انقلاب الثامن من شباط/ فبراير عام 1963 في العراق… اعتقال وإعدام؟

كان يوم الجمعة المصادف الثامن من شباط/ فبراير عام 1963 مفاجئا للعراقيين، فقد حدث انقلاب على حاكم العراق عبدالكريم قاسم. ولم تكن المفاجأة في أن الانقلاب قد حدث، إذ كرهت أوساط واسعة من الطبقة المتوسطة والمثقفة عبدالكريم قاسم لأسباب عدة، بعد أن قام بمذبحتين في الموصل وكركوك وإعدام العشرات من «الضباط الأحرار» وضباط آخرين، وقيام عناصره الأمنية والحزب الشيوعي بالقبض على الكثيرين وتعذيبهم، ولسمعته بالانقضاض على المقربين منه في أي لحظة، واعتداءات الحزب الشيوعي على الناس، بل كانت المفاجأة تكمن في سهولته، فلم يتخيل أغلب العراقيين أن الأمر كان من الممكن أن يتم بهذه البساطة، كما لم يتخيلوا أن الكثير من المقربين من عبدالكريم قاسم كانوا سيتخلون عنه ويتآمرون عليه. ولكن الانقلاب جلب معه ميليشيا الحرس القومي، التي كان واجبها القضاء على الحزب الشيوعي، وكان المسؤولون الحقيقيون عن الحرس القومي في بغداد عضوي القيادة القطرية هاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي.
أغلق الكثير من المؤسسات أبوابها بسبب الانقلاب، في انتظار استتباب الأوضاع وعودة الطمأنينة لسكان بغداد، ومنها معهد غوتة الألماني الذي كان أشهر المراكز الثقافية الأجنبية في تلك الفترة، والمكان المفضل لالتقاء الطبقة المتوسطة والمثقفة في المجتمع البغدادي. وكان والدي خلدون جميل، أحد المسؤولين عنه.
في صباح يوم الأحد، أي بعد الانقلاب بيومين، قاد والدي سيارته إلى منزل صديقه المقرب منعم الشبوط، الذي كان أستاذ اللغة الألمانية في المعهد الألماني، وأفضل من عرف اللغة الألمانية في العراق، للذهاب في جولة في المدينة، وكانا قد ضاقا من البقاء في المنزل بسبب غلق المعهد. وأثناء قيادة السيارة في منطقة (الكرادة داخل)، سمع والدي صوت تنبيه سيارة على يمينه، فالتفت، وإذا به يرى أسلحة رشاشة من سيارة مرسيدس موجهة نحوه، تلك المفاجأة وقعت كالصاعقة عليه، فتوقف فورا، وارتجل من السيارة. وكانت المفاجأة الثانية أن من ترجل من السيارة المرسيدس لم يكن سوى هاني الفكيكي صديقه القديم من أيام الدراسة، وشقيق عدنان» أحد أصدقاء والدي المقربين. والقى والدي التحية، إلا ان هاني الفكيكي أجاب «لا تحية، ألا تذكر ما قلته؟» ولم يفهم والدي الأمر، ولكن تعابير وجه هاني الفكيكي القاسية والأسلحة الرشاشة، التي ما زالت موجهة نحوه كانت كافية لإقناعه أن الأمر بالغ الخطورة. وأمره هاني الفكيكي بطريقة خشنة بركوب سيارة المرسيدس.

في هذه الأثناء كان الشيوعيون الذين تم اعتقالهم من قبل الحرس القومي يُجلَبون الى المركز ويتم تجميعهم في مكان آخر من الساحة بعيدا عن والدي، ما جعله يشعر بأن موقفه أكثر شدة من هؤلاء، فهو ليس واقفا بمفرده فحسب، بل خصص له حارس يحمل سلاحا بيده، ما يدل على سطوة هاني الفكيكي.

واستسلم والدي للقدر واستقل السيارة، التي كان فيها ثلاثة أشخاص، بالإضافة إلى الفكيكي نفسه، واتجهوا نحو نادي النهضة الرياضي، الذي كان على بعد حوالي عشرة أمتار، وكان الحرس القومي قد حولوه إلى مركز لهم في منطقة الكرادة في بغداد. وعندما وصلوا ذلك المركز استقبل الموجودون هاني استقبالا مهيبا ما يدل على أنه قائدهم. وقام بتسليم والدي لهم مع أمر من كلمة واحدة، وهو «أنهوه». أخذ أعضاء الحرس القومي والدي واقتادوه إلى داخل المركز والمخاوف تنتابه، ولم يكن يعرف ماذا يحدث ولماذا، ولكنه فهم الأمر الذي أعطاه هاني لأعضاء الحرس القومي، فلا يحتاج الأمر لذكاء لمعرفة معنى الكلمة. ولم يكن المركز كبيرا وفيه ساحة صغيرة أكبر من ملعب كرة السلة بقليل.
قاد أحد أفراد الحرس القومي والدي حتى نهاية تلك الساحة، وأمره بالوقوف إلى جانب الحائط، ثم أمر شابا في الثامنة عشرة من عمره، يحمل مسدسا في يده بمراقبته. ونظر والدي نحو ذلك الشاب البادي الارتباك، وانتابته الدهشة لأنه يعرفه، فقد كان طالبا في المعهد الألماني. وقرر والدي استغلال أي فرصة ممكنة للخروج من هذه المحنة، حيث اقتنع بأن إعدامه سيتم بعد قليل، وأسوأ ما في الأمر أنه لم يعرف سببا لذلك، ونظر حوله يائسا وفوجئ بوجود وجه ميزه جيدا، إنه قاسم القصاب، جارنا في منطقة الأعظمية. ونادى والدي قاسم، إلا انه تظاهر بعدم سماعه، ولكن والدي لم يتوقف واستمر في ندائه.

وفي هذه الأثناء دخل ضابط شاب الساحة وعرفه والدي، إذ كان طالبا في المعهد كذلك ويدعى إسماعيل. وما أن رأى هذا الضابط والدي حتى استدار نحو أفراد الحرس القومي مطالبا بإطلاق سراحه، لعدم علاقته بالأحزاب السياسية، لاسيما أنه من خريجي ألمانيا الغربية ويعمل في مؤسسة ألمانية غربية، إلا أن أحد مسؤولي الحرس نهره وأمره بالسكوت بطريقة حاسمة. وفي هذه اللحظة تشجع قاسم القصاب وتوجه نحو والدي، ما أعطاه بصيصا من الأمل، ولكنه أوضح عدم قابليته على إنقاذه، فمن جلبه كان هاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي اللذين كانا من يصدر الأوامر للحرس القومي، وبيّن قاسم أنه لم يكن مهما في المركز بما فيه الكفاية كي يؤجل تنفيذ أمرا أصدره الفكيكي، وهنا عرف والدي أن أحد الذين كانوا في السيارة لم يكن سوى محسن الشيخ راضي. وسأله قاسم إن كان يعرف أحدا من قيادات الحزب، وسأله والدي «من هم قيادات الحزب أصلا؟»، فأراه قاسم قائمة تبين أسماء أعضاء الحكومة الجديدة، التي تم تشكيلها بعد الانقلاب. نظر والدي وهو في غاية الارتباك واليأس الى تلك القائمة، واندهش عندما ميز أحد الأسماء، أنه طالب شبيب الذي عرفه جيدا عن طريق صديقه المقرب مراسل وكالة الأنباء الألمانية في العراق أحمد حكمت. وكان أحمد حكمت قد عرف طالب شبيب أثناء دراستهما في بريطانيا، ولم يستطع أي منهما إكمال دراسته هناك، إلا أن صداقة وثيقة تكونت بينهما.
ذكر والدي اسم طالب شبيب، ولكن قاسم خيب آماله عندما أبلغه أن طالب شبيب وزير للخارجية، ولا يمكن أن يأتي بنفسه لإنقاذه، ولكنه سيحاول جهده للاتصال بأي شخص قادر على إنقاذ الموقف فورا، وغادر المكان. ونظر والدي إلى الشاب الواقف أمامه الذي كان يصوب مسدسه نحوه طوال الوقت، واحتار إذا كان ذلك الشاب، الذي عرفه دائما طيبا ومؤدبا، سيكون قاتله بعد تلقيه الأمر بذلك، أم لعله سيطلق النار عليه خطأ بسبب ارتباكه وتشنجه الواضحين. ومرّ الوقت بطيئا حتى شعر والدي بأن سنة من حياته قد قضاها في ذلك المركز، وفكّر مليا بابنه الوحيد الذي سيعيش من دون أب، وكذلك بوالدته وأخوته وأخواته وزوجته.

في هذه الأثناء كان الشيوعيون الذين تم اعتقالهم من قبل الحرس القومي يُجلَبون الى المركز ويتم تجميعهم في مكان آخر من الساحة بعيدا عن والدي، ما جعله يشعر بأن موقفه أكثر شدة من هؤلاء، فهو ليس واقفا بمفرده فحسب، بل خصص له حارس يحمل سلاحا بيده، ما يدل على سطوة هاني الفكيكي. ولكن المركز كان هادئا، فلم يسمع والدي أي أصوات لأعيرة نارية أو أصوات تعذيب، لاسيما أن المركز، أي نادي النهضة، صغير. وبعد فترة لم يعلم والدي كم كان طولها دخل رجل لم يميزه، الساحة مسرعا بعد ذلك ونظر باتجاه أفراد الحرس وكان واضحا أنه ذو مكانة مرموقة بسبب الاحترام الذي أبداه الحرس تجاهه وطريقة كلامه معهم. ولاحظ والدي أن ذلك الرجل وقاسم القصاب كانا يتحدثان إلى شخص ميزه والدي جيدا، فهو صديقه فؤاد قزنجي. ودار نقاش بين الثلاثة بدا لوالدي وكأنه استغرق دهرا، وكان يتساءل بينه وبين نفسه، إن كان ذلك النقاش عنه؟ وهل سيتم إصدار الأمر بإعدامه، أو «ربما» إنقاذه.

مرت الأشهر وظهر صراع في قمة حزب البعث، وأخذت قوة هاني الفكيكي تتضاءل قليلا، على الرغم من بقائه في قمة هرم السلطة.

وترك ذلك الشخص قاسم القصاب وفؤاد قزنجي وغادر المكان. والتفت قاسم نحو والدي وناداه، ولم يصدق والدي، فقد شعر ببصيص أمل للخروج من هذا المأزق وتوجه سريعا نحوه. وأبلغه قاسم القصاب أن ذلك الشخص لم يكن سوى بهاء شبيب شقيق طالب شبيب، ثم التفت نحو مسؤول المركز فؤاد قزنجي طالبا منه التوقيع، وهذا ما قام به فورا. وشرح قاسم القصاب أن أحد أنظمة الحرس القومي كان ينص على إمكانية إطلاق سراح المعتقل في حالة قيام أحد مسؤولي المركز بكفالته، وهذا ما قام به فؤاد قزنجي، وأن كل شيء قد أنتهى، فشكر والدي كليهما وخرج من المركز مسرعا وكأن عمرا جديدا قد كتب له. وما أن وصل الباب الخارجي للمركز حتى شاهد مجموعة جديدة من المعتقلين تدخل المبنى، وميز والدي أحدهم، كما لاحظ أنه كان يحمل حقيبة سفر كبيرة. وسأله والدي عن هذه الحقيبة، فأجاب الرجل بأنها تحوي احتياجاته من الملابس وكل ما يلزمه. واستغرب والدي، فقد كان بالكاد قادر على حملها وكيف استطاع إيجاد الوقت الكافي لجمع كل هذا في الحقيبة وكأنه ذاهب إلى سفرة سياحية، وسأله والدي إن كان يقدر فداحة الموقف، ولكن الرجل طمأن والدي أنه لن يمكث في المركز طويلا لأنه سيتم إطلاق سراحه بسرعة. وتوجه والدي بعد ذلك الى منزله الذي لم يصدق أنه وصله أخيرا، ونظر إلى ساعته ليجد أن الوقت قد قارب الساعة الواحدة ظهرا، ما يعني أن تلك التجربة المريرة دامت ساعتين، حيث كانت الساعة حوالي الحادية عشرة عندما لاحظ وجود سيارة المرسيدس المشؤومة.
فتح معهد غوتة أبوابه في اليوم التالي، أي يوم الاثنين المصادف الحادي عشر من فبراير، وحضر الطلاب كالعادة وكذلك الأستاذ منعم الشبوط الذي كان مع والدي لحظة اعتقاله من قبل هاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي، والمضحك في الأمر أن منعم لم يسأل والدي أبدا عن ما حدث، وكأنه لم يشهد شيئا. بعد انتهاء الأمر وتأكد والدي أن كل شيء على ما يرام في اليوم التالي، بدأ بالبحث عن سيارته التي تركها في الشارع، فعاد إلى المكان الذي تركها فيه لحظة اعتقاله، ولكنه لم يجدها. ولذلك عاد إلى مركز الحرس القومي، أي نادي النهضة، وسأل أفراد الحرس القومي عنها، وعندما سمع أحدهم أوصافها طمأنه طالبا الانتظار قليلا، لأن أحد أفراد الحرس أخذها وسوف يعود بعد قليل. وبعد حوالي نصف ساعة وصل ذلك الشخص في السيارة وسلم مفتاحها لوالدي الذي انطلق بها تاركا وراءه كل ما حدث في ذلك المركز وكأنه لم يحدث.
مرت الأشهر وظهر صراع في قمة حزب البعث، وأخذت قوة هاني الفكيكي تتضاءل قليلا، على الرغم من بقائه في قمة هرم السلطة. وفي أحد الأيام ذهب والدي الى محل جعفر الشبيبي لشراء قماش لبدلة، وإذا به يجد نفسه أمام هاني الفكيكي، الذي رحب به وأخذه بالأحضان، وكأن ما حدث كان عبارة عن حلم فحسب، ما يدل عن مدى تغير شخصية بعض الناس عندما يضمحل طغيانهم، فسبحان مغير الأحوال. أما ذلك الشاب الصغير الذي كان يشهر مسدسه نحو والدي طوال الوقت في مركز الحرس القومي، فقد حضر إلى معهد غوتة الألماني واعتذر له معللا أنه كان مجبرا، وقد كره نفسه لما فعل إلا أن والدي هدأ من روعه ضاحكا وطلب منه أن ينسى الأمر. وبالنسبة لقاسم القصاب، سمع والدي بعد فترة طويلة أنه قد أعدم في عهد صدام حسين. ولم يعرف والدي أي شيء عن مصير ذلك الضابط المدعو إسماعيل ولم يره مرة ثانية. وأما فؤاد قزنجي، فأصبح رئيس تحرير جريدة «بغداد أوبزرفر» Baghdad Observor عام 1973. ولا أعرف ماذا حدث لبهاء شبيب بعد ذلك. ولكن والدي سمع أن الشيوعي المعتقل الذي دخل المركز حاملا حقيبة ملابسه تم إعدامه لاحقا عن طريق رميه من على متن طائرة عمودية. ما لم يعرفه والدي أبدا كان سبب اعتقاله، فلم يكن عضوا في أي حزب سياسي يوما، ولكنه كان كثير الأصدقاء الذي انتمى بعضهم إلى تيارات سياسية مختلفة، بل إنه لم يعرف أحيانا اتجهاتهم السياسة أصلا. ولم يكن ذلك نادرا في تلك الأيام، لاسيما في فترة العهد الملكي الذي انتهى قبل خمس سنوات فحسب. ولكنه تذكر دائما ما قاله هاني الفكيكي لحظة الاعتقال «ألا تذكر ما قلته». ولم يعرف والدي معنى تلك العبارة، ولكنه عندما قابل هاني الفكيكي في محل جعفر الشبيبي سأله عن سبب اعتقاله، وإذ به يعطيه سببا آخر، حيث ادعى انه لاحظ الخوف على وجه والدي، فاستنتج أنه كان يخفي شيئا ما. ومع ذلك، من المستحيل أن يكون ذلك سببا حقيقيا لأن هدف هاني الفكيكي كان واضحا، ألا وهو إعدام والدي، في الوقت الذي كان فيه أغلب أعضاء الحزب الشيوعي يعتقلون لفترة ثم يطلق سراحهم، وما يزال والدي يتساءل عن أسباب تلك الحادثة المريعة.

مؤرخ وباحث من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية