أنت اليوم تعيش في واقع وغداً قد تكون في واقع آخر مختلف، أنت اليوم بصحة جيدة، تخرج من بيتك وتمشي وقد تمارس الرياضة، غداً لاسمح الله قد تتعرض إلى حادث سير، وتصاب بكسور تلزمك البقاء في البيت، إذاً واقعك الخاص قد تغيّر، لكنه لم يمت، لأنك بعد حين ستتعافى وتعود إلى واقعك القديم، لكن إذا تسبب الحادث لا قدر الله في بتر إحدى القدمين أو كلاهما فهذا يعني أن واقعك القديم قد مات ولن يعود.
هذا على المستوى الفردي
على المستوى الجماعي، العالم قبل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والإنترنت و ظهور مواقع التواصل والجوال كان يعيش واقعاً مختلفاً، مواقع التواصل خلقت واقعاً افتراضياً يتواصل فيه الناس عن بعد، حتى الحروب أصبحت عن بعد من خلال الطائرات دون طيار وغير ذلك من صناعات وتقنيات عسكرية مذهلة، كل شيء يتغير مع مرور الوقت والتقدم العلمي.
هل من الممكن أن تختفي التكنولوجيا نهائياً ونعود إلى ما قبل التكنولوجيا؟ هذا ممكن في حالة الحروب أو الكوارث الطبيعية والأوبئة ولفترة محدودة، دولة تتعرض لهجوم عسكري عنيف مدمر، هذا سيتسبب بتعطل الإنترنت والكثير من وسائل التكنولوجيا، عندما تتوقف الحرب يعود الواقع الذي اختفى تدريجياً، واقع العالم اليوم قد يختفي إذا حدثت حرب عالمية ثالثة وربما إذا استخدمت فيها الأسلحة النووية أن تتسبب بدمار العالم ويختفي الواقع ولايعود كما كان سابقاً.
ما علاقة كل هذا بالكتابة الأدبية؟
في الكتابة الأدبية يعد الخيال من عناصر النص الأدبي الرئيسية، والتخييل عند بعض الأدباء هو قتل للواقع أو التمرد عليه أو الهروب منه، وهذا يعني أن الأدب يرفض الواقع أحياناً ويحاول أن يساهم بصنع واقع جديد أجمل، لكن وحسب نظرية الانعكاس وتفسيرها في الأدب برؤية الاتجاه الماركسي فإن الأدب مرأة للواقع وللمجتمع لكن الأمر ليس بهذه البساطة فقد يكون النتاج الأدبي خاضعاً للواقع أو قد يكون متمرداً على هذا الواقع ساعياً لتغييره أو هدمه لبناء واقع أفضل.
نصل إلى أن ما ينعكس في دماغ الكاتب هو صورة من الواقع، لكن هذه الصورة المنعكسة تختلف من شخض إلى آخر ومن كاتب إلى أخر،الوجود الواقعي عند أفلاطون ليس إلا ظل لعالم مثالي آخر، وهذا يسمى مثالية، والواقعية أنواع وفلسفات تختلف مع المثالية، أبرزها الفلسفة الواقعية التي أسسها أرسطو طاليس أحد تلامذة أفلاطون.
فلسفة أفلاطون تنص على أن العقل هو أساس المعرفة وأن الواقع الحقيقي داخل أفكارنا وليس ما نشاهده أو نشعر به من خلال الحواس، فلسفة أرسطو طاليس أحد تلامذة أفلاطون تختلف وتصرح أن الحواس والتجربة هما طريق الوصول إلى الجوهر، الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت خالفهما وقرر أن الشك هو الطريق للوصول إلى الحقيقة فالحقيقة عند ديكارت هي ما ينتهي إليه الشك لأن الدماغ الذي يفكر ويشكك هو الذي يصنع الواقع والحقيقة.
وهناك اتجاهات فكرية وفلسفية أخرى مثل المادية التي تنص على أن الفكر انعكاس للعالم الواقعي والتلفيقية التي تمزج بين المثالية والمادية، في أوائل القرن العشرين طرح العالم و الفيلسوف الألماني برتراند راسل في كتابه (مشكلات الفلسفة) الصادر في أوائل القرن العشرين مثال «الطاولة»
ضوء يسقط على سطح الطاولة،بعد سقوط الضوء يتغير كل شيء على سطح الطاولة، اللون، البريق، التوهج، يلمع سطح الطاولة من مكان ما ومن زاوية نظر معينة، ولا يلمع أبداً من زواية نظر من زاوية أخرى، حتى أبعاد الطاولة قد تختلف حسب زاوية النظر، وهكذا تختلف صورة هذا الواقع الصغير في دماغ من ينظرون معاً إلى سطح الطاولة، وهذا يتفق تماما مع ما يحدث، وكيف يتلقى الناقد والأديب والإنسان البسيط ما يأتيه من الواقع، إذا افترضنا هنا أن من ينظرون إلى الطاولة ثلاثة أدباء من زوايا مختلفة وسيكتبون نتيجة رؤيتهم الواقعية لسطح الطاولة.
المفترض هنا أن يصل الثلاثة إلى نتائج مختلفة لأن زاوية النظر والواقع الذي شاهدوه مختلف، لكن إذا نظر نفس الأدباء إلى واقع ثابت دون مؤثرات، المنطق أن يصل الثلاثة إلى نتائج متشابهة، أما إذا اختلفت نتائج الثلاثة كلياً فهذا يعني أن الثقافة والتلقي عندهم مختلف كثيراً، ويعني أيضاً أن الرؤية الثقافية عندهم مختلفة، قد تكون الرؤية اشتراكية أو شيوعية أو سيريالية أو بورجوازية.
وفي المحصلة.. تختلف نظرة الكتّاب والأدباء إلى الواقع وهذا ينعكس في نتاجهم الأدبي، منهم من هو خاضع للواقع وهناك من هو متمرد عليه ساعياً إلى قتله أو هدمه لبناء واقع أفضل وأجمل، وكذلك هناك من يهرب من هذا الواقع بالخيال والسخرية إلى واقع سحري أو فانتازي.
ويبقى السؤال: هل من واجب الكاتب العربي وغير العربي أن يسعى من خلال كتاباته إلى قتل الواقع أو هدمه لبناء واقع أفضل وأجمل أم بالخضوع له ومحاولة إصلاحه أم يكتفي بالهروب منه إلى الخيال الفانتازي؟
كاتب أردني