ينتظرُ لبنان أن تحملَ نتائج التنقيب عن النفط والغاز في «البلوك رقم 9» بالمياه الإقليمية جنوب لبنان أنباءً سارة. تقود المهمة شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية المشغّلة للائتلاف العالميّ المؤلّف من «توتال» وشركة النفط الإيطالية العملاقة «إيني» وشركة «قطر للطاقة»، وقد بدأت أعمال الحفر في 24 آب/أغسطس الماضي مع وصول منصّة الحفر «ترانس أوشن بارنتس» (TransOcean Barents) إلى المياه الإقليمية اللبنانية.
ومن القاعدة اللوجستية التي اعتُمدت في مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت كخطٍ لإقلاع وهبوط الطائرات المروحية المخصصة لتقديم الخدمات من وإلى منصة الحفر على الحدود البحرية الجنوبية للبنان، والذي أُطلق عليه خط «قانا 96» تكريماً لشهداء «مجزرة قانا»، عبَّر وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فيّاض عن تفاؤله، فما سمعه من مسؤولي «توتال» يُعزِّز وجود مكْمَن مُحتمل في الرقعة البحرية رقم 9، وهو يُعوِّل على «رأي الاختصاصيين في الشركة الفرنسية الذين لهم الرصيد في اكتشاف حقول كبرى في حوض البحر الأبيض المتوسط وأبعد من المتوسط».
تفاؤل فيّاض، كما كثيرين من المسؤولين المتابعين للملف، ينطلقُ من المسوحات الجيوفيزيائية لدى الدول المعنيّة، والاكتشافات الهيدروكربونية في حقل «كاريش» على الحدود البحرية الإسرائيلية المتاخمة لعملية حفر البئر الاستكشافية في مكْمن «قانا» المحتمل والمستهدف كمكمن بكميات تجارية محتملة، كما هو حال حقل «كاريش» الذي بدأ قبل أشهر بإنتاج الغاز.
لكن التفاؤل يبقى في خانة الآمال راهناً، إذ إن ما أظهره المسح الجيولوجي من احتمال وجود مكْمن لا يمكن التثبّت منه عملياً وتقنياً إلا من خلال الحفر، الذي أصبح في متناول اليد وممكناً بعد توقيع لبنان وإسرائيل، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما، عقب مفاوضات غير مباشرة بوساطة أمريكية.
حذر الضرورة
ويعود التعامل الحَذِر مع الموضوع مخافة تكرار الصدمة التي حدثت في نيسان/أبريل 2020 مع ظهور نتائج البئر الاستكشافية الأولى قبالة البترون والمحدّدة في البلوك رقم 4، والتي جاءت سلبية. يومها، أصاب الإحباط اللبنانيين بفعل تضخيم التوقعات والاستثمار السياسي والإعلامي الذي غالى به «التيار الوطني الحر» ورئيسه جبران باسيل (ابن البترون) والذي أراد أن يكون تحوُّل لبنان إلى دولة نفطية «إنجازاً مباركاً» لرئيس الجمهورية السابق ميشال عون (عهد الرئيس القوي). لا يختلف فريق «الثنائي الشيعي» كثيراً في عملية الاستثمار. عينه اليوم على توظيف الاستكشاف النفطي الواقع في منطقة نفوذه بما أمكنه سياسياً وشعبياً ومالياً ومصلحياً، غير أنه يحتاط ويكبت بقوة مشاعره إلى أن تظهر البوادر الإيجابية.
حال الترقّب ما عادت طويلة. عملية الحفر تسير من دون عقبات تُـذْكَر. وفق معنيين متابعين، فإن عملية الحفر في قاع البحر ما زالت تحتاج إلى نحو 900 متر للوصول إلى الطبقة المحددة ما بين 4500 و4750 متراً. وما يتواتر من معطيات يبدو مُشجِّعاً. وتُبنى حسابات هؤلاء على أن الكميات المقدّرة ستصل إلى 3 تريليون قدم مكعب في «بئر قانا» وهي كميات تجارية حتمية. وتذهب التوقعات إلى أن كمياته ستُشكّل قرابة ضعف احتياطيات حقل «كاريش» البالغة 1.75 تريليون قدم مكعب، ما يعني أنه سيكون اكتشافاً قابلاً للتطوير.
وبحسب الاتفاق، على «توتال» أن تُعلن نتائج الاستكشاف بعد شهرين من بدئه. وتُضرب المواعيد في بيروت ما بين آخر تشرين الأول/أكتوبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر لمعرفة ما إذا كان المسح قد أصاب الهدف الجيولوجي وتحقَّق الاستكشاف الهيدروكربوني. إذا كانت النتائج إيجابية، فتلك ستكون بداية الأنباء المشجعة، لكنها ليست النبأ اليقين عن دخول لبنان نادي الدول النفطية، هذا الأمر يحتاج إلى دراسات من الائتلاف النفطي لتقييم ما إذا كانت البئر المستكشفة تحتوي على مخزون تجاري أم لا. ويقول رئيس هيئة قطاع البترول غابي دعبول إن «المشغِّل عليه مسؤولية إبلاغ الهيئة ووزارة الأشغال عند اكتشاف أي مواد هيدروكربونية (غاز أو زيت سائل)، ولديه ستة أشهر لتقييم الاكتشاف وتحديد ما إذا كان تجارياً وقابلاً للتطوير، وعليه عندها أن يُقدِّم خطة تطوير وإنتاج لنيل موافقة مجلس الوزراء».
النفط حقيقة ولكن…!
في اللمحة العامة على موقع هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان أنه «في العام 1947 فيما كان الخبراء يبحثون عن «كبريتيد النيكل والكوبالت» في بلدة يُحمُر في سهل البقاع، عثروا على صخور وحيوانات بحريّة متحجّرة شبيهة بالبيئات الصخريّة التي تقع عادةً بالقرب من حقول النفط، وهذا الأمر حثّ المعنيّين على الاهتمام بالحَفر في مواقع أخرى متعددة. وتمَّ بين عامَيْ 1946 و1967 حفر سبع آبارٍ في تربُل، والقاع، وعبرين، وتلّ ذنوب، ويُحمُر، وسُحمُر، وعَدلون. وعُثر آنذاك على كميات من البيتومين والغاز إلاّ أنَّ كلفة استخراجها بَـدَتْ مرتفعة جدّاً». هكذا كانت الحال في القرن العشرين الماضي.
يُعاود لبنان الكرَّة من جديد في القرن الحالي. وقَّع في شباط/فبراير 2018 عقداً مع ائتلاف نفطيّ ضمَّ «توتال إنرجيز» الفرنسية، و«إيني» الإيطالية، و«نوفاتيك» الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في مياهه الإقليمية. وهذا «الكونسورتيوم» الذي تقوده «توتال» هو الذي قام بالاستكشاف الأول في « بلوك 4» قبالة البترون في 2020 ويقوم باستكشاف بئر في «البلوك 9»، بحسب العقد الموقَّع. التغيير الذي حصل يكمن في انسحاب «نوفاتيك الروسية» بعد حرب أوكرانيا بفعل تعرّضها للعقوبات. استحوذتِ الدولةُ اللبنانية في البداية على حصة «نوفاتيك» البالغة 20 في المئة، ومن ثم أعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في 29 كانون الثاني/يناير 2023 عن انضمام شركة «قطر للطاقة» شريكاً في الائتلاف. اشترتِ الشركةُ القطرية المملوكة من الدولة نسبة أكبر من مما كانت تُشكّله الحصة الروسية، وثمّة كلام يدور في الكواليس اليوم عن نيّتها بزيادتها من جديد.
تطوّران يُثيران التساؤل!
أمران حصلا في الفترة الفاصلة عن انتهاء «توتال» من الحفر في بئر قانا؛ الأول: منح وزير الطاقة «رخصة استطلاع غير حصرية» مدتها ثلاث سنوات كحد أقصى لشركتَي «برايت سكايز» البريطانية و«جيوكس» المصرية للقيام بمسح زلزالي ثلاثيّ الأبعاد بالتكافل والتضامن في البلوك رقم 8 المجاور للبلوك رقم 9 في الجنوب. وهذا أمر يُجيزه القانون له.
دارت التساؤلات حول توقيت الرخصة، لكن خبراء في مجال الطاقة رأوا أن خطوة وزارة الطاقة ضرورية، ولا سيما أن البلوك رقم 8 كان في مكان مُتنازع عليه، ولم يكن من الممكن إطلاق المسح قبل ترسيم الحدود مع إسرائيل.
في حفل إطلاق الرخصة، قال فيّاض إن المسح الزلزالي الثلاثيّ الأبعاد سيُعطي مدخولاً للدولة مُقتطَعاً من الإيرادات التي ستجبيها الشركة من تسويق هذه الداتا. هذا أمر صحيح، ولكن هل أصاب في قوله إنَّ هذا المسح سيزيد التنافس على إمكانية حصول لبنان على أفضل شروط تجارية للبلوك 8، في ما يتعلق باقتسام الأرباح والموارد من جرّاء مشاركة القطاع الخاص والشركاء المستقبليين؟
أما الأمر الثاني، فهو إعلان وزارة الطاقة والمياه اللبنانية وهيئة إدارة قطاع البترول، في بيان مشترك، أنه قبل ساعة واحدة من انتهاء موعد تقديم الطلبات للاشتراك في دورة التراخيص الثانية في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، تقدَّم الائتلاف المكوَّن من «توتال إنرجيز» و«إيني» و«قطر للطاقة» بطلبَي اشتراك في دورة التراخيص الثانية للمزايدة على الرقعتين 8 و10 في المياه البحرية اللبنانية. هذا عملياً يعني أن الرُقع الثلاث المحاذية للحدود مع إسرائيل – إذا حاز «الكونسورتيوم» نفسه على الترخيص – ستكون في يد جهة دولية واحدة.
تكشف أوساط مطلعة أن اتصالات كانت تدور منذ شهرين حول الرقعتين 8 و10. وليس طابع الاتصالات إدارياً بقدر ما هو سياسيّ. الأسئلة التي ستتضح الإجابات عنها في المستقبل ستتمحور حول ما إذا كان تقديم «الائتلاف النفطيّ» طلبَي الاشتراك في الرقعتين 8 و10 في اللحظة الأخيرة، سيُخرجهما من دورة التراخيص الثالثة، بحيث ستقتصر حينها على الرُقع التي لم يتقدَّم إليها أحد من الشركات المهتمة. إذا كان الأمر كذلك، فذلك يعني أنه لم يعد أمام تحالف «توتال» و«إيني» و«شركة قطر» أي منافسة. ويعني ذلك أن كل تلك «الحبكة» كانت مدروسة ومنسّقة من خلف الستارة.
السياسة هي «المفتاح»
مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط لوري هايتيان علَّقت عبر صفحتها على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) قائلة: «بلوكات الجنوب كلها خاضعة لاتفاق ترسيم الحدود البحرية وبالتالي اختيار الشركات خاضع للمزاجين الأمريكي والإسرائيلي، و«توتال» و«قطر للطاقة» والشريك الصامت «إيني» موجودون لأن اللجنة الخماسية موجودة، ولأن قطر مستمرة بدعم الجيش وقطاع الطاقة في لبنان! وعلى فكرة «إيني» قدَّمت عرضاً في إسرائيل».
لا شيء من قبيل الصدفة، ففرنسا هي الدولة التي تُقدِّم المبادرة تلو الأخرى لإخراج لبنان من أزمته السياسية العالقة، حيث «الفراغ الرئاسي» في الموقع الأول في البلاد سيُنهي آخر هذا الشهر سنته الأولى، وسط انسداد أُفق الاتفاق على رئيس للجمهورية؛ وقطر تقودُ اتصالاتٍ مكثّفة بعيداً من الأضواء مع الأفرقاء حول الاستحقاق الرئاسي. والدولتان هما في «اللجنة الخماسية» إلى جانب أمريكا والسعودية ومصر المعنية بإيجاد حل للأزمة في لبنان المتعددة الجوانب والتي بات البُعد الاقتصادي المالي فيها مقلقاً جداً، وسط توالي التقارير الدولية، ولا سيما من «صندوق النقد الدولي»، عن قصور متمادٍ من قبل الطبقة السياسية في انتهاج الإصلاحات المطلوبة التي من شأنها أن تضع لبنان على سكّة وقف الانهيار وانحلال الدولة وبدء مسار التعافي.
ما يجري من خطوات في الملف النفطي، والهجمة التي يشهدها القطاع من شركات أجنبية مهتمّة بالشق اللوجستي لمرحلة التطوير، يشي – في رأي متابعين لصيقين بالملف – بأن النتائج الاستكشافية في البلوك 9 ستأتي بنتائج واعدة، وسيدخل لبنان نادي الدول النفطية والغازية. ولكن ما الذي سيحصل في اليوم التالي؟ وهل الطبقة الحاكمة قادرة على إدارة هكذا ملف، وهي التي أخفقتْ في إدارة شؤون البلاد بحدها الأدنى؟ وكيف يمكن أن تتّخذ «حكومة تصريف أعمال» قرارات تتعلق بخطة التطوير والإنتاج وبالثروة النفطية التي هي ملك لبنان بكل أبنائه وانتماءاته ومن حق أجياله؟ وهل في الإمكان أن يستمر الوضع السياسي على ما هو عليه من دون رئيس للجمهورية يمكن من خلاله العمل على استعادة قدر من التوازن الداخلي ومن إعادة إطلاق عجلة الدولة وعمل مؤسساتها والخروج من الانهيار الاقتصادي والمالي؟ كلها أسئلة صعبة ولا تحمل على التفاؤل في إمكان أن يُبدِّل أي اكتشاف نفطيّ من أداء سياسيي لبنان بعيداً عن مصالح الفئات والطوائف التي يمثّلونها أو يدَّعون تمثيلها وبعيداً عن مصالحهم الخاصة.
اللافت هو ما سَمِعَـتْه شخصية على علاقة متينة برئيس الحكومة من أنَّ «هناك قراراً متفقاً عليه بين الجميع بالسير في كل ما يلزم في ملف النفط والغاز، وأنَّ هناك قدرة على إكمال المسار كوزارة طاقة وكحكومة وسلطة سياسية مهما كانت ظروف انتخاب الرئيس». هذا بيت القصيد، فقطار التنقيب عن النفط سيواصل سيره وكذلك خطة التطوير إذا أظهرت نتائج الاستكشاف أنَّ «مكْمن قانا» يحتوي على كميات تجارية واعدة، وما إلى هناك من خطوات يمكن أن تدفع بالقطاع إلى الأمام. أقل ما يُقال إن ثمة انفصاماً لدى الحاكمين الصوريين والفعليين في لبنان في كيفية التعاطي مع الملف النفطيّ والملفات الأخرى التي تقضُّ مضاجع اللبنانيين في حياتهم اليومية ومستقبلهم.
الوقت الضائع
وأفضل ما يمكن فعله هو ملء الوقت الضائع. هكذا يمكن وصف الورشة التشريعية التي شهدها مجلس النواب بهدف إنشاء «الصندوق السيادي» الذي ستوضع فيه عائدات النفط والغاز ليتم استثمارها للأجيال المقبلة. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فلن تكون هناك عائدات بترولية قبل 5 إلى 6 سنوات. لا مشكلة بالتأكيد إذا أَنجزتِ السلطةُ التشريعية القوانين المطلوبة في هذا المجال كمؤشر على جدّيتها حيال الداخل والخارج، ولكن هل فعلاً الهدف هو إظهار هؤلاء جدّية في دورهم التشريعي؟ يمكن القول إن اللجنة الفرعية التي انبثقت من لجنة المال لدرس مشروع الصندوق السيادي قامت في «الوقت الضائع» بدراسة 4 اقتراحات قوانين مقدمة من الكتل السياسية التي تمثل نبيه بري، ووليد جنبلاط، وجبران باسيل، وسمير جعجع. يبرزُ هنا الخلل في غياب أي تمثيل للمكوّن السُّني المشتَّت.
توصلتِ اللجانُ إلى صيغة مشتركة لكنها اختلفت على نقطة واحدة ورَحَّلتها إلى الهيئة العامة. النقطة المختلَف عليها تدور حول مَن هي مرجعية الصندوق السيادي، ومَن يُرشِّح أعضاءه؟ ومَن هي الجهة التي سيُخاطب «الصندوق» عبرها مجلس الوزراء؟ أمر المرجعية ليست نقطة تفصيلية بل هي محورية تُشكِّل البداية والنهاية لـ«صندوق» لا بدَّ من أن يكون على شاكلة «المستقبل الحلم» وليس «الماضي الكابوس». نقطة تحتاج إلى اتفاق سياسي، وستسبقها بالتأكيد توافقات كبرى في السياسة والاقتصاد والمال… وحول أي لبنان نريد؟!