حضر ولم يتحدث، هكذا وصف الإعلام مشاركة الملك الأردني عبدالله بن الحسين في مؤتمر القمة العربية السادس والعشرين، الذي عقد في شرم الشيخ المصرية بين 28 و29 آذار/مارس الماضي.
القمة أقرت في ختام اجتماعاتها مشروع القرار الخاص بإنشاء قوة عسكرية عربية تشارك فيها الدول اختيارياً؛ حيث ينص مشروع القرار على أن هذه القوة «تضطلع بمهام التدخل العسكري السريع، وما تكلف به من مهام أخرى لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة أي من الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية، وتشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، بما فيها تهديدات التنظيمات الإرهابية، بناء على طلب من الدولة المعنية». وفي وقت يجب أن يحظى المشروع المذكور بأهمية كبرى، نظراً للدور الذي يمكن أن يضطلع به في مواجهة الأحداث الإقليمية التي قلبت الكثير من المفاهيم في العالم العربي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يغيب عن القمة سبعة زعماء أبرزهم رئيس دولة الامارات وملك المغرب العربي، ويفضل الملك الأردني الصمت ويعود إلى بلاده قبل انتهاء جلسات القمة.
الأحداث الاقليمية التي قلبت الكثير من المفاهيم في العالم العربي ظلت بعيدة عن إحداث تغيير جذري في القمة العربية نفسها، فالبند الثالث من بنود البيان الختامي المتعلق بتعديل ميثاق الجامعة، وكذلك النظام الأساسي المعدل لمجلس السلم والأمن العربي، لم يصل الى نتيجة أو اتفاق، وكذا كان حظ هذا البند خلال القمم الخمس السابقة، مما يجعل إقرار مشروع جيش عربي موحد «لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة أي من الدول العربية… وتشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي»، أمرا مناقضاً للمزاج العام الذي لم يستطع كما يبدو للمرة السادسة والعشرين تجاوز تناقض المصالح الداخلية للدول العربية وتعديل البند الأساسي لمجلس السلم والأمن العربيين.
بالعودة إلى الملك عبدالله بن الحسين، ملك الأردن، الذي تعرض لتحد شخصي مقتبل العام الحالي، عندما أحرق تنظيم «الدولة الإسلامية» الأسير الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا في مشهدية هوليوودية مقززة، قام الملك بعدها بالعديد من التحركات الديناميكية على المستويين الداخلي والخارجي، فكثف لقاءاته بزعماء العشائر الأردنية، وأجرى لقاءات واتصالات سريعة مع زعماء إقليميين ودوليين، كما قاد بنفسه غارة جوية شنتها مقاتلات الجيش الأردني على نقاط لـ»داعش» في العراق، ووضع في السادس عشر من مارس قواته المسلحة في حالة تأهب قصوى بين إربد والمفرق على الحدود مع سورية، إثر قيام وزير خارجيته ناصر الجودة بزيارة إلى إيران في السابع من الشهر ذاته، لنقل رسالة خطية من الملك الأردني إلى الرئيس حسن روحاني.
لا يحسد الأردن حقيقة على ما يمر به بسبب موقعه الجيو- سياسي، البلد الفقير معدوم المصادر، اضطر لاستقبال عدد من اللاجئين السوريين، الأمر الذي يهدد استقراره الأمني والاقتصادي، الأراضي المحاذية لحدوده الشمالية غير القصيرة مع سوريا قد تصبح تهديدا أمنيا، إذا قويت شوكة السلفيين الجهاديين فيها، الهجمات الإرهابية على فنادق عمَّان عام 2005 مازالت في الذاكرة الحيَّة للشعب والحكومة. كما أن معادلات التوازن السياسي بشقه الأمني بالغة التعقيد، بالنسبة لدولة صغيرة معدمة مضطرة لمجاراة داعمها المادي وجارها السعودي، ومراعاة ضوابط أمنية متفق عليها مع جارتها إسرائيل، وفق معاهدة السلام الموقعة عام 1994. هكذا يحضر الدور الأردني قوياً في مجريات قتال الجبهة السورية الجنوبية، ويعطي الأردن الضوء الأخضر فتسيطر قوات المعارضة على معبر نصيب وكامل الشريط الحدودي مع الأردن، في خطوة منسقة مع القيادة السعودية الجديدة، ورضا تركي مضمر، ما يعكس اختلافا جوهريا في مواقف الأردن ومصر. الأردن يقف بوضوح مع التوجه السعودي الجديد المنسق مع تركيا، بينما يصر سيسي مصر على الابتعاد عن هذا التوجه ومعاداة تركيا وقطر.
يملك الملك الأردني مسوغات كثيرة، وربما مريرة، كي يفضل الصمت في القمة الأخيرة التي استضافتها مصر. فإثر هتاف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «تحيا الأمة العربية» ثلاثاً منهيا كلمته في القمة، لابد أن الملك عبدالله استذكر تجربة والده الملك حسين، عندما وافق عام 1967 على وضع جيشه وقواته المسلحة تحت إمرة الجنرال المصري عبد المنعم رياض، في حملة كارثية شنها الأخير، فكانت نكسة، خسر العرب فيها القدس الشرقية والضفة الغربية لصالح إسرائيل. كان هذا بعد قرار القمة العربية المنعقدة عام 1964 لتشكيل قيادة عسكرية عربية مشتركة. ما الذي يجعل قرار مشروع قوات تدخل عربي سريع الآن أكثر قابلية للحياة من اتفاق مجلس الدفاع العربي العسكري المشترك الذي أقرته قمة مماثلة عام 1950؟
ربما يحبذ الملك الأرني الصمت أمام الانتقال غير المفهوم لهتافات السيسي من «تحيا مصر» و»مصر أولا» إلى «تحيا الأمة العربية»، بينما لا يزال الإعلام المصري يشن حملات تصل حد البذاءة على دول الخليج العربي، التي تمنح مصر «فلوس زي الرز». كيف يستطيع الملك الأردني التناغم مع مشروع يستلزم أن يقوم الجيش المصري قيام العمود الفقري له، في وقت يعتقد فيه الرئيس المصري أن الإسلاميين بمن فيهم الإخوان هم الشر الأوحد وخطرهم يتعدى خطر بشار الأسد. خاصة أن الأردن منذ فترة وجيزة أطلق سراح منظر السلفية الجهادية في الأردن «أبو محمد المقدسي» بعد دور لعبه المقدسي في عملية التفاوض مع «داعش» لاطلاق سراح الطيار الكساسبة. وقبل القمة بأقل من شهر وافقت السلطات الأردنية على إعادة ترخيص تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، في خطوة متوافقة ربما مع توجهات الإدارة السعودية الجديدة في الانفتاح على الإخوان باعتبارهم «اسلاماً معتدلاً»، مقابل «داعش» وأخواته والميليشيات الشيعية.
هكذا يبدو أن لملك الأردن كل الحق في أن يصمت.
مهند أبو الحسن- كاتب سوري