7 أكتوبر: تحالف غربي وتفاقم الشرخ مع القطب الروسي-الصيني

حسين مجدوبي
حجم الخط
3

 مدريد ـ «القدس العربي»: في لحظة معينة، يبدو أن الحرب الدائرة بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة قد أخذت طابع التحالف الديني، بسبب انخراط الغرب اللامشروط في دعم حكومة بنيامين نتنياهو التي تعلن هويتها اليهودية المطلقة. لكنه وقع تراجع نسبي خوفا من انعكاسات خطيرة لاسيما وأن هذا الملف يأتي لينضاف إلى أوكرانيا ويفاقم الشرخ القائم بين الغرب والقطب الصيني-الروسي.

وخلال السبت من الأسبوع الماضي، وأمام هول المفاجأة العسكرية التي تعرضت لها إسرائيل من المقاتلين الفلسطينيين الذين نجحوا في توجيه ضربة قاسية لجيش الكيان، وأنهوا أسطورة «الجيش الذي لا يقهر» بما أصبح يعرف في الأدبيات العسكرية بـ «7 أكتوبر» بدأت آلة البروباغاندا الإسرائيلية في العمل بسرعة. في هذا الصدد، هرعت إلى توظيف الرواية غير الصحيحة بقتل مقاتلي حماس للأطفال والتمثيل بجثثهم، ثم عزم الفلسطينيين القضاء على «الدولة اليهودية».
كان هذا الخبر وهذه الأطروحة التي روجت لها إسرائيل كافية لجعل الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض كافيا لدفع الغرب إلى اتخاذ قرارات خطيرة وتتجلى في: أولا، قطع المساعدات عن الفلسطينيين خاصة من طرف الاتحاد الأوروبي، ثانيا، تزويد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة والذخيرة الحربية، بل وقامت الولايات المتحدة بتوجيه حاملتي طائرات فورد وإيزنهاور إلى شرق المتوسط قبالة الشواطئ اللبنانية والفلسطينية للمساهمة في حماية إسرائيل في حالة دخول حزب الله الحرب.
لا يبدو القرار الأول خطيرا لأن بعض الدول العربية والإسلامية قد تعوض المساعدات الأوروبية والتي تقلصت كثيرا خلال السنوات الأخيرة لقطاع غزة، لكن القرار الغربي بدا متسرعا وأنه ناتج عن أحكام مسبقة وجاهزة، وكأن الدول الغربية تنتظر فقط المناسبة للتعبير عنها. ولم تتحر الحقائق وتستمع لروايات الجميع. وكان هذا القرار، أي العقوبة الجماعية، بمثابة تشجيع للجيش الإسرائيلي في تبرير تنفيذ عمليات وحشية أكثر ركزت على قصف المدنيين لتحقيق أعلى معدل من القتلى والتهجير.
غير أن القرار الثاني يعتبر خطيرا للغاية. إذ يفترض أن الجيش الإسرائيلي قوي، وهو يواجه حركة مسلحة وليس جيشا نظاميا، ويفترض أنه جيش لا يقهر وهو ضمن 20 الجيوش الأولى عالميا. ورغم كل هذا، سارعت معظم الدول الغربية إلى إرسال معدات عسكرية وخاصة الذخيرة الحربية إلى إسرائيل. في الوقت ذاته، سمحت لآلاف الغربيين من أصول يهودية بالتوجه إلى إسرائيل لمحاربة الفلسطينيين في قطاع غزة.
تعاظم الإحساس خاصة بعدما قررت دول غربية مثل حالة فرنسا منع التظاهر لدعم الفلسطينيين. وأدرك الغرب خطورة الوضع والقرارات التي اتخذها، وبدأ في التراجع المحتشم عن بعض هذه القرارات وبالخصوص قرارين وهما: التراجع عن وقف المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، ثم الاعتراف المحدود بالترويج للرواية الخاطئة عمدا المتعلقة بقتل المسلحين الفلسطينيين للأطفال اليهود، بل تبين العكس، فقد اتضح مقتل أطفال فلسطينيين في القصف الإسرائيلي.
لكن الغرب لم يتراجع عن الدعم العسكري لإسرائيل، لم تتراجع الولايات المتحدة عن إرسال حاملتي طائرات إلى شرق المتوسط وكذلك إرسال دول أوروبية سفنا حربية، علاوة على الرفع من إرسال الذخيرة الحربية خاصة المضادات للصواريخ. وهذا ملفت للنظر لأن الغرب يرفع من تواجده العسكري في شواطئ فلسطين ولبنان خوفا من انهيار الجيش الإسرائيلي إذا دخل حزب الله الحرب.
نعم يوجد تخوف حقيقي لدى البنتاغون من انهيار الجيش الإسرائيلي إذا استمرت الحرب طويلا، وإذا دخلت أطراف الصراع. في هذا الصدد، ما يقلق البنتاغون هو دخول حزب الله، لهذا وجه له خطابا مباشرا يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري يحذره من مغبة التدخل. ويمتلك حزب الله قوة عسكرية نارية تفوق بعشرات المرات قوة حماس، وتعد قوة نوعية تتجلى في قوة الصواريخ القادرة على ضرب كل أراضي الكيان والدفع بالإسرائيليين للملاجئ، ثم أنظمة مضادات للطيران ستقلل من قدرة الطيران الإسرائيلي وتجعله غير قادر على الحسم. وعليه، دخوله الحرب، سيجعل الجيش الإسرائيلي يوجه نسبة هامة من قواته إلى الشمال بدل قطاع غزة وحدها.
لقد تفاجأ البنتاغون من انهيار أنظمة التجسس الإلكتروني-الرقمي الإسرائيلية، وكيف نجحت حماس في ضرب هذه الأنظمة، ما ساعدها في تنفيذ الهجوم بدقة وسهولة. وستكون أنظمة الاتصالات حاملة الطائرات جيرالد فورد مساعدة للإسرائيليين وكذلك بديلة إذا تعرضت للتدمير لأن ضرب الاتصالات يعني التمهيد لخسارة الحرب بالنسبة لطرف والانتصار لطرف آخر. ونشرت جريدة «نيويورك تايمز» يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري كيف نجح الفلسطينيون في ضرب الاتصالات بشكل دقيق في الدقائق الأولى للهجوم يوم 7 أكتوبر، ما جعل القوات الإسرائيلية تفقد مبادرة الرد السريع.

 شرخ العلاقات الدولية

شكلت الحرب الأوكرانية-الروسية شرخا عميقا في العلاقات الدولية بين الغرب في مواجهة القطب الروسي-الصيني المدعوم من طرف عدد من الدول ذات التأثير الإقليمي. وينضاف هذا النزاع إلى تعميق هذا الشرخ بشكل كبير سيحمل تبعات كبيرة على مستقبل العلاقات الدولية. في هذا الصدد، لم يتوصل مجلس الأمن إلى اتفاق حول إدانة حركة حماس، رغم أن الغرب بزعامة الولايات المتحدة تقدم بطلب إدانتها بسبب الإرهاب.
مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا قال «من المهم وقف الاشتباكات على الفور وضمان وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات هادفة». ومن جهته، مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة تشانغ جونغ، لم يدن حماس بشكل مباشر، إلا أنه ذكر أن بكين تدين جميع الهجمات ضد المدنيين، وهو بهذا يشير إلى إسرائيل كذلك.
وكانت المفاجأة تقديم كل من روسيا والبرازيل قرارين منفصلين يوم الجمعة من الأسبوع الجاري بديلا لقرار واشنطن. يدعو مشروع القرار الروسي من بين أمور أخرى، إلى «وقف إطلاق نار إنساني» وإطلاق سراح الرهائن الذي اختطفتهم حركة حماس، مندداً بشدة «بجميع أعمال العنف والأعمال العدائية الموجهة ضد المدنيين وجميع أعمال الإرهاب». ولم يتم ذكر حماس بشكل مباشر. ومن جهتها، طالبت البرازيل، التي تترأس مجلس الأمن الدولي حالياً، في مشروع القرار الذي قدمته إلى إلغاء دعوة إسرائيل لإخلاء المدنيين من شمال قطاع غزة وبالسماح بإيصال المساعدات الإنسانية.
غير أن التصريح الذي لفت انتباه العالم هو ما صدر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوله يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري «المشكلة الفلسطينية في قلب كل مسلم ويعتبرونها مظهراً من مظاهر الظلم إلى درجة عالية، لماذا؟ لأنه عندما تم إنشاء إسرائيل، كان هناك حديث عن إنشاء فلسطين ذات سيادة على الفور، لكن هذا لم يحدث أبدًا». تدرك إدارة الكرملين الطابع الديني للتحالف المسيحي-اليهودي ضد الفلسطينيين، لهذا ركز ممثلها السياسي العسكري بوتين على هذا الجانب في خطابه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية