فيضٌ من ذكريات يجتاح النحات السوري معروف شقير الذي طوى من عمره 66 ربيعا، يتذكَر، فَيَذكُر تلك الأيام حين كان يداعب بأنامله العارية وبمطرقته وإزميله حجر البازلت كما تهدهد أمٌ صغيرها. شيءٌ ما أعاده إلى تلك الساعات التي أمضاها وحيدا في غرفته يصقل قطعة من حجر بالمبرد حتى أينعت تلك الكتلة الصماء وأورقت خاتما من بازلت، أهداه لمن حملها في قلبه، يوم أن تقدم لخطبتها، مُوقعاً بهذا الخاتم البازلتي الأمر الرسمي بانتساب اسمها إلى اسمه.
يُحدثنا الرجل فيقول: «حين أقدمت على الزواج لم يكن بمقدوري شراء الذهب لمخطوبتي، كل ما كنت أملكه في تلك الأيام هو كثيرٌ من حب وقليلٌ من حجر، نحتُهُ على شكل خاتم.. خاتم من بازلت». ويردف: «حين جثوت على رُكبتي وقدمته لها، كفكفَت دمعةً تسربت عبر نافذة عينيها قبل أن تقول: هذي الهدية الأغلى التي حصلت عليها». كانت تلك اللحظة فاصلة في علاقة الفنان شقير مع حجر البازلت فاختاره مادةً لفنه، مُحلقاً معه في دروب النحت التي ربطت روح شقير إلى روح البازلت لمدة طويلة.
لم يولد معروف شقير ليعيش بهدوء، أراد أن يشارك في ضجيج الحياة وإن كان ذلك يعني معركة مع صمت الحجر الذي ما خذله يوماً حتى في أصعب لحظات حياته. كان ذلك حين أصاب ملاك الحب قلبه ووقف شيطان الفن على أنامله. بدأ شقير مسيرته مبكرا، طفلا يتقافز على بحر من البازلت الذي تطفو عليه لا بلدته القريا الناعسة على كتف جبل العرب جنوبي سوريا، بل مدينته السويداء، كل السويداء.
البازلت صخر بركاني لا شيء يشبهه في جماله وسحر ألوانه المنعكسة وجبروته الذي يمثل العنفوان والصلابة، إلى جانب رقته بين أيدي النحاتين الذين لطالما سحرهم هذا الحجر وألهمهم. لم تكن حرفة النحت على البازلت نبتاً بلا جذور في الأرض التي كانت تسمى «أرض الشرف والمجد» فقد وَجَدَ هذا الفن المواد الخام والمناخ الملائم لنموه في السويداء، المحافظة السورية التي تشتهر بجغرافيتها الصخرية، ما جعل قاطني تلك المناطق منذ الخلق الأول يشكلونه لَبِّناتِ بناءٍ يَعّمُرونَ بها منازلهم التي لا يزال بعضها واقفا على قدميه حتى اللحظة.
ولان تاريخ الأرض منذ فجرها الأول وحتى هذه الأيام، مليءٌ بشغف الإنسان المتأصِّل للتغلغل في رحاب الفن التي لا حدود لها، طوع أبناء تلك الأرض البازلت للفن، فالمنحوتات التي تعود لآلاف السنين والآثار التي تمتد على خط يربط شمال السويداء بجنوبها وشرقها بغربها شاهدةٌ شهيدة على قدم الحجر البازلتي الذي ارتبط اسمه بالأصاله والقدرة على مقاومة الطبيعة وفعلها في الأشياء، ليصبح البازلت الهوية الخاصة بابنة جبل العرب، مدينة السويداء.
يقول النحات وائل هلال المتحدر من المدينة القابعة في كنف الجبل: «إن الفنان ابن بيئته يؤثر بها كما تؤثر به بأيقوناتها وأحجارها وطبيعتها وأثارها». ويتابع: «انا ابن المدينة الممتلئة هدوءاً وحباً، وآثارا رومانية تحمل طابعا كلاسيكيا وعناصر زخرفية ونحتية تأخذ لب الناظر وناظريه».
الفنان حسام نصره
يتماهى النحات حسام نصره مع ما يقوله هلال ويذهب إلى أن الإنسان ابن بيئته التي تحدد مساراته وتوجهاته. لكنه يرى ان ما هو سابق للبيئة، والخطوة الأولى في طريق الفن هي الجينات، المَلَكَة السحرية وماء الحياة الذي يجري في عروق الفنان، ومن ثم يأتي دور البيئة التي تعطيه الفرصة للتجريب والاكتشاف وصقل موهبته وبلورتها أكثر.
في بستان جده في سَلَمية الماغوط بوابة البادية السورية كان للفنان نصره فرصة ممارسة متعة تلويث نفسه بالطين، فقد كانت جدته تتركه وأترابه من صغار البلدة يلهون ويبنون ساعات وساعات، يقول الفنان السوري: «هذه الفترة هي التي أطلقت موهبتي كنحات للصلصال، ومنحتني الفرصة لاكتشاف ذاتي، فالشكر كل الشكر لجدتي وجدي».
أعبر الحدود، حدود سوريا، مسافرا بالخيال إلى القارة العجوز أوروبا، إلى ألمانيا تحديدا هناك تجمعني دروب الفن بالنحات عبد الرزاق عبود الذي نشأ في وطنه الام سوريا بين الصخور الكلسية ومعها، في مدينته مصياف، ويقول:
«إن البيئة هي من يصنع الفنان. فالبيئة التي تمتاز بهامش واسع من الحرية واحترام الفن هي من تصنع فنانا، هي من تصنع نحاتا حقيقيا» قبل أن يعود ليستدرك حديثه بالقول: «اما البيئة التي لا تحترم الفن ففيها يتحول النحات إلى (معمرجي)». ويضرب مثلا لتأكيد ما ذهب إليه فيقول: «إن ما أنجزته خلال خمس سنوات في ألمانيا يفوق ما أنجزته طوال مسيرتي في سوريا».
لم يشذ بطل قصتنا الفنان معروف شقير عن قاعدة، أن الفنان ابن بيئته، لذلك بقي مخلصا لذاكرته البعيدة تاركا بصمة أجداده على أعماله الفنية التي اقتبسها من الآثار الرومانية والنبطية المنتشرة في السويداء، عاصمة الجنوب السوري. اقترن النحت عند شقير لأول مرة بأحلام الطفولة، فربيع عمره السادس عشر شهد ولادة أولى منحوتاته على حجر البازلت، والتي حاكت بيئته المحيطة ومجتمعه الذي يعيش فيه «إيد الهاون وجرن الكبة «.
وعن هذا يقول الفنان السوري: «بصبرٍ وأناة، اندرَسَتْ خُطاي في صخور البازلة الطافحة بالعذوبة والرِّقَّة، أطعمها من روحي، فتعطيني ما اشتهي من منحوتات. رافقني البازلت مذ كنت صغيرا، فقد شاركت أعمامي مهنتهم في قطع الصخور البازلتية المعدة لبناء المنازل، وما كان أشد فرحي عند سماعي للحن الأجمل على هذه الأرض، صوت شق الصخر، الذي ترك أكبر الأثر في نفسي ودفعني لامتهان فن النحت».
نعم إن الكثير قد أصبح في طيات الماضي مذ احترف معروف شقير نحت البازلت إلا أن هذا الكثير ليس إلا نقطة فقط، ذرة ضئيلة، بالمقارنة مع ما منحته التجربة لابن السويداء، فمع تقدمه بالعمر واختمار تجربته النحتية، زادته المواقع الأثرية المنتشرة في المحافظة التي يشبهها اصرار وعنادا، زادته شغفا على الاستمرار بنحت الصخر، فوجوده بين تلك الأوابد ولد في نفسه رغبة جامحة في محاكاة قدرة الأجداد على التعامل مع البازلت بدقة لا متناهية، لاسيما في الهندسة المعمارية للقلاع والمسارح والأعمدة الكورنثية.
لم يعتد معروف شقير منذ الصغر أن تُلبى رغباته أو نزواته، كان عليه خوض نضال مرير ضد كل تلك الصعوبات، لكنه لم يفقد شعوره بالواقع، ولم يقايض الحياة بالهدوء والتوافه. ولأنه عنيد بطبعه كما صخر البازلت، تدفَّقت ضربات مطرقته وإزميله ولمسات مبرده، كجيش من العسكر بسيوفه وخناجره وسلاحه الكامل غازيةً عالم البازلت سعيا لإعادة تشكيل روح الحجر الذي كان كثيرا ما يجلس أمام كُتَلِه العملاقة لأيام بل لأسابيع متأملا فكرة داعبت مخيلته حتى يصل إلى أن يستخرج منها المنحوتة المُشتهاة، بعد لقاء تمط أيامه أرجلها لتمتد ربما لأشهر مع الإزميل والمطرقة والحجر. كان دافعه الرغبة في تحدي الزمن، فالبازلت كما يقول الفنان: «يحقق خلود العمل».
يعتبر شقير: أن «النحت معركة، ليس فيها قصف ونيران معارك بل هدوء وألفة وبساطة. إزميل ومطرقة ومبرد وكتل من حجر وفنان تربطه علاقة عشقية لا تحتمل الخطأ، فالإثارة والحماس اللذان يأخذان بتلابيب روح الفنان ويحركان أنامله لغزو قلب الحجر وقهره وترويضه يقابلهما الحجر بأن يستولي عليه الشيطان وشياطينه فيتفتت حيناً ويتكسر أحيانا مُحطما الفكرة والزمن الذي استغرقه الفنان في تشكيل خطوطه».
يؤكد النحات وائل هلال كلمات شقير، يقول: «اي خطأ يحدث خلال عملية النحت قد يكلف الفنان الكثير من الخسران، خسران منحوتته الحجرية، فالنحت على الحجر لا يقبل الزيادة، فالنحات يسرق من الحجر حجارته ولا يزيد عليه وبالتالي فعملية الإصلاح لما انكسر تشبه ترميم قاروة مكسورة من زجاج لا يمكنك أن تعيدها لماضيها أبدا مهما حاولت جبر كسهرها». وعليه ووفقا لهلال: «فالفنان خلال مراحل النحت يجب أن يكون هادئا، صبوراً، ومتمكنا من أدواته».
يتثاقل النحات معروف شقير على ذراع مطرقته برفق ونعومة، يتأبط إزميله بخفة وقوة ثم ينقض على الحجر وكأن عُقاباً قد انقض بغتةً على نحر فريسته، تأخذ الحجر بين يديه لذعة كاوية من الغبطة. ينصت كل من شقير والحجر خلال عملية النحت لقلب الآخر، فكلاهما مجبولان على الفطرة، فالبازلت ابن الطبيعة وشقير ابن الفطرية، لم يلتحق يوما بأكاديمية أو كلية للفنون، ففنه نابع من روحه وموهبته وبيئته ليس إلا.
يقول الفنان: «يوماً زارني الفنان التشكيلي غازي الخالدي، فطلب منه أحد الحضور أن يدخلني كلية الفنون الجميلة، فما كان منه إلا أن أجاب: (الكلية ستخربه، الأفضل أن يبقى على فطريته) ومع مرور الوقت أدركت صحة قوله، فالكلية تقولب الفنان ضمن مدرسة تشكيلية معينة، وبما أنني نحات فطري فلدي مساحة واسعة للتعبير، غير أنني اكتشفت لاحقا ان بعض منحوتاتي تتبع للمدرستين التعبيرية والتجريدية وتتبع خطوطهما وخطواتهما دون أن أدري».
يُعارض النحات عبد الرزاق عبود ما طرحه شقير، ويرفض ما يُسمى الفطرية في الفن، فالفن عنده موهبة وهذي لا تصنعها الأكاديميات ولا المدارس الفنية، ويضيف إلى الموهبة التعلم والثقافة، وهذان الشيئان يكتسبهما الفنان دون دخول الأكاديميات أو الكليات الفنية. ويضيف: «أن ثورة المعلومات والاتصالات أحدثت قفزة في عالم الفن، فقد أتاحت للفنان الاطلاع على التجارب العالمية».
النحات عبد الرزاق عبود
يمزج النحات حسام نصره ما بين الرأيين، رأي شقير ورأي مُخالِفه عبود، يقول: إن «الفن ومنه النحت عبارة عن موقف وبصمة خاصة للفنان فالموهبة تولد مع الإنسان ليعمل بعد ذلك على توجيهها، وبما أن الفن بحث وتجريب فللفنان الخيار في كيفية الوصول إلى صقل موهبته وتوجيهها التوجيه الصحيح، إن بطريق الأكاديميات والمراكز التعليمية التي يطلع فيها الفنان على المدارس الفنية وتجارب الفنانين الذين سبقوه أو بطريق الثقافة والتعلم من المصادر المفتوحة».
لكنه يعود ليؤكد بأن «الفنان إن لم تكن لديه القدرة على كسر القواعد والإضافة والتغيير، تصبح تجربته عبارة عن تكرار ونسخة كربونية عن فن من سبقوه» ويردف: «يمكن للفنان الاكاديمي أن يُسخِر المدارس والتجارب لتغذية بصره وبصيرته اللتان تشكلان مربط فرس حالة التفرد والخصوصية لدى الفنان، علما أن الفطرة مقدسة وهي المرتكز الأساس فمن دونها لا فنان ومعها يكون كل ما بعدها فقط لتطوير الموهبة وبلورتها».
يوم يتحد الإنسان والفن تنطلق الأرواح في فضاء طليق، حُر، ويعيدان ولادة العالم. لقد عاش الإنسان ماضٍ سحيق سبق اتصال الله بالإنسان ابتدع فيه اللغة والموسيقى والرقص والغناء والنحت، لكن كل ذلك ما كان لمجرد الفن. فلا فن للفن، فالفن أداة اتصال موجه تستهدف كافة شرائح المجتمع، لكن الفن في زمن انحطاط المجتمعات يصبح طائرا يغرد خارج السرب. فالفنان لا ينحدر بفنه مع انحدار المجتمعات من مجرى التاريخ إلى مجاريه، فيدخل قوقعته ويمتطي برجه العاجي منفصلا عن الواقع السيء متخليا عن الشعب متوجها للنخبة فيفقد سمته التغييرية.
النحات عيسى قزح
يرى النحات عيسى قزح أن الفنان لا يجب أن ينحدر بعمله مع انحدار المجتمع، ويرفض إيكال مهمة التغيير المجتمعي للفنان، ملقيا الكرة في ملعب القيمين على حقول الفن والثقافة من مسؤولين حكوميين، فهؤلاء من يتوجب عليهم الارتقاء بالمجتمع وذائقته الفنية والثقافية، عندها حسب قزح: «لن يكون هناك لا فن شعبوي ولا فن نخبوي ولا من يحزنون بل فن للجميع، لأن المجتمع كله ارتقى» ويردف: «أن مخاطبة الفنان بفنه للعوام ونزوله بأعماله إلى مستوى الشارع الذي لم يدرس الفن سوف يحدث أثرا عكسيا وصدمة غير محمودة العواقب تماما كما حدث يوم احتج كثير من الناس في سوريا على نحت شجرة في منطقة البرامكة بالعاصمة السورية دمشق على شكل الربة عشتار مكشوفة الصدر».
لا يخالف النحات حسام نصره نظيره قزح، ويرى كما الأخير، أن الفن ليس أداة للتغيير، بل أداة تخلق حالة حضارية وثقافية تنبع أهميتها ومدى تأثيرها من أهمية إنتاج الفنان وملامسته لمشاعر الناس وعواطفهم، لأن «الفن ما هو إلا أداة تعبيرية تؤثر في أحاسيس المتلقي فتخلق حالا من الفرح أو الحزن وتعكس أحوال المجتمع الحضارية والثقافية بمدى فرديتها وكم الإبداع الذي تحمله، وتقول إن هذا المجتمع حيّ وقادر على التجديد والخلق دوما».
أما النحات عبد الرزاق عبود فقد اختلف مع سابقيه بقوله: «إن الفنان ينجز عمله وكفى، فهو لا يتوجه لا للعامة ولا للخاصة؛ فالفنان في عمله يرسم ذاته فقط، ويرى في عمله ذاته بينما يرى المتلقي فيه شيئا آخر مختلفا تماما».
ولكن، كما في كل ما عرضناه عن شقير من آراء كان كما الفن مختلفا ومغردا خارج السرب، وناقض آراء عبد الزراق ونصره وقزح، مرتئياً أن «الفن لا يستطيع تغيير الواقع السيء إلا إن كان موجها للعامة لا للنخبة» مختتماً حديثه بالقول: «انا أفضل أن يتم عرض الأعمال الفنية في الساحات العامة وأمام الأفران لكي يشاهدها عامة الناس، لأن المهمة الأساسية للفن هي تهذيب الشارع وتنمية الحس عند الناس.. فحب الحياة يحتم على الفنان ممارسة الفن، هو صراع النور ضد الظلام وصراع الجمال ضد القبح وصراع للثقافة ضد الاستهلاك، فإما أن يكون الفنان على الهامش أو أن يكون في قلب المعركة، معركة التغيير، تغيير المجتمع ودفعه للأمام ونقله إلى الأعلى».