صحيفة إسرائيلية: الحملة في القطاع لزمن محدود… وقبل تراجع الدعم الغربي

حجم الخط
1

في بداية الأسبوع الثاني على الحرب في قطاع غزة فإن استعدادات إسرائيل للهجوم تنتقل إلى مرحلة متقدمة أكثر. بعد تثبيت السيطرة في غلاف غزة في نهاية المذبحة التي جرت في الهجوم المفاجيء لحماس في يوم السبت 7 تشرين الاول، يحاول الجيش الإسرائيلي إخلاء معظم السكان المدنيين الفلسطينيين من شمال القطاع. 

ومن لبنان يواصل حزب الله هجومه عدة مرات يومياً وبصورة محدودة بهدف زيادة التوتر وردع إسرائيل عن القيام بعملية برية في غزة. في نفس الوقت الولايات المتحدة تُسرِّع ارساليات مساعداتها العسكرية لإسرائيل لتسليحها قبل مواصلة القتال، وتحاول ردع حزب الله وإيران عن دخول أوسع في المواجهة.

 جزء كبير من النقاشات في الأيام الأخيرة يتعلق بقضايا إنسانية. القتل الفظيع لأكثر من ألف مدني إسرائيلي واختطاف المئات تستخدم الآن كأساس للهجوم الإعلامي الإسرائيلي الفعال، الذي للمرة الأولى يقدم مبرراً دولياً أوسع للرد. توثيق الأعمال الفظيعة ونتائجها جلب في أعقابه دعم غربي نادر جداً لإسرائيل. إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، أيضاً الاتحاد الأوروبي بادر إلى زيارة تضامن. أجزاء كبيرة من الرأي العام في الدول العربية صدم من الأحداث رغم مظاهرات التضامن مع حماس في عدد من المدن الأوروبية.

للمرة الأولى هناك إصغاء لادعاء إسرائيل بأن أعمال حماس تعادل فعليا داعش، الذي ترك انطباعاً عميقاً في الغرب في العقد الماضي. الأمريكيون كما نذكر تعاملوا مع داعش بشكل عنيف جداً في شرق سوريا وفي شمال العراق. ومشكوك فيه إذا كانت إسرائيل ستحصل من الغرب على حبل طويل، لكن عندما شبكة مثل “سي.إن.إن” توثق عن قرب مشاهد الرعب من بيوت الكيبوتسات ومن الحفل فإنه يوجد لذلك وزن سياسي كبير.

الجهود الإعلامية يقودها المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي ومنظامات مدنية مستقلة بمشاركة آلاف الإسرائيليين. الحكومة كالعادة غائبة كلياً، ونقطة الضوء الوحيدة في سلوكها هي في استقالة وزيرة الإعلام. ماكينة السم التي تخدم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في المقابل تعمل بكل طاقتها وتوجه سهامها إلى الداخل، إلى الجنرالات واليساريين وكأنهم يساعدون العدو.

إسرائيل تعرف بأن نافذة الفرص المتاحة لها ليست غير محدودة. ومثلما في السابق تصعب المزامنة بين الساعة العملياتية والساعة السياسية. في القريب القطاع سيتدهور إلى كارثة إنسانية، وتحفظات الغرب ستزداد كلما ارتفع عدد الفلسطينيين القتلى. الحداد على المذبحة يستدعي اللامبالاة من قبل الجمهور في إسرائيل، لكن ربما يؤدي إلى تغير في موقف الغرب. دول أخرى مثل روسيا لا تكلف نفسها عناء اخفاء تضامنها مع حماس، في حين أن الصين تبدو لامبالية بما يحدث.

هناك دولتان بدأت الارض تهتز فيها، مصر والأردن. في القاهرة يخافون من تدحرج مشكلة غزة نحوهم – قرار إسرائيل قطع الكهرباء والغاز والمياه يعيد العلاقات بين الفلسطينيين ومصر إلى الفترة التي سبقت العام 1967، وهم قلقون من المظاهرات الضخمة. 

في الأردن كان حصلت يوم الجمعة مظاهرات كهذه بمبادرة من الإخوان المسلمين. أيضاً الضفة الغربية تشتعل. ففي الأسبوع الماضي سجل تقريبا 50 قتيل فلسطيني في مواجهات مع الجيش الاسرائيلي والمستوطنين. نشطاء مسلحون من اليمين المتطرف يقومون باقتحام القرى الفلسطينية وإطلاق النار. في الشرطة وفي الشباك يردون ببطء، رغم الخطأ الذي سيكبر في كل ما يتعلق بالقدس والأقصى  

صباح أول أمس طلب الجيش من مليون شخص تقريباً من سكان غزة اجتياز وادي غزة على الفور والتوجه جنوباً واخلاء شمال القطاع. يبدو أن مئات الآلاف استجابوا لهذا الطلب رغم ضغط حماس. حسب منظمات المساعدة الدولية فإنه في جنوب القطاع لا توجد بُنى تحتية لاستيعاب عدد هو ضعف سكانه. في هذه الأثناء لا توجد أيضاً أي طريقة لتوفير احتياجات السكان من الخارج. من المرجح أن تحاول مصر منع دخول اللاجئين إلى حدودها. النتيجة ستكون إقامة مخيمات من الخيام المكتظة على شاطيء البحر.

في الوقت نفسه في شمال القطاع تزيد إسرائيل هجماتها على مواقع حماس من الجو. ومع ذلك، من الواضح أن قيادة حماس وجزء كبير من القوة المسلحة توجد في الأنفاق تحت الارض. في المرحلة القادمة من المرجح أننا سنشاهد خطوة برية، لكن لم يتم التحدث عن حجمها. 

التصريحات الرسمية للسياسيين والضباط تتحدث عن تدمير سلطة حماس. وعلى فرض أن حماس استعدت للمواجهة طوال سنين فإن السؤال هو هل الجيش الاسرائيلي لن يخطو في هذه الطريقة نحو شرك، وهل حزب الله لن يرد على دخول بري إلى القطاع باشعال حرب ثنائية الجبهات على الحدود اللبنانية.

 الثقة في الحضي

حنين غدير، الباحثة في شؤون حزب الله في معهد واشنطن، كتبت يوم الخميس الماضي بأن حزب الله يمتنع في هذه الأثناء عن تدخله الكامل في الحرب. ولكنها تلاحظ محاولته زيادة التوتر على الحدود كل يوم، ومن المرجح أن الوضع يمكن أن يزداد خطورة، سواءاً بسبب حسابات خاطئة أو بسبب قرار متعمد من قبل حزب الله. 

حزب الله طلب من سكان القرى القريبة من الحدود إخلاء بيوتهم، لكنه لم يفعل في هذه الأثناء خطوة مشابهة في الأحياء الشيعية في جنوب بيروت.

حسب أقوالها فإن هدف إستراتيجية حزب الله هو تحقيق فائدة من نجاح حماس دون تعريض مرة أخرى مشروعه العسكري الذي أقامة في جنوب لبنان منذ الحرب الأخيرة هناك في 2006. ورغم إستراتيجية وحدة الساحات التي يقودها حرس الثورة الإيراني فإن غدير تعتقد بأنهم في حزب الله يعرفون أنهم في المعركة لن يهزموا إسرائيل وأنهم سيفقدون معظم ترسانتهم من السلاح.

تقديرات مشابهة سمعت مؤخراً من قبل جزء من رجال الأمن في إسرائيل. المشكلة هي أنه لا يمكن التقدير بدقة نوايا العدو، فثقة متخذي القرارات بتقديرات الاستخبارات انخفضت إلى الحد الأدنى بعد الفشل الذريع في التنبؤ بهجوم حماس. المشكلة الثانية هي أنه حتى لو قاموا بنجاح في معالجة التهديد العسكري لحماس، فإن الجمهور في إسرائيل سيصعب عليه العيش تحت تهديد خطير أكثر من الشمال من قبل قوة الرضوان التابعة لحزب الله.

المتغير الأكثر خطورة في هذه المعادلة هو خطوة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الذي لم يعلن فقط عن قطار جوي لقطع الغيار والسلاح لإسرائيل، وليس مجرد أنه ارسل حاملة طائرات إلى البحر المتوسط (ستنضم إليها حاملة أخرى قريباً)، بل ظهر وكأنه مستعد لاستخدام مئات الطائرات القتالية في لبنان من أجل الدفاع عن إسرائيل، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي،  إذا حاول حزب الله استغلال الفرصة.

الرئيس الأمريكي يدرك أن قضايا أكبر توجد على كفة الميزان. أولاً، التضامن مع الشعب اليهودي على خلفية أعمال القتل التي أثارت مجدداً صدمة الكارثة أيضاً في اوساط يهود امريكا، رغم الفرق الكبير من حيث الحجم. ثانياً النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني الذي اشتعل بقوة يندمج مع الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

على خلفية المعركة ربما تحدث تغييرات في الكتل في المنطقة. واشنطن تحاول الحفاظ على المحور الذي تترأسه وعدم تحطم العلاقات بين اسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج. عندما يؤيد بايدن إسرائيل بهذا الشكل فإنه أيضاً يسمح لنفسه بقدرة على الضبط والتأثير على طبيعة وساحة نشاطات إسرائيل. يبدو أن الولايات المتحدة تفضل أن تركز إسرائيل على غزة وأن لا تورط نفسها في حرب إقليمية مع إيران.

في هذه الأثناء يتم الشعور في الشمال بعصبية زائدة تؤدي إلى تشخيصات خاطئة لمنظومة الرادار إلى جانب عدة أحداث حقيقية. من الواضح أن حزب الله يلعب ويده على الزناد، لكن يجب الأمل بأن إسرائيل ستحاول الحفاظ على الاتزان طالما أن هذه ليست هي الساحة الرئيسية. وقتل اثنين من المدنيين اللبنانيين أمس بنار رد الجيش الاسرائيلي على إطلاق قذائف الهاون على مزارع شبعا يعقد الوضع.

 دعاية عائلية

 في نهاية الأسبوع الماضي بايدن فعل شيئاً آخر. فقد تحدث مطولاً عبر  عبر تطبيق زوم مع 14 عائلة لمخطوفين ومفقودين لديهم الجنسية الأمريكية. نتنياهو لم يهتم حتى الآن بفعل ذلك مع عائلات المخطوفين الإسرائيليين. 

عندما تحدثت غيلي كوهين عن ذلك في شبكة “كان” ثارت ضجة كبيرة. في نفس الوقت في “أخبار 12” تم إجراء مقابلات مع ثلاثة جنرالات في الاحتياط تطوعوا لإنقاذ مدنيين من نار جهنم التي كانت في يوم السبت الماضي، وقاموا بلعب دور الحكومة. في برنامج “يوم الجمعة” في القناة 12 نسوا بشكل ما ضم أحد مؤيدي بيبي في النقاشات. وفي القنوات ساد فجأة إجماع نادر يعكس كما يبدو مشاعر أجزاء واسعة من الجمهور.

الإجابة جاءت على الفور على شكل بيان استثنائي لنتنياهو للأمة في مساء يوم الجمعة، الذي لم يقُل فيه أي شيء جديد. في مكتب نتنياهو قالوا أنه في الحقيقة تحدث مع العائلات. ولكن المكتب لم يكشف أي تفاصيل. رئيس الحكومة الذي امتنع عن زيارة الكيبوتسات في غلاف غزة منذ العام 2009، ذهب أمس في زيارة قصيرة إلى كيبوتس بئيري المدمر والتقط الصور مع الجنود. مكتب رئيس الحكومة نشر فيلم فيديو من هناك يشبه الزيارة التي قام بها إلى فرقة الاحتياط في يوم الخميس. شهود عيان من الزيارة الأولى قالوا إنه اثناء التقاط الصور كانت كوهين تنشر عن مشاركة استثنائية لمتحدثي الليكود وعائلة نتنياهو والمستشارين الدعائيين الآخرين في نقاشات يمكن أن تكون رسمية. في المقابل، بدأت تنتظم مظاهرات تضامن مع عائلات المخطوفين تطالب بإطلاق سراحهم، مثل التي جرت أمس أمام وزارة الدفاع.

الفطام من الشاشات

في نهاية الأسبوع الماضي بدأ الجيش الاسرائيلي في نشر شهادات وأفلام فيديو عن المعارك في الغلاف. إلى جانب الاعتراف المطلوب بالفشل الذريع فإنهم في الجيش يعرضون على الجمهور مشاهد بطولة وتضحية القادة والجنود (ومجندات كثيرات أيضاً)، الذين ليسوا جميعهم جنود، والذين شاركوا في هذه المعارك. هذا أيضاً ينطبق على المدنيين وعلى طواقم الطواريء ورجال الشرطة الذين عملوا في ظروف صعبة جداً.

توجد هنا بداية لمحاولة ترميم العقد مع المجتمع في إسرائيل وإعادة القليل من الثقة بالنفس، التي هي بالتأكيد مطلوبة للمدنيين إذا كان توجهنا هو نحو عملية برية. الثقة تضررت أيضاً لأسباب واقعية اكثر، بما في ذلك نقص المعدات والأعطاب الكبيرة فيها التي ظهرت عندما تم تجنيد 350 ألف جندي من الإحتياط في أسبوع واحد. مع ذلك، فإنه من الواضح لهيئة الأركان العامة بأن الأمر هنا يحتاج إلى تغيير كبير في الثقافة، والفطام الصعب من الاعتماد الزائد على الحلول التكنولوجية، وأيضاً التحرر من الادعاء بمعرفة ماذا يخفي العدو في عقله.

قبل بضعة أسابيع من الحرب عقد لقاء بمشاركة رئيس الأركان، هرتسي هليفي، وجنرالات في هيئة الاركان العامة وضباط كبار في قيادة المنطقة الشمالية. قائد تشكيلة الجليل، العميد شاي كلبر، قال أنه لا يقلق من مجرد اقتحام قوة الرضوان، بل من اقتحام بمفاجأة استخبارية كاملة. أحد الجنرالات قال إنه إذا تحقق وبحق هذا السيناريو المخيف بشكل مفاجيء فإن كل من يجلس على هذه الطاولة يجب عليهم الذهاب إلى البيت. في ظروف مأساوية ربما أن هذا التنبؤ سيتحقق بمعظمه في نهاية الحرب دون صلة بالنتائج النهائية.

الحروب، وبالتأكيد التي تنشب بشكل مفاجيء، تحدث هزات كبيرة. على الصعيد السياسي، رغم جهود التملص التي يقوم بها، تصعب رؤية كيف سيظل نتنياهو ازاء أداء حكومته الفظيع عشية الحرب، الذي يتجسد الآن في كل زاوية. 

هليفي تمت مفاجأته عندما قاد جيش تم تشكيله قبل عهده وتم جره في السنوات الأخيرة إلى اتجاهات غير صحيحة. منذ توليه منصبه انخرط رئيس الأركان بشكل أساسي في محاولة يائسة للحفاظ على تماسك الجيش، بعد أن عمل نتنياهو على تدميره من خلال الانقلاب النظامي.

“لقد قمنا بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى جيش سلام رقمي”، هكذا قال أمس ضابط احتياط في احدى الجبهات. “لقد تنازلنا عن سكان الغلاف لدولة الهايتيك ونسينا بأن هنا الشرق الأوسط”. أيضاً في هذا الشأن ستكون حاجة هنا إلى تغيير كبير. ولكن قبل ذلك يجب على إسرائيل أن تواجه الحرب نفسها.

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس – 15/10/2023



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية