيا العالم شرقًا وغربًا، وتنتج خطاب كراهية ضد المسلمين، ديناً وأمة وثقافة وشعوباً وحضارة، جعلت المسلمين يعانون كثيراً، ويواجهون صعوبات في بناء صلات حضارية وثقافية ودينية مع غيرهم من الأمم والحضارات والشعوب، وبخاصة في الغرب، حسب تقارير عدة.
واعتبر البحث الذي اطلعت «القدس العربي» على نسخة منه، أن مصطلح الإسلاموفوبيا من أكثر المصطلحات الشائعة الاستعمال، دون تحديد دقيق لها، وبالرغم من أن الخوف من الإسلام وكراهية المسلمين أمر قديم، إلا أن مصطلح الإسلاموفوبيا حديث نسبيًا. ولم يظهر هذا المصطلح إلا في الخطاب المعاصر مع نشر تقرير «الإسلاموفوبيا: تحد لنا جميعًا» من قبل المنظمة البريطانية غير الحكومية سنة 1997 حيث أورد التقرير «أن من بين معاني الإسلاموفوبيا النظر إلى الإسلام أنه أدنى من الغرب، وهو همجي، غير عقلاني وبدائي ومتحيز جنسيًا وعنيف، وعدواني ويدعم الإرهاب، ويشارك في صدام الحضارات». حتى صار ذلك يستخدم لتبرير الممارسات التمييزية تجاه المسلمين واستبعادهم والتضييق عليهم.
واعتبر الباحث أنه بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 شاع المصطلح وانتشر أكثر في الولايات المتحدة وفي غيرها، ليصير بعدها شائع الاستخدام في الدوائر العامة والأكاديمية، وبِدلالات لا تجعل من الخطاب المندرج في ذلك السياق خطابًا ترحيبيًا بالمسلمين، ولا صديقًا لهم أو عادلاً في التعامل معهم، ولا إنسانيًا، ولا حواريًا، ولا متسامحًا، ولا قابلاً لوجود الإسلام والمسلمين. وتسبب انتشار مصطلح الإسلاموفوبيا في تشكيل صورة تمنع بناء جسور التواصل بين الإسلام والغرب، والحوار والتعاون والتعايش والاندماج في الحضارة الإنسانية.
ويؤكد الدكتور بدران بن لحسن أن «الإسلاموفوبيا ظاهرة تسيء إلى الإنسانية جمعاء، وتتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان ومع أحكام القانون الدولي». مبينا أنها «ليست وليدة أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 فقط، بل لها جذور تمتد في التاريخ، وهي حصيلة عوامل متعددة دينية وثقافية وحضارية، وصيرورة تاريخية، أفضت إلى ما نشهده اليوم من تحول الظاهرة إلى خطر يهدد التعايش، بما يبثه من كراهية ضد المسلمين مبنية على مغالطات وأحكام جاهلة تعميمية تفتقد للمعطيات الصحيحة».
وحاول الباحث الجزائري تحليل الجذور التي أدت إلى الإسلاموفوبيا وأنتجت خطاب الكراهية ضد المسلمين، مشيراً في ورقته البحثية أن الجذر الديني للإسلاموفوبيا يعود لاضطراب موقف الكنيسة من الإسلام منذ بداية انتشاره ولقائه بالمسيحية في مناطق عدة، وكان الاتجاه الكنسي السائد هو تكذيب الإسلام، والسعي إلى التخويف منه، وزرع الكراهية نحوه، من خلال تشويه الإسلام ونبيه وكتابه والمسلمين وثقافتهم وحضارتهم.
خطاب الكراهية
ويشير البحث المنشور في مجلة جامعة قطر إلى أن «الراهب يوحنا الدمشقي، يعتبر رائد آباء الكنيسة في تشويه الإسلام، واستمر تأثيره إلى العصر الراهن، وما نراه اليوم من استهزاء وسخرية في الغرب بالإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو تقليد بدأه يوحنا الدمشقي واستمر بعده إلى اليوم».
وجاء في البحث أن «الحروب الصليبية من أكثر العوامل تشكيلاً للمخيال الغربي في تعامله مع الإسلام، ولا يكاد يتخلص من ذلك، بل صار هذا المخيال يوجه رجال العلم والسياسة وقادة الجيوش وعامة الناس، وبقي أثر تلك الروح الصليبية حتى القرن العشرين، وانتقلت هذه الصورة المشوهة إلى قادة الإصلاح الفكري والديني في أوروبا».
واعتبر البحث المنشور في مجلة جامعة قطر للبحوث أن «نظرة الغرب للإسلام دخلت مرحلة جديدة مع عصر النهضة الأوروبية في القرن 15 وبلغت قمتها مع حملات الاستعمار الأوروبي، الذي وظَّف الاستشراق لتشكيل صورته عن الشرق والإسلام، وكانت معرفة الغرب للإسلام في هذه المرحلة- كما يذكر إدوارد سعيد- بغرض السيطرة عليه وليس فهمه، وتمت هذه العملية بطريقة مؤسسية، تعاونت فيه مؤسسات الفكر والمعرفة الأوروبية تعاونًا وثيقًا مع مؤسسات الاستعمار الأوروبية الرسمية بهدف مدَّها بالمعرفة اللازمة للسيطرة على المجتمعات المستعمرة».