رواية «تغريبة القافر»: «الطبيعة والإنسان»… ثنائية الإقصاء والاحتواء

ترتهن رواية «تغريبة القافر» للروائي العماني زهران القاسمي إلى تمثيلها حالة ثقافية بدت محدودة الوجود في السردية العربية، ونعني النموذج العلائقي مع قيم الطبيعة، وفلسفة حضورها في وعي الإنسان، حيث تبرز الطبيعة بوصفها معادلاً للذات من جهة، ونقيضا له من جهة أخرى، فالرواية ارتضت أن تقيم علاقة غير نمطيّة بين الإنسان والمكان، وهي الصيغة الأكثر بروزاً في هذا العمل الذي اتصف بلغة سردية، وبنى حكائية، لكن الأهم الإشارة إلى قدرة الرواية على تشكيل جمل ثقافية تكتنز بالدلالات التي تأطرت في حالة حكائية بدت جزءاً من فاعلية تمكين عملية التلقي.
يُشار إلى أن الرواية استجابت للتوقعات تجاه الرواية التي تستحق الاحتفاء بها، فهذا العمل بدا حاملاً لمتعة سردية، ومع ذلك فإن (الرواية) تبقي خاضعة لاختبار الزمن، ونعني من حيث المراهنة على قدرتها أن تكون جزءاً من ذاكرة الرواية العربية، فنحن على يقين بأنه ليست كل رواية نالت جائزة ستتمكن من أن تكون خالدة، أو جزءاً من ذاكرة الرواية العربية، فثمة روايات لم تنل جوائز، لكنها بقيت حاضرة في التاريخ، في حين بعض الروايات التي حصلت على جوائز لم يبق منها سوى القيمة الأرشيفية للجائزة.

التشييد الدلالي

تأسست الرواية على تمكين حدث مركزي صاغ التكوين الكلي للنص الذي أبقى المتلقي مشدوداً إلى أثره حتى النهاية، ونعني سقوط المرأة بالبئر، بما يعنيه هذا من اكتناز دلالي يقع ضمن قطاع افتتاحي لرواية تتبنى فاعلية التشويق جزءاً من تكوينها، وما أعقب ذلك من فعل سرد استرجاعي بهدف إدراك مآلات هذا الحدث، وكيف شّكل جزءاً من تحديد مصائر الشخصيات، وأثرها.
تعدّ اللغة إحدى مقومات الوعي السردي، من حيث الحرص على القيمة المتوازنة في تكريس معجم سردي يتصل بوقائع الحدث، ونعني: الطبيعة ـ الماء- الأفلاج- الصخور.. وكل ما يتصل بهذه الثقافة التي تُصاغ بوعي سردي لا يصطنع غرابة أو تغريباً مع المتلقي، أو شيئاً من الوعورة على مستوى الإحساس باللغة، فالرواية تستثمر فاعلية غرابة الحبكة التي تُبقي القارئ مشدوداً للعمل. فالرواية تتبنى لغة قوية ورشيقة ومتصلة بالسرد، مع شيء من الهدوء الإيقاعي الذي ينتج عن الاتصال بوقائع الطبيعة، وهدأة تكوينها، فلا نواجه شذوذا ضمن هذا المستوى، أو حتى استطرادا لا داع له، فالأحداث والمقاطع السردية، كما البيانات تكاد تكون مدروسة بعناية، كي تخدم الرؤية السردية للعمل.
إن مزاج الرواية يبدو أقرب إلى حالة متكاملة من العناصر التي تشكّل مجتمعة قيمة مضافة عبر النسيج اللغوي الذي يبدو عصياً على بعض الروائيين. وهذا ما يمكن أن نحيله إلى أن فكرة الرواية يجب أن تنضج في الداخل، قبل أن تتحرر على الورق، فهي ليست فعل إكراه يفرض نفسه على الكاتب، كما أنها ليست قراراً بالرغبة في أن تكون كاتباً.. إنما تتأتى الرواية من ذات غالباً ما تصطدم مع العالم، وتعيد موضعته.

متلفظ العزلة

إن تجسيد العنوان يبدو إشكالياً، فالقافر الذي يبحث عن الماء في باطن الأرض يقع في سياق تشكيل الاغتراب ممثلاً بكلمة (تغريبة) بيد أن حيّز التغريب لا يعني ذلك البعد الجغرافي فحسب، إنما يعني الرغبة في الانطواء على الأطراف والهوامش، علاوة على الاغتراب الداخلي. على الرغم من أن الرواية قد تبدو معنيّة بمركزية شخصية «القافر» الذي يؤسس وجوه ضمن علاقة مع الأرض – في بلدة «المسفاة» – وما يكمن فيها من جدل إلا أن إطلالة على الشخصيات الأخرى، ولاسيما النسوية يشي بتمكين هذا الأثر الذي يعدّ جزءاً من مركزية دلالية، حيث تشكل المرأة نوعاً من الاحتواء للرجل، وبهذا فإنها تكتسب صيغة الأرض التي تسعى لأن تحتوي الكيانات الأخرى، وهذا ما نراه في بيان العلاقة بين «أم القافر» التي حملت به، ومن ثم أخرجته «كاذية» من بطنها بعد الغرق، في حين أرضعته «آسيا» ومن ثم أحبته فتاة أخرى تزوجته بعد أن نبذه الجميع، بل إن هذه الزوجة انتظرته بعد أن علق في الفلج، فتعللت بغزل الصوف كي تنتظره في تناص واضح مع سردية «بنيلوبي» زوجة «أوديسيوس».

لا بد من الإشارة إلى أن الرواية تتصل بالمنظور البيئي كونها تنطلق من مفهوم شعري لمعنى (الطبيعة) ممثلة بالأرض والماء، مقابل الإنسان بوصفها وجودين جدليين ينخرطان في علاقة يحكمها العطاء من جهة، والاصطدام من جهة أخرى. فعلاقة الطبيعة بالإنسان تتأسس على كيف يتعامل معها؟

ثمة بيان في التشكيل الأولي الذي يطال معنى الاحتضان الأنثوي (الأمومي) لرجل وجد منبوذاً، ومختلفاً، غير أن هذه الإحاطة الأنثوية كانت أشبه بتعالق مع الرحم والحياة، والأهم الطبيعة، فلا جرم أن نرى أن «القافر» كان في حالة اتصال مع الأرض، وما يكمن فيها من ماء، بل إن هذه الأرض احتضنته أخيراً، فالقدرة على الإنصات للأرض، وترقب صوت الماء نتيجة أثر وراثي ظهر أول مرة عند أمه «مريم» التي كانت قد عانت آلاماً أو صداعاً في الرأس لا يهدأ إلا إذا وضعت رأسها تحت الماء. للتأكيد على فاعلية الاحتضان الأنثوي نشير إلى أن «كاذية» احتضنت القافر، ومن قبل ساعدت الوعري (المنبوذ) عبر إطعامه بعد أن هام وحيداً بعد مقتل أمه، في حين أن «آسيا» أرضعت القافر. كما يمكن أن نرى بأن التشكيل النسوي في الرواية يرتبط بتعالق واضح مع الأبناء، فآسيا مات جميع أبنائها، وهجرها زوجها، في حين أن القافر ماتت أمه بعد أن حملت به، بينما «أم الوعري» قتلت نتيجة ما أصابها من جنون بسبب الوعري.

لكن كل هذه الصيغ تتصل بقوى غيبية تتعالق بهؤلاء الأطفال الذين ينسبون للجن، أو إلى جن الأرض، مع طقم من الأقاويل والحكايات نسجت من لدن أهل القرية.
وكي نستكمل فاعلية العزلة نشير إلى أن النسق عينه يتكرر في شخصية زوج آسيا الذي ارتحل، كما والد «كاذية» وجنونه نتيجة ضربه على الصفيح كناية عن تحذير ما، وأيضاً والد القافر الذي كان هائماً منعزلاً، بالإضافة إلى شخصية «الوعري» الذي اعتزل، هكذا يبدو أن مصائر هذه الشخصيات أقرب إلى سلسلة من التراجيديات التي يكمن خلفها سر ما، ربما يعلق بالأرض التي تمتص أو تحتضن هذه الكيانات المختلفة، والمقصية. ولعل الرواية في هذه الصّيغة قد خلقت مزاجاً جاذباً لفعل التلقي الذي غالباً ما يتغذى على هذه الأجواء الغرائبية، أو السحرية، أو كما يمكن أن ننعتها بالغرائبية. كما أنّ علاقة القافر مع المكان تبدو مضطربة، وهذا يضع الكثير من العلامات تجاه معنى الوطن، الذي ينبذ الغريب والمختلف، كما تأكل حقه، إذ يمكن أن نعاين ذلك ضمن الإحالات، على الرغم من سياقها الهامشي، ومن ذلك عندما حوصر والد القافر في الفلج، ولم يتمكن من الخروج فما كان منه إلا أن قال لابنه كلماته الأخيرة: «يا باه عطشان، باه بلادك ما بلاد، البلاد اللي تأكل أموالك بلاد فاجرة، البلاد بو تستغلك وتاخذك تمرة وبعدين ترميك فلحة ما بلاد، باه سالم دور على بلاد غيرها، البلاد بو تنكر جميلك ما تستحق تعيش فيها ساعة». في حين يتعزز هذا بحوار القافر مع زوجته حين يلخص لها واقع أهل البلدة التي تستقوي على الضعيف، وتخاف من شيوخهم وسادتهم، وضمن ردة فعل أخرى يصف الماء في هذه الأرض بأنه فاسد، كما هي النفوس، وفي موقع خلال فترة الجدب، ومحاولة البحث عن الماء عبر اللجوء إلى القافر الذي يُوصف عبر الراوي العليم: «إنه مجرد طفل يتيم فقير مع أب ضعيف لا ضاحية ولا نخلة لديه في هذه البلاد، فقد تقاسموا إرث جده، ونهبوه نخلة نخلة، فذهبت كل أمواله في بطونهم».

الطبيعة نموذج التواصل

لا بد من الإشارة إلى أن الرواية تتصل بالمنظور البيئي كونها تنطلق من مفهوم شعري لمعنى (الطبيعة) ممثلة بالأرض والماء، مقابل الإنسان بوصفها وجودين جدليين ينخرطان في علاقة يحكمها العطاء من جهة، والاصطدام من جهة أخرى. فعلاقة الطبيعة بالإنسان تتأسس على كيف يتعامل معها؟ وكيف يمكن أن تشكل امتداداً متوازنا، مع تمثّل القيمة الحقيقية لها؛ فيأتي انحباس المطر ليمثل غضب الطبيعة؛ ولهذا كان وجود القافر جزءاً من تجاوز الأزمة، فهو الوحيد الذي يتقن التخاطب مع الأرض بوصفها كائناً حياً، فيعرف ما يمور في داخلها من حياة أو جدب، فالماء يكون حالة تعويض، أو رمزاً للحياة والنماء والخصب، لكن ينبغي أن يتصل بالحب، وقد يكون على النقيض من ذلك. تحتفي الرواية بالتفرد على حساب الوعي الجمعي الذي تهجوه، فهذا الوعي غالباً ما يكون مسكوناً بالرغبة في تداول الحكايات، والأقاويل، علاوة على سرد الخرافات، ومحاولة تفسير كل شيء نتيجة قوى غيبية، غير أن هذا لا يأتي نموذجاً من نماذج تمثيل الواقع، أو مقصوداً بذاته. فالرواية ليست معنية بتكريس نموذج فلكلوري، إنما بسياق الأثر الوظيفي لهذا الفعل عبر تشكيل وعي معنى العالم من خلال هذه الذوات غير القادرة على التواصل، فأهل البلد سرعان ما يصدرن أحكاماً على الآخرين، فهم يرون الشر ضمن معتقدهم الذي ينهض على النموذج الغيبي، علاوة على عدم القدرة على فهم ما حولهم من علاقات معقدة مع البيئة، والكيانات التي تتسم بروح ما.
إن تكريس المعنى الميتافيزيقي للشر يأتي حالة من الغرابة التي تنطوي على وعي الإنسان غير القادر على فهم المعاني الحقيقية للأشياء، كما تبدو فاعلية نقد التنظيم المجتمعي تجاه ذلك جزءاً من دلالة الرواية، غير أنها لا تتمثلها مباشرة إنما تبرز على شكل إشارات محدودة على مستوى المتلفظ اللغوي، في حين أنها تتبلور عبر الإحالة إلى مواجهة نظم السلطة العليا، لا بمعنى السلطة بتكوينها الرمزي ممثلا بشيخ القرية أو سيدها.. إنما عبر وعي سلطة المجتمع برمته، كونه يحتمل في داخله ممارسات مشوهة تجاه الآخر. قد يبدو «القافر» وحده القادر على محاورة الأرض، وسماع صوت الماء، فيرغب في مساعدة الآخرين الذين ينبذونه ويتخلون عنه. لقد وجد في وحدته وتأملاته ملاذا تعويضياً للاغتراب الذي يعيشه، عبر البحث عن الماء، وشق الأفلاج والقنوات، في حين أن الصخر الذي يكمن خلفه الماء يبرز إشارة إلى فلسفة، فخلف هذه القسوة ثمة الحياة، أو الموت.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية