أمين الريحاني شاعرًا

حجم الخط
0

يشكو المُفكّر والشاعر اللبنانيّ أمين الريحاني من رهافة القلوب وتذمر النفوس في هذا العصر، تلك القلوب المائعة والمائلة إلى الأنين والنحيب فضلًا عن الأرواح الواهمة الّتي سرعان ما تصرخ وتنوح، إلا أنهُ يلين كلماته الجارحة من خلال بلاغته وأسلوبه الشِّعريّ العذب، فيمضي قائلًا: « قلوبٌ تذوب كُلّما هبت ريح الصبا، تذوب في اللّيالي المُقمرة، وعندَ كُلّ ساقيةٍ أو غدير، قلوب شرقيّة مائعة على الدوام..» يُشير هذا التعبير إلى ترهل بنية الإنسان وعجزها على تحمل المتاعب، المصاعب والمصائب المُباغتة. ينتقد الذات العربيّة الكئيبة والمريضة، واصفًا إيّاها بأنها جُبلت من الدموع والأسى وتشكّلت من جهشات الثكالى، وهُنا يعني الذات الشابّة البكّاءة الّتي تبادلت الأدوار مع الذات الكهلة فأصبحت أشدّ خطورةً وفتكًا من الداء نفسه في المُجتمع؛ جراء كسلها وعجزها المُستمرّ غير المُنتج أبدًا، والّذي يُهدد دائمًا صحة الأمّة وسلامتها الفكريّة والاجتماعيّة!
هذهِ الأنا المتوهمة الصبيانيّة غير الناضجة هي السائدة اليوم أو بالأحرى الأنا المُستسلمة والمتأوّهة من كُلِّ شيءٍ قد يبدو ساذجًا أو جديًّا، إنها مُشكلة مُعقّدة ولهجة دميمة تتسع يوميًّا دون شعور حقيقيّ أو وعي بحجم السراب والركود الناتج عن الأفكار المُظلمة المأساويّة، تعجُّ بها فئات عُمريّة مُهمّة في بناء البلدان ولاسيّما العربيّة المُنهكة؛ بسبب المحن، النكبات والانتهاكات إضافة إلى المُؤامرات والفساد، يُصاحب ذلك نقص الجهود المعنويّة الروحيّة والاشتغالات المُكثفة السديدة وفقدان المساعي المُثابرة العميقة.
يُفضل الريحاني الشُّعراء المُتبصرين على الفلاسفة والعلماء ذوي النظرة الأُحاديّة والقلوب المُتحجرة جدًّا، فإما أن يكون المرء مُفرطًا في عاطفتهِ متهورًا بسببها وإما قاسيًا ويابسًا في أساليبه أيّ أننا لا نملك- للأسف الشديد- التوازن الحكيم بين الإثنين. رفض بعض النقّاد طريقته في تشخيص الواقع، قائلين إنه يلبس الآخرين وعلى وجه الخصوص الشباب إكليلًا من الشوك بدلًا من إكليل الغار، وهُم في الحقيقة مُنبهرون ولا يعرفون كيف يتعاملون مع فكره الحُرّ الصريح؛ لذا يذهبون إلى كتابةِ نقد لاذع خالٍ من الدقّة والاعتراف، فلا لوم على مثل هذه الفئة التي أصابها اليقين الأعمى واستعملت الجحود الأقوى. إذ قرروا خوض معارك شرسة مُفرغة لا جدوى منها مع كاتب ثابت، يتركُ لنا نصيحته بعد تضمينها في أشعاره المعروفة، يتبناها كما الآتي: «قلْ كلمتكَ وامشِ». بمعنى قلْ ما لديك بجرأةٍ وصدق وامضِ دون توقف وخمود أو دون اهتمام بما يجري ابتغاء مرضاة الناس فيما بعد، إن عملية الاهتمام بالأقوال وأخذ الآراء جميعها بعد الإنجاز على محملّ الجدّ هي مَن أغرقت الأدب في نهر الرداءة والمُجاملة الآن.
لا ينكر الشاعر تشعب الحياة وتعقيدها الشائن، إنّما يعلن ضياع السهولة والبساطة في هذهِ الأيّام وازدياد الالتباس والزيف والتصنع؛ ممّا أدى الحال إلى الأدب الكاذب، المُزخرف والقبيح أخلاقيًا وفنيًا فقط، أنتجهُ خيالٌ يذهب إلى مذاهب عجيبة ركيكة، ليست سامية بل مُعظمها لا يتطابق مع الواقع المعيش ولا يمس أعماق أحدهم؛ نتيجة الأنانيّة والضعف الذهني والمهاري التقليديّ بالإضافة إلى قلّة الذوق، الصمت، والأوصاف البليغة مع سيطرة القرقعة والتلوث والطمع في الظهور.
يريدُ للأدب أن يوازنَ بين اللفظ والمعنى من جهة وبين الفكر والقلب من جهةٍ أُخرى؛ ليتحرر من القيود والتكلف أيّ أن يأخذ الأديب استعارته وبيانه بأكملهِ من الحياة عبر بصيرته وليسَ من كتب التراث، الّتي قلدها عددٌ كبير من قبله. إذن لا بُدَّ من الإيجاز، إصابة الكلام، التقليل من الشكوى والتشاؤم الناقم، فالطبيعة مع الكاتب وخاصّة الشاعر، لَمْ تخنه كما توقّعَ مُقدّمًا ولَمْ تسلبه الأمل والإيمان مثلما تصوّرَ بتذلل. أنا في خطّ الحداثة المُتوازنة والعارفة، القائمة على التفكير والتبحر والتبصر بعيدًا عن طرقات الظلام، الالتواءات والقضايا البالية الرتيبة أو عقدة اللُّغة والأدوات المُستعارة من شخصٍ عاشَ في الماضي.
يُشكك أمين في أشياء هذا الزمن ونظرًا لذلك يدعو إلى إخضاع شؤونه كافّة إلى محكمة النقد والارتياب الجليلة، بدءًا من الاجتماعيات والسياسات انتهاءً بالأدب بفرعيه – النثر والشِّعر – وحتّى مُمارسة نقد النقد إن اضطرَّ الفرد يومًا ما لتجنب التَقَهْقُهر والانحطاط شيئًا فشيئًا..
بينما كانَ يحث على الأخلاق السليمة الرفيعة، بوصفِها سياجًا للحقوق وركيزة مُهمّة لتقدم العمران والعلوم، قد فرق- طبعًا- بين الخُلق والطبع المزاجيّ ولَمْ يتصدَ إلى الطبع بقدر ما تعمق في الخُلق وحسبه صفة راسخة في كُلِّ امرئٍ فإن ذهب الخُلق تلاشت القيم واختفى الإصلاح. يتجلّى بينَ موضوعاته أيضًا الحق، إنه يعلو ولا يُعلى عليه وهو فوق كُلّ شيء على حدِّ تعبيره.

ظلّت الحُرية رفيقة الشاعر الّتي يستمد منها الحياة والنور، كتب فيها قصيدة بعنوان(رفيقتي)كذلك كتب قصيدة في بغداد ومصر، لا أدري إن كانَ القُرّاء سوف يحبّونها أم لا، فبعض ما كتبهُ لا أستطيع أن أطلق عليه لفظة(الجودة) أو مُفردة(البرّاق)؛ كوّنها كتابات عاديّة جافّة لا تتماهى مع روح القارئ المُعاصر ووجدانه، إنها تُسبب الضجر والاستياء على الرغم من تجرّدها من البؤس المُؤدي إلى وهن القوى والجسد.

قلّما نجد مَن كتب شِعرًا نثريًّا في عهد الريحاني أيّ أنه من أوائل الّذين كتبوا فيه بأسلوبٍ آسر واجتهدوا في تسميته، حيث استقرَّ على اسم(الشِّعر المنثور) ومن وجهة نظري هي التسمية الأصوب، الأمثل والأريح للسمع والبصر إذا قارناها بما انتشرَ لاحقًا. كأن شِعره شذرات مُتتالية على شكلِ شِعرٍ خالصٍ، تنبثقُ منه الحياة والحكمة، لا يُميز بينَ النثر والشِّعر ولا يقدم أحدهما على الآخر، إنّما يُعلي من شأن الكلمات عليهما وحسب، يكتب في هذا النوع ما يلي: «حقيقة صغيرة تكتشفها أنتَ/خيرٌ من فلسفاتٍ ثمينة يهديها/مَن قد يروم إلى استعباد أَعَزَ ما فيك/ إن لي عينين، عين السائح وعين الوطني» كأنّه يشرح يومه في بيروت، الّذي رواه باضطرابٍ وكرب وسرده بصدمةٍ وتسرع، في إشارة إلى عين الوطن المُعتادة وعين الاغتراب الباحثة في المقطع التالي من ريحانياته: «دخلتُ المدينة الّتي كنتُ أعرفها فرأيتني فيها غريبًا، سرتُ في المدينة الّتي أَحبَّها قلبي فهالني ما شاهدتُ، وقفتُ على مُنعطف جادة من جاداتها الكبرى، عَلَّني أرى أحدًا من أصحابي وإخواني، فمرَّ أمامي الناس بل أشباح من الناس لا أعرفهم ولا يعرفوني، لبثتُ حائرًا مُستغربًا لا أدري أبينَ قومي أنا أو بين قوم من الأغيار بل من غير ذا العالم.»
يعيدُ توظيف لفظة(الغربة) في أكثر من سياق شِعريّ، نافرًا من الحزن والاكتراب والجمود، يقول مازجًا بينَ المشاعر والأفكار كعادتهِ المُحبّبة: « يا أيَّتُها الساكنة قعر ذاك النهر القصي،/ يا أيَّتُها الراقدة تحتَ تلكَ الأمواج الغريبة لا تجزعِ ولا تخافِ/ يا أيَّتُها الزنبقة المدفونة في مياه الغربة/ ليست الغربة بعدكَ بعيدة/ وليسَ القعر دائمًا رمز السقوط والحزن والبلاء/ أنتِ في غرقكِ ترتفعين/ وفي هبوطكِ ترتقين.» يؤكد تنبيهه أو دعوته إليها من خلال أداة النداء(أيَّتُها) ثمَّ يستدعي التشبيهات والصفات على هيئة مُنادى(الزنبقة، الساكنة، الراقدة، المدفونة) لئلا تبهت الجمل ويضيع الغرض من البوح الاعترافيّ وسط الأمواج، الّتي توحي بأنها سمة الحياة الهائجة والمُتقلّبة واستعارتها الأبديّة؛ ممّا ينهي الضياع عن طريق حرف النهي(المنع) وفعله( لا تجزعِ ولا تخافِ) والنبرة المُطمئنة اللافتة للمخاطب في الخاتمة.
ليسَ غريبًا أن يستخدم الريحاني نبات(الزنبق) أكثر من مرَّة في أشطره ومقطوعاته؛ لأنّه دليل على روعة ميولاته الرُّومانتيكيّة ونقاء اختياراته الراقية، فإن هذا النبات الزهر غالبًا ما يثبت في أرض النهر برائحته الزكية وصلابته المُخيفة، لا أحد يقتلعه ويقتله مهما حاول مثل شخصية أمين تمامًا. يرثيه في إحدى قصائده كي يوصلَ رسالةً لمن لا يعلم أن الإغفال وعدم العناية يؤديان إلى موته إن كان حبيس منازلهم المُنغلقة، لاسيّما عندما لا يعتنون بأزهاره المُتفتحة أو سقيه من ماء الحُبّ والاحترام بما هو لازم ومُناسب: « نهضتُ باكرًا أتفقدُ زنبقةً في بيتي/ وجدتُها ورأسها على صدرِها ذابلة/ ماتت الزنبقة عطشًا/ لله من سرّ في ذا الماء!/ نقطة منهُ تُحيي ونهر يميت/ نظرتُ إلى الزنبقة المائتة فارتعشت نفسي/ ولطالما انتعشتُ من مرآها/ أين قلبها اليوم يخفقُ حُبًّا وأين شذاها؟» قالها أمين بتساؤلاته الذابلة غير المُجدية بعدَ فوات الآوان.
تُحيلني قصيدة الزنبقة للشاعر اللبنانيّ-بمُساعدة ذاكرتي الحادّة- إلى قصيدة(الزنبقة) للشاعرة الرقيقة الاعترافيّة ماري أوليفر، حين أدرجتها بمعانٍ تشبه معاني أمين الهامسة وخياله الجامح إلى حدٍّ بعيدٍ، بالإيقاع نفسه والعتمة القاتلة للنبات المُثمر ذاتها، قالتها بلُغةٍ رهيفة شفافة: «ليلةً بعدَ ليلةٍ تلفُّ العتمة وجه الزنبقة/الّتي تطبق أسوارها الخمسة/حول نفسها برفقٍ،/وعلى ثروتها من العسل وعطرها/راضيّةً بالوقوفِ هُناك./في الحديقةِ ليست نائمةً حقًّا/ورُبَّما تقول بلغةِ الزنابق/بعضَ كلماتٍ صغيرة لا يمكننا سماعه/حتّى وإن لَمْ تكن الريح تهبّ في أيّ مكانٍ!/شفاهها شديدة الكتمان، لسانها مخبأ جيدًّا أو رُبَّما لا تقول شيئًا على الإطلاق/لكن تقف هُناك فقط/بصبرِ النباتات والقديسين/إلى أن تكمل الأرضُ دورتها/ويصبح القمر الفضي، الشمس الذّهبية/كأنَّما الزنبقة كانت على يقينٍ بحدوث ذلكَ/لأنّها هي نفسها، أوليست صلاةً كاملةً؟» كما لو أن كليهما تجاهل الرياح وعناصر الأرض، ووقفا مقدسين رمز النبات مثل تقديس واحدهم لصلواته، تراتيله وترنيماته لا إردايًا، للقصيدتين دلائل غير محدودة قطعًا.
ظلّت الحُرية رفيقة الشاعر الّتي يستمد منها الحياة والنور، كتب فيها قصيدة بعنوان(رفيقتي)كذلك كتب قصيدة في بغداد ومصر، لا أدري إن كانَ القُرّاء سوف يحبّونها أم لا، فبعض ما كتبهُ لا أستطيع أن أطلق عليه لفظة(الجودة) أو مُفردة(البرّاق)؛ كوّنها كتابات عاديّة جافّة لا تتماهى مع روح القارئ المُعاصر ووجدانه، إنها تُسبب الضجر والاستياء على الرغم من تجرّدها من البؤس المُؤدي إلى وهن القوى والجسد. تحتاج مثل هذهِ الكتابات إلى التشذيب والصقل مُجدّدًا من أجل الارتقاء بها وتبلورها شكلًا ومضمونًا إلى جانب تطويرها عن طريق القراءة والتمعّن في الشِّعر المنثور الغربيّ والعربيّ، بشرط الرصين، والأول هو الأصل الّذي يكتنف المصادر والتجارب الغزيرة والثاني هو النادر بسبب اتباعه وتقليده للأوّل وشحة الشُّعراء الحاذقين فيه.
كثيرًا ما يستشهد بأبي العلاء المعري وابن الفارض في كتبه الموسوعيّة؛ لنزعته الفلسفيّة والصوفيّة، يجدر بي أن أضيف أنهما في الأساس مُتشابهان جوهريًا عندَ مَن دقق في شِعرهما الشامل واتساع نطاق تصوراتهما بالتأكيد، لم ينسَ أن يروي قصته مع الأديبة مي زيادة، وضعها في مقالات نُشرت مُتوالية، إنها مقالات مشحونة بالانفعال في أزمة (مي) وأيّامها الأخيرة، مُجتمعة في كتاب يدخل ضمن فنّ السيرة الذاتيّة، بعنوان(قصّتي مع مي) يكشف فيها عن نواحي إنسانيّة وعلاقات جيدة وسيئة في آنٍ واحد.
لاحقت مي حياته وترددت في قلبه مرارًا وتكرارًا، حركت عواطفه وعبقريته ليكتبَ أرق الأشعار وأروع المقالات عن جمالها، فصاحتها، ذكائها وطموحها العجيب. يلتقي معها في العمل الدائب المُقترن بالصبر والنفسيّة الفنية، كما لو أنهُ كتب لها أشطره الشِّعريّة التالية: « كُلّما رأيتُ لؤلؤةً أسألها عنكِ/ وكُلّما رأيتُ مرجانةً أرى فمكِ، وأسمع كلماتكِ الدُّرِّية.»

انتقدَ الشرق ونقل فضائله إلى الغرب بوَساطة الكتابة كما انتقد الغرب ونقل فضائله إلى الشرق، دعا إلى التقدّم الروحيّ أو ما يُعرف بالارتقاء الروحيّ والفكريّ؛ ما يقتضي منّا تذويب الفكر العسكريّ الحانق.

لم يكتب أمين الريحانيّ الشِّعر المنثور والرواية قط، بل راح يتعمق في الأسفار، المُجتمع، السياسة والدين ويخطّ رؤاه التنويريّة وفلسفته الريحانيّة المُتماسكة باللُّغة الإنكليزيّة أيضًا في أثناء إقامته مُغتربًا في أميركا، ليكون أوّل أديب عربيّ مهجريّ بهذهِ المنهجيّة الفلسفية والفكر التأملي في صراعات الواقع، تراجع الآداب وتشتت الشُّعراء، سبق ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران في التطوير والتجديد بأشواط عديدة، مُستفيدًا من أعماله الفخمة وغزارة إنتاجيته المُتقنة والواعية في الصحافة لنشر الثقافة المُضيئة.
انتقدَ الشرق ونقل فضائله إلى الغرب بوَساطة الكتابة كما انتقد الغرب ونقل فضائله إلى الشرق، دعا إلى التقدّم الروحيّ أو ما يُعرف بالارتقاء الروحيّ والفكريّ؛ ما يقتضي منّا تذويب الفكر العسكريّ الحانق.
أُنشِئَ متحفًا خاصًّا بتفاصيله لاستقبال طلبة المدارس والجامعات وتعريفهم بتاريخ الريحاني الأدبيّ المُدهش لا شكّ، ضم المتحف صورًا، رسومًا، أوراقًا ورسائلَ عتيقة إلى جوار مُؤلّفاته ولوحاته وتماثيله المنحوتة من قبل آخرين غيره. يُذكرنا بهاؤه الأنيق وعطاؤه الظاهر غير القليل بالكاتب الفرنسيّ مارسيل بروست، كأنّ الريحاني هو بروست الشرق وإن رفضت فرنسا ذلكَ مثلما نفت الريحاني واستبعدته كوّنها لا تحتمل عبقريته وذاكرته الشِّعريّة، فخانته ورمته في حضن الغياب الخانق، الخاطف للأنفاس حينذاك. لا يمكننا فصل باريس عن الشِّعر كما لا يمكننا فصل الشِّعر عن الريحاني الّذي يُحرك فينا مشاعر الأمل والإصرار؛ لما انطوت عليه نفسه من الهدوء النبيل والخُلق الفعليّ الجميل، ومن القوة والجرأة الجلية في اشتغاله المعرفيّ والثقافيّ، المُتمرّد منذُ صغره جراء تركيبته المجازفة وشاعريته، الّتي شيّدت بناءه النفسيّ وتسرّبت بعدئذٍ إلى أعماله، إذ غدت بمثابة لمسات مُنقذة من ذلك المشي على مسار الحياة المُتعرج غير الآمن.
تنبأ بمجيء أجيال تخلد ذكراه، تلتهم عباراته وتشتاق إلى رؤيته فتنكب على قراءةِ كتبه الثريّة وترتاح في حقول شِعره المُزهرة المُتناغمة: « إن لي في تلكَ البلاد مَن أحبّوني، مَن تعشَّقُوني في الماضي، وأبناؤهم اليوم يعيدون ذكراي، ويتشوقون إلى مرآي.»
ثمّة نزعة دينيّة مسيحيّة ذات طقوسٍ حزينة وصارخة في وجه الاستغلال والظلم، تُحيط بدواخل الريحانيّ إذا ما كانت صلواتٍ ملائكيّة تحرس روح الشّاعر المُنزهة الإلهيّة، تخرجُ في بعض أشعاره علنًا وبلا قصدٍ خبيث ظاهر أو مُضمر، من أهمّ تجلّياتها ما قاله باعثًا على الانطفاء الدامع: « ها قد دفنوا الصليب تحتَ الزهور، وانجلت غيوم البخور/ وطفئت الشموع وكفكف المدمدمون الدموع/ خرجنا من الكنيسة أنا والغريب/ ونفسي تُناجي ذلكَ الحبيب..»
عبثًا بقيت نفسه اللمّاحة الفَطِنة تُناجي الربّ بسبب ما آل إليه الشرق والشِّعر من مساوئ وأمراض معًا، لم يكن من المُمكن علاجها وتنقيتها بسرعة على مستوى عالٍ أكثر رسوخًا في الذاكرة؛ للافتقار إلى الدراسات المُفكّرة النقديّة والطرائق الإنسانيّة اللاذاتيّة، المُتخلصة من سموم التمييعية، ما إن تطول العلة حتّى يصبح زوالها أقرب إلى الحلم المُلغز منه إلى الواقع المكشوف.
قالَ في حقّه ميخائيل نعيمة نفحة إبداعيّة تُذكر بفضله كمجدّد صلب العقيدة في طليعة المُجدّدين في بداية القرن العشرين: «إنه يستعين في جلّ كتاباته بما أُوتيه من شعور الشاعر، وذوق الفنّان، واتّزان الناقد وسخرية الساخر، فلا يهزل في مكان الجدّ ولا يجدّ حيث لا ينفع إلا الهزل.» في الأخير قضى عليه شعور الشاعر قبلَ كُلّ شيء وبدأت تتحقق أقسى مقولاته الشِّعريّة عن أعدائه المراوغين: « وغدًا تصير أبراجك في أنفاقك ويدفن مجدك الكاذب تحت أنهارك..» أتخيل أن أمين الريحاني لا يزال يكتب بيننا إلى اليوم، يا له من كاتب رهيب وفظيع، سيكون مُتحمسًا ومواظبًا في بث العزيمة والأمل للبشريّة الّتي هي بلا ريب عرجاء في هذهِ اللحظة.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية