ترسم اشتغالات الشاعر السعودي إبراهيم زولي ملامحها من خلال ما يمكن تسميته «شعرية التضاد» إذ يستجلي عبر تقانة المفارقة ما هو مخفي في عوالمه وأسراره، وأن يمنح اللغة طاقة الكشف عن رموز ذلك المخفي، والتغوي بطقوس كتابة الاستدعاء بوصفها نوعا من القصيدة الشخصية، القصيدة التي لا تتكئ على البلاغي/ البياني، قدر التماسها بلاغة التصويري، حيث تمارس أسلوب «القص الشعري» واستنطاق ما هو حسي، وكأنه يستبطن من خلالها هواجسه وأسئلته، والذهاب إلى لعبة الكشف والمغامرة، مسكونا برغبة التخلّص من الصمت، إلى ما يشبه الاعتراف، حيث تكون القصيدة نظيرا للوصية، بوصفها تطهيرا، أو خلاصا، أو حتى رثاءً للذاتن التي تبحث عن وجودها الاستعاري في اللغة، فالذات تجد لذتها عبر التوطين داخل اللغة، وعبر استنفار طاقتها الاستعارية، وبما تنطوي عليه من إحالات سيميائية تستكنه ما في «قصيدة النثر» من تشكّلات بنائية، تتبدى عبر شعرية اليومي والبصري والتمثيلي..
كتابه الشعري «أغانٍ سيئة السمعة» الصادر عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع/ الدمام/ المملكة العربية السعودية 2022 يحمل هواجس البحث، وبدلالة تمثيل هذا البحث عبر استدعاء الغائب، بوصفها حافزا يتوازى مع البحث عن الوجود من خلال الكتابة، بوصفها نقيضا، فيتحول الاستدعاء إلى شغف شخصي، وإلى رغبة محتدمة في توليد الدلالات وفي تفجيرها، حتى تبدو وكأنها كتابة فائرة، متشظية تنزع في صورها إلى تعرية السرّي عن المسكوت عنه، وعن الذات المتورطة، في مواجهة عالم مسكون بكثير من التفاصيل «سيئة السمعة» تلك التي تختبئ خلف استعارات تتسع عبرها لعبة الشاعر الذي يسوّر قلقه بتوريات ماكرة.
ففي قصيدة «أوزار» لا يكتفي الشاعر بحمولة «الكلمة» وبما يغمرها من حمولات نفسية ورمزية، بل يذهب عبر تقانة التدفق إلى خرق المألوف، وإلى منح القصيدة حركة داخلية، تجعلها أكثر تمثيلا للذات المتوجسة، الحالمة، المغوية بشغف وعي الوجود، من خلال رخم الاستعاري في اللغة.
أكتب وصيتك الآن،
قيل إن الرثاء يقتفي شجر العمر،
والأرض تتباعد
شيئا فشيئا،
تصطفي الوجع الطائش
وجعا دون نافذة وباب.
قيل إن الظهيرة لا تعرف
كيف تتدبر أشياءها وتنام
على خيط واهٍ بين السياف والضحية..
فعل الأمر «أكتب» ليس بدءا لتورية حضور الغائب، بقدر ما هو كشف عن قلق الشاعر، وربما عن أزمته الوجودية، لذا يتماهى مع رغبته في أن تكون الكتابة/ اللغة جوهر لعبة «انتهاك الخفاء» وفي تحويل كائنه الشعري المهجوس، إلى كائن وجودي، يملك طاقة البحث، والاستدعاء، واستكناه ما يحمله «القول» من فعلٍ يقوّض صمته، ويدفعه إلى رؤية ما لا يراه الشاهد، فانشغال القصيدة بالهاجس يجعل منها أكثر توترا، وأكثر تمثيلا لفكرة «القصيدة الشخصية» التي تنشغل بشعرية التفاصيل ـ المغادرة، اللوعة، الوحدة – التي تتحول إلى نسقٍ استعاري يمارس فيه الشاعر طقوسه في الاعتراف، وفي استعادة استعارة القميص الميثولوجي تخففا من «أوزار» القلق، وفي اتجاه التقاط ما هو هامشي، الذي يتحوّل إلى هاجسٍ غائر، يلاحقه، ويوهمه بمزيد من الغياب. وفي قصيدة «ما لا يعجبني في سيرتي الشخصية» تبدو لعبة المكاشفة أكثر وضوحا، وأكثر تمثيلا لاستعارة القلق، فالزولي يستدل عبر الاعتراف إلى إيقاظ الجسد المخفي، لكي يواجه العالم، وليُحرّضه على الاحتفاء بالجسد الشعري، بوصفه دعوة للاحتفاء بالوجود، ولمواجهة قسوة الغياب، وذاكرة الخسارات، وبما يجعل من هذا الشعري فعلا للخرق، وللكشف عن شهوة كتابة القصائد، بدلالة المتعالي من حمولتها الرمزية والتعويضية، إذ تبدو وكأنها طقس نصوصي للتعويض والاعتراف والتماهي، ولتحويل جملة التوصيف الإسمية إلى جمل تصويرية، تستفز ذاكرة الشاعر عبر فعل الماضي/ كانت، كنت/ وبما يُعطي لشعرية العنونة تعالقا أكثر بشعرية ذلك الاعتراف، الذي يجعل من الشاعر رائيا، باحثا، «متطلعا عبر ثقوب الشبهة» مهجوسا بترميم غيابه/ خساراته عبر الحضور الاستعاري المتوهج.
لم اعتد هدايا عيد الميلاد
كنت فتىً
أتطلع عبر ثقوب الشبهة،
الوسائد كانت سليلة نسب عريق
من الهوى الرخيص،
الوسائد التي بسببها أخسر غالبا،
وينتصر الفراش.
«هذا ما لا يعجبني في سيرتي الشخصية»
وفي قصيدة «أكثر من غيبوبة» يواصل الشاعر لعبته في استثمار ما هو حسي في القصيدة لكي يكشف عن أزمته في الغياب/ الغيبوبة، فيستعير ضمير «أنت» للمخاطب، لما ينطوي عليه من استفزاز، ليكون مجسّه التعبيري في استثارة المخفي في الغياب، وفي خفايا ذاته المتوجسة، التي تجد في اصطناع تقانة «التساؤل» مجالا لاستدعاء ذلك الغائب، بوصفه الشيفرة التي تُحيل إلى فصاحة «الثيمة الشعرية» إذ تتشظى هذه الشيفرة إلى بواعث واستثارات، لا دافع لها سوى بلاغة التحفّز والاستنفار، التي تتحول إلى حركات يتوازى فيها «تساؤل الغائب» مع اعتراف الشاهد الموهوم، والباحث عن ذاته من خلال كتابة « نص الاستدعاء» بوصفها النص المتعالق بأزمته اللاواعية للوجود، إذ يتمثل عبر قاموسه الشعري- التهلكة، الهزيمة، الذاكرة المستباحة، التفاصيل الحامضة، الأوهام، الزنزانة – غربته و»وعيه الشقي» فتحضر الشراهة الاستعارية لتؤدي وظيفة المنظور الذي يكشف عن المخفي في الدلالات، التي تتحول إلى حافز إيهامي، وإلى شغفٍ ذي إشباعٍ مجازي، له كناية التعويض من جانب، وكناية الاستغراق في شعرية الذات، الباحثة عن وجودها، وعن سحر تحولها واعترافها داخل اللغة من جانب آخر، بوصفها استثمارا مفتوحا لطاقة التمثيل والتصوير، وعبر استثمار «شعرية النثر» في توظيف تقانة القص، والتصوير، وفي الكتابة السيرية، والتواتر، ولما تحفل به من حساسية شعرية في توسيع مديات «اللغة الواصفة» باعتبارها تملك طاقة تصويرية، وتمثلات نفسية، تواجه حساسية الغياب، وتشفّر للقارىء أزمة الشاعر الذي يجعل من ازمته الشخصية ازمة كونية للاغتراب، ومن طقسه الاعترافي مجالا لذلك الانتهاك «المقموع والمسكوت عنه». شعرية المسكوت واحدة من تجليات قصائد الزولي، إذ تنهمك عبر توظيف المقدّس في البحث عن تمثيلها السيميائي للوجود، وعن علاقة التواشج التي تقترحها المفردة القرآنية «وَيَسْأَلُونَكَ» باليومي/ الشعري، بوصفها تساؤلا وجوديا، يستكنه الكشف عن الأسرار «الروح، الجبال، الخمرة» كما في النص القرآني، وعما تستنفره «المخيلة» بوصفها دالا على استدعاء الكتابة كتوصيف لما يشبه «الطرس» الذي يحفظ المحذوف/ الغائب مقابل استدعاء فعل المكتوب كدالٍ على الحضور الذي تمثله «الروح» بقلقها، وبما تهجس به من استدعاء استعاري لفكرة الخلق.
يسألونك:
عن المخيلة حين تفيض عن الحاجة،
عن الكتابة إذ تباغتك من غير مبررات وجودية،
ثم تبعث بالكائنات الخفية من لوحها الأبدي.
ماذا ستأخذ من ذاكرة مستباحة،
ذاكرة مطلية بالغبار،
والتفاصيل الحامضة؟
تواصل ثنائية الحضور والغياب تدفقها، وبما يجعلها موجّها سيميائيا لتمثيل الرغبة المُجهَضة، بوصف هذه الرغبة هي الصوت الداخلي العميق الذي يتمثّل فعل الاستدعاء، عبر تحريك الضمائر المتقاطعة في وظائفها، حيث تمثل «أنا» المتكلم حافزا، يتقصّى الغائب في «كاف الأنوثة» استردكِ، عنكِ، شهيقكِ، أقاصيكِ، ظلالكِ» الدالة على الإيهام باستدعاء فعل اللذة العالق بالغائب، فيتحول طقس تلك اللذة إلى إحالة متعالية ونافرة، لتوضيح قصد المخفي منها، والتي تجعل من جملة الاستهلال «أريد أن أستردكِ» بؤرة مركزية لتمثل زمن الرغبة، وللمكان العالق بها، والمفتوح على تفاصيل عابرة..
سيرة الشاعر الذي يكتبُ بإفراط..
قصائد الزولي تنهض على أساس إيقاظ المخبوء، فنبرته الشعرية الخافتة، تكشف عن قلق عميق، وعن لغة تنحاز إلى سردنة ما يحمله «القص الشعري» الذي يجد في الجملة النثرية رغبته في صناعة طقس استدعاء الغائب، وفي أن يجعل من سيرته، بوصفها مركزا للرغبة، أو فضاءً للايهام، أو للاستثارة، إذ يستدرج عبرها استعارات اليومي، والتخيّلي، وليجعلها أكثر تعبيرا عن مأزقه في انتهاك الخفاء، وعما يصنعه الاستدعاء من تمثلات تستفزه في الحضور، وفق استطرادات/ جمل متتالية، يوظف فيها إيقاعا مواربا، عبر «العناوين» وعبر البياض، والتكرار، والفراغ، وشيفرة النداء، وبما يأخذ الشعري إلى التوسّع، وإلى استثمار «التخيّل» وما ينطوي عليه من إحالات نفسية ومجازية، تتواتر فيها دالات التعبير، وهي تكشف عن قلق الشاعر الوجودي، وعن اضطراب رؤيته، لذا يتغوى بالحلم، ويستعين بالاستعارة «لإغان سيئة السمعة» أو لـ «المنكرات/ الأخطاء، بلاغة الغياب، التي تكشف عن لوعته، وعن قلقه إزاء الغياب/ الموت، وهو ما يدفعه إلى التخيل بإفراط لكي يجعل من الكتابة بوصفها طرسا، أو «حارسا» نقيضا للمحذوف والممحو، الذي يذهب بالصورة الشعرية إلى اللامتناهي، وإلى التضاد والمفارقة، بوصفها تمثلات لذاته المهجوسة باستدعاء الغائب، والنافر عبر ما تقترحه طقوس الكتابة، بوصفها طقوسا لتدوين وجوده، واحتجاجه، وللكشف عن قلقه، وعن سيرته المشغولة بالبحث عن ذلك الغائب/ الذات/ المعنى/ الأنثى..
ليس غير الكتابة نُغطّيها بمآزرنا،
حفاة، تذهب بنا للسهر العاري،
لمعركة لم تبدأ بعد،
تُقاسمنا زاد المنكرات،
المُنكرات التي بالكاد تُقيم أودنا،
المنكرات «في تقديري
الشخصي»
كانت تؤازر الكتابة على إفراغ
شهوتها، بينما المهرجون يشعلون لها
التبغ ثم تتركهم كاليتامى..
٭ كاتب عراقي