دليل الطواغيت: الديكتاتور يفقد تدريجيا ارتباطه بالواقع

حجم الخط
0

لست ضليعا بالترجمة، غير أني تعثرت بكتاب يحمل عنوان ‘دليل الطواغيت’ لمؤلفيه بروس مسكيتا والاستير سمث، فرايت ان اعرض لبعض ما ورد فيه، من باب البذخ الفكري لا غير، فموضوع الكتاب لا علاقة وطيدة له بواقعنا، فنحن في وطننا العربي والمن للمولى نرفل برغيد العيش ونتنشق نسائم العدل والديمقراطية التي انعم بها علينا أولو الامر حتى:

كدنا نقول لهم كفى حرية جعنا الى شيء من استعباد الطاغية او الدكتاتور، كما يقول الكتاب (وانا معني بروح النص لا حرفيته) ليس تواقا لان يجثم على صدر شعبه فحسب، بل ينبغي ان تكون له اليد الطولى في التحكم بموارد الدولة المالية وطرق إنفاقها ما قيض له ذلك والا فقد الذراع الضاربة التي من خلالها يحكم سيطرته وينفذ سطوته. ولكي يتسنى له ذلك فلا بد من خلق وإدامة تحالف ضيق من مدفوعي الولاء يتولى صد وتهميش خصومه وأعدائه. وعليه، فلا مناص من ان يغدق الدكتاتور على دائرته الضيقة بالعطايا والهبات، فارضاء هذه الثلة المحظية من مدفوعي الولاء غاية في الأهمية لإدامة حكمه وهو امر مقدم على اي شيء حتى مصالح الشعب نفسه، فمن غيرهم لا ضمان للبقاء، اذ ان الحاكم، اي حاكم، لا قبل له منفردا بمواجهة إرادة شعبه ولا بد من وجود حلقة منتقاة تبطش بالناس وأرزاقهم نيابة عنه فهم من يحول بينه وبين العامة.

ولكي يضمن الدكتاتور ديمومة ولاء هؤلاء فعليه ان يعرف جيدا من اين تؤكل الكتف، فان أقتر فقد الولاء وان أغدق فالاغداق اولى لكن ليس الى الدرجة التي يستغني فيها المرتزق عن ولي نعمته الدكتاتور فيفكر بمنافسته ويصبح مصدر تهديد له، فان فعل حيك له امر ووصم بالفساد فاودع المعتقل حتى يزول تهديده. وإمعانا من الدكتاتور في ضمان ديمومة ولاء اصحاب الحظوة المرتزقة فانه يلجا الى استراتيجية اخرى تعطيه مرونة في التعاطي مع الواقع وتمكنه من الاحتفاظ ببعض الخيارات فهو ينتقي قلته الموالية من مجموعة اكبر قليلا يتنافس أفرادها فيما بينهم لدخول نادي اصحاب الحظوة. هذه المجموعة الاكبر تحظى بعطايا وامتيازات لكنها لا تقارن بما يجنيه اهل الدائرة الضيقة من مدفوعي الولاء. توفر هذه البنية للدكتاتور مرونة تجعله يستغني عن اي شخص يشاء في أية لحظة أراد فهنالك المئات وربما الآلاف من اعضاء المجموعة الاكبر تواقون ليكونوا من الصفوة المنتقاة. وهذا التنافس المحموم بين قناصي الفرص والمتسلقين هو ما يتيح للدكتاتور فرصة البقاء طالما ان هنالك من يتنافس على ولائه مدفوع الأجر. اذا فالدكتاتور يضع مصلحة شعبه في الدرجة الثالثة: بقاؤه في السلطة اولا، تحكمه بمفاصل الإنفاق ثانيا، ثم يسبغ المكرمات بما تبقى من فتات على الأفواه الفاغرة من شعبه الرازحين تحت وطأة الفقر والحرمان، فهما، اي الفقر والحرمان سلاحه الأقوى لاخضاع العامة وقيادتهم. يلاحظ المتمعن مدى تجذر العلاقة بين السلطة والفساد ولكن هل هي حتمية؟ يقول اللورد أكتون وهو مؤرخ وكاتب وسياسي عاش في القرن التاسع عشر وتقوم فلسفته على اعتبار ان الحرية السياسية هي الشرط والضامن الأساس للحرية الدينية، يقول (والترجمة بتصرف) ‘ليس من الضروري ان تقود السلطة الى الفساد ولكن السلطة المطلقة لا محالة فاعلة’. اذا ماالذي ينأى بالسلطة غير المطلقة عن الفساد؟ الاجابة هي ان السلطة غير المطلقة وبالذات المنتخبة او الديمقراطية توسع دائرة المنتفعين لتشمل افراد الشعب كافة، فبدل ان تنفق الاموال على الدكتاتور وقلته المحظية، تستغل لتقديم خدمات عامة نافعة وأنظمة إدارية فعالة ومنظومة قضائية عادلة وبنية تحتية ذات جودة فيشعر افراد الشعب ان فرصهم بالاستفادة من موارد الدولة متساوية من حيث المبدا وعلى قاعدة ان لكل مجتهد نصيب، قل ذلك او كثر. يبقى السؤال المحير.. يستطيع الديكتاتور ان يحكم الخناق على شعبه فيفقرهم ويفاقم مديونيتهم بطيشه وأنانيته وبذخ اهل بيته، ولكن الى متى؟ الخطأ المشترك بين معظم الديكتاتوريين انهم يفقدون مع مرور الزمن ارتباطهم بالواقع وقدرتهم على التمييز فتصبح ثلتهم المأجورة مدفوعة الولاء ذات سطوة وجبروت فتحول تماماً بينهم وبين شعوبهم فيفقدون البصر والبصيرة وينسون: ان احتدام النار في جوف الثرى امر يثير حفيظة البركانيعجب الدكتاتور بسلطته وسطوته ويشعر بالدفء الذي توفره له مكانته العلية وينسى ان الحكمة تقول: لا يعجبن الدب دفء فرائه فهو الذي يرميه للصياد. والصياد لا محالة قادم.. فهل من مدكر؟

د. عمار سليم الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية