مشهد غزة يحيل الذاكرة إلى وقائع نكبة عام 1948: الفلسطينيون ودونهم العالم

هشام عبد الله
حجم الخط
0

في غزة تساوى الموت والحياة، والذين استجابوا لإنذار جيش إسرائيل بإخلاء شمالها إلى جنوبها وجدوا قذائف مقاتلاته، ومدافعه ورصاص جنوده بانتظارهم. عاد من نجا إلى ما بقي من منازلهم، أو مراكز الإيواء الهشة إلى حيث لا ماء ولا كهرباء وغذاء، بل إلى لهيب قصف من السماء ودك من البر والبحر.
قال لي أحد الزملاء الصحافيين الذين أتواصل معهم «لا حياة ولا موت هنا، كلاهما سواء». وهذا ليس سوى اختزال لحال قطاع غزة بعد أسبوع من إعلان إسرائيل الحرب عليه غداة الهجمات التي نفذها مقاتلو المقاومة يوم السابع من اكتوبر.
ثمة أكثر من صورة في مشهد غزة اليوم تحيل الذاكرة إلى وقائع نكبة عام 1948 عندما قامت إسرائيل بطرد نحو مليون فلسطيني بعد ان دمرت أكثر من 400 بلدة وقرية لتعلن إقامة دولتها في المكان، وكذلك فعلت في حرب عام 1967 عندما أكملت احتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وذهب الفلسطينيون في رحلة نزوح وهجرة أخرى.
واليوم، وعلى مرآى من العالم أجمع، يجد أبناء وأحفاد من هجروا وأخرجوا من ديارهم في 48 و67 يعيشون ذات التجربة المروعة من جديد، لكن بقارق جديد مفاده: أنهم لا يفرون ولا يهاجرون ولا يهربون، بل يهوون إلى الموت مع منازلهم، أو في العراء ومراكز الإيواء لاولئك الذين نجوا من قصف للتو.
معظمهم يفضل البقاء، إما مكرها حيث لا منجى ولا ملجأ، إذ أوصد جيش إسرائيل المنافذ والبوابات المغلقة أصلا، أو بفعل ما تحركه جينات عدم الأمان المعشش في الصدور التي تمر عبر الجينات جيلا بعد جيل محتفظة معها بالندوب التي تركتها تجربة الهجرة والنزوح.

المعركة مع إسرائيل هي على الوجود

المفارقة، أن رد فعل إسرائيل ومعه الموقف الأمريكي والغربي، يليهما متأثرا الموقف العالمي، جاء أيضا على وقع أصل هذا الصراع الممتد على عقود من الزمان تعود إلى قيام إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية.
المسألة بلا شك، تتمحور حول عودة هذا الصراع إلى أصله، حيث أعادت عملية المقاومة يوم السابع من أكتوبر، الحياة والنبض إلى قلب القضية التي حاول العالم حشرها بعيدا في موت سريري طوال هذه العقود من الزمن.
والقضية هي ان إسرائيل، ومعها العالم بقيادة الولايات المتحدة، ومع عملية المقاومة الأخيرة واجهت مجددا أسوأ كوابيهسا التي تترجم ان الفلسطينيين ما زالوا قادرين على إعادة الأمور إلى أصلها، وإلى حقيقتها القائلة إن المعركة مع إسرائيل هي على الوجود، وليست على تحسين ظروف الشعب المحتل.
الوضع القائم على الأرض في غزة وإسرائيل وفي العالم عشية السابع من أكتوبر عندما ضخت رصاصات المقاومين الفلسطينيين في مستوطنات غلاف غزة الحياة في قلب القضية، يقول بكل وضوح ان لا شيء سيبقى على ما كان عليه قبل تلك الساعة.
إسرائيل ذاتها قالت ذلك، لسان ذلك رئيس وزرائها ووزير جيشها وقادتها المختلفين على كل شيء سوى ما يتوجب فعله بالفلسطينيين. جميعهم التقوا في «مجلس حرب وطني» من معارضين ومتطرفين ومتدينين وعلمانيين، واتفقوا أن «يغيروا وجه غزة».
ومثلهم، إن لم يكن بشكل أكبر: كانت الولايات المتحدة على لسان رئيسها جو بايدن الذي أعطى أوامره بنقل أكبر وأفضل مدمرة وحاملة طائرات على وجه الأرض لتكون على مقربة من إسرائيل. وهو بعد ذلك ألقى كلمته التي «شيطن فيها الفلسطينيين وأيد ما تفعله وستفعله إسرائيل».
ولم يتأخر وزير خارجيته الذي زار إسرائيل سريعا، ليس كوزير خارجية أمريكا فحسب، بل «كيهودي من سلالة ضحايا المحرقة» وفق ما أعلن في مؤتمر صحافي وعلى مرأى من العالم أجمع. وكذلك تبعه بعد ساعات قليلة وزير الدفاع الأمريكي ليتأكد بنفسه وعن كثب كيف تقوم إسرائيل «بتغيير وجه وشكل غزة».
بريطانيا سارعت أيضا إلى إرسال مدمرات بحرية إلى البحر المتوسط لتقف إلى جانب جيش إسرائيل الذي يدمر دون انقطاع غزة ليلا ونهارا.

متلازمة إدانة العنف

وبينما كان الإعلام الغربي ومعه جيش من السياسيين والبرلمانيين ينفذون على مدار الساعة حملة تحريض كبيرة تصور الفلسطينيين على انهم «قتلة أطفال رضع» يسعون إلى الأنقاض على إسرائيل ومحوها من الوجود.
كل ذلك جرى بموازاة عقد اجتماع سريع على خجل لوزراء خارجية الجامعة العربية التي لم تخرج عن متلازمة إدانة العنف والدعوة إلى تجنيب المدنيين الخطر. وبخلاف التظاهرات الشعبية المؤيدة لفلسطين التي شهدتها عدد من الدول العربية والإسلامية وبضد الدول الأجنبية، إضافة إلى بيانات رسمية منددة، لم يتجاوز صداها دوي رصاص المستوطنين والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية الخاضعة لحصار مشدد.
كل ذلك ناهيك ان استطاع تأثير هذه التظاهرات والتنديدات المتكلفة الوصول حتى إلى حدود غزة الذي يعيش وقائع إبادة جماعية.
لم يتورع العالم هذه المرة عن إطلاق يد إسرائيل الطولى لتفعل ما تشاء «انتقاما» في القطاع المنطقة الأكثر كثافة سكانية في العالم حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان على أقل من 400 كيلو متر مربع، في ظل حصار تفرضه إسرائيل منذ نحو 18 عاما.
وبينما ترتفع أعداد الضحايا (نحو 2000 قتيل حتى كتابة هذا المقال) تفيد أرقام الأمم المتحدة ان أكثر من 400 ألف شخص اجبروا على ترك منازلهم بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل، حيث لجأ ثلثاهم إلى مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
ووسط هذا العجز الذي يعلوه تأييد عالمي، عن فعل شيء لردع إسرائيل عن مواصلة عمليات الإبادة التي تمارسها بأعلى مستوياتها في قطاع غزة، وعلى نحو أقل شدة في الضفة الغربية، فإنه لا يبدو انه سينحصر في غزة وحدها، بل إلى كل مكان تعتقد إسرائيل انه يمكن ان تتلقى منه ضربات كتلك، أو حتى أقل درجة، من تلك التي أصابتها يوم السابع من أكتوبر.
في الضفة الغربية التي قطعتها حواجز وبوابات إسرئيل إلى كانتونات متناثرة متقطعة الأوصال، سقط نحو 50 شهيدا برصاص الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الأسبوع الأول من معركة غزة الحالية.
ويقوم ما يسمى وزير الأمن الإسرائيلي ايتمار بن غفير، بعملية تسليح واسعة للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
هي أخبار لا يبدو أنها قادرة على مزاحمة تفاصيل وقائع حرب الإبادة في غزة التي تحتل عناوين الأخبار على مدار الساعة. دون ان ننسى ان عدد المستوطنين وصل إلى نحو مليون مستوطن، وأصبحوا يسيطرون على كامل المنطقة المصنفة «ج» التي تشكل ثلثي مساحة الضفة، وهي مساحة لا تتعدى 5 آلاف كيلومتر مربع.
الصراع يعود إلى أصله،. صوت الرصاص هو الأعلى، وإسرائيل تواصل معركة إبادة وتغيير وجه قطاع غزة، بينما يهيمن المؤيدون لإسرائيل بقيادة أمريكا وبريطانيا على وقع الموقف العالمي والفلسطينيون يصرخون: يا وحدنا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية