صحيفة عبرية: الحرب ضد حماس حيوية لكن من شأنها أن تعرض إسرائيل للخطر في المستقبل

حجم الخط
1

في الوقت الذي تتطور فيه هجمات الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة فإنه يتراكم في إسرائيل جدال سياسي دولي يحاول رسم حدود ما يمكن التسامح معه في الحرب الحالية.
ذا الجدل يعتبر الآن “فقط” جهود لإيجاد حلول إنسانية لمئات آلاف الفلسطينيين في غزة، لكن نجاحه يستهدف أيضاً تعزيز شرعية الحرب، التي بدونها سيصعب على اسرائيل تحقيق خططها العسكرية.
ضرورة توفير ممر آمن لقوافل المساعدات ترتبط بشكل وثيق بالجهود لإطلاق سراح المخطوفين وتحقيق وقف اطلاق نار، حتى لو مؤقت، ووقف لفترة معينة زخم الحرب.
بدون حل سريع للازمة الإنسانية يمكن لإسرائيل أن تجد نفسها على مسار التصادم مع دول عربية صديقة، وربما أيضاً مع الولايات المتحدة، التي تعطي في هذه الأثناء الدعم الكامل للعملية العسكرية، ولكنها أكدت على أنه حتى في هذا الوضع يجب التمسك بالقانون الدولي وقوانين الحرب التي تقتضي تقديم المساعدات للمدنيين.
على رأس الجهود السياسية هذه تقف الآن مصر التي لا تثق بالضغط الدبلوماسي الدولي على اسرائيل أو بالمحادثات التي تجريها هي نفسها مع القيادة في إسرائيل. قبل ثلاثة أيام أعلنت القاهرة بأنها لن تسمح لأي مواطن من غزة بالدخول من القطاع. وأمس نُشر أنها قامت بتطبيق هذا القرار. الجيش المصري قام بوضع مكعبات اسمنتية كبيرة على مدخل معبر رفح بحيث تمنع دخول المدنيين أو قوافل المساعدات. في موازاة ذلك فإن القوات المصرية عملت على تكثيف تواجدها قرب الحدود. وحسب هذا التقرير فإن مصر قامت بسحب موظفيها من المعبر وابقت فقط على عدد من جنود حرس الحدود بعد أن قصفت اإسرائيل المنطقة مرتين وأصيب اثنان من الموظفين المصريين. في موازاة ذلك أبلغت السلطات في مصر منظمات الإغاثة في الدولة بأنه حتى إشعار آخر لن يتم السماح بنقل المساعدات إلى قطاع غزة. لذلك، من الأفضل وقف حملة جمع التبرعات التي تقوم بها. محافظة شمال سيناء توجد منذ يوم السبت الماضي في حالة تأهب. ورغم منع العبور من غزة أعطيت التعليمات للاستعداد لاستيعاب لاجئين في حالة قام هؤلاء باختراق الجدار. ولكن في هذه الحالة التعليمات واضحة وحازمة: يجب عدم السماح لأي لاجيء بالوصول إلى مدينة العريش.
مصر، التي تقلق من “غزو” فلسطيني لأراضيها، تخشى من أن تتحول قضية غزة إلى قضية مصرية داخلية، التي ستضع على المحك سلوك الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتخدم خصومه قبل شهرين على موعد الانتخابات الرئاسية. ولكن أكثر من الخشية من الانتقاد الداخلي فإن السيسي يدرك التداعيات الأمنية التي ستكون لوجود مئات آلاف الفلسطينيين في شبه جزيرة سيناء، حيث تدير مصر هناك منذ سنوات حرب دموية ضد التنظيمات الإسلامية المتطرفة. من هنا تأتي الجهود الكبيرة التي يبذلها السيسي من أجل كبح “طوفان الاقصى” كي لا يصل إلى بلاده، وايجاد حل إنساني لا يكون على حسابه.
مصر توجد لها مكانة خاصة في نسيج العلاقات بين إسرائيل وحماس. وهي الآن تشكل أيضاً ضلعاً حيوياً في إجراء المفاوضات. القاهرة تجري في هذه الأثناء محادثات مكثفة مع رجال حماس في غزة وفي الخارج لايجاد حل لقضية المخطوفين، التي يمكن أن تثمر أيضاً حل إنساني في غزة.
وفي دعوة مستعجلة من وزير الخارجية المصري، سامح شكري، وصل أمس إلى القاهرة وزير خارجية تركيا ورئيس المخابرات السابق هاكان فيدان لإجراء لقاء مشترك مع وزيرة الخارجية الألمانية انالنا بيربوك. فيدان ومن المتوقع أن يلتقيا أيضاً مع الرئيس المصري. هذه جهود مشتركة قام ترتيبها المستشار الألماني شولتس، بالتعاون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
الأخير تحدث مع قادة حماس هو وحاكم قطر الشيخ تميم بن حمد، الراعي الرئيسي لقيادة حماس. وحقيقة أنه يوجد بين المخطوفين أيضاً عشرات المواطنين الأمريكيين، تجعل للبيت الأبيض مصلحة مباشرة في حل هذه القضية، بما في ذلك الضغط على إسرائيل. واضح لجميع الأطراف أن تحقيق حل معين، حتى لو جزئي، لقضية المخطوفين يحتاج مقابلاً كبيراً من إسرائيل يمكن أن يشمل وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار وفتح ممر آمن لقوافل المساعدات إلى القطاع، وبالطبع إطلاق سراح سجناء فلسطينيين في سجون في إسرائيل.
إسرائيل تعرف جيداً ضائقة مصر. لذلك فقد امتنعت عن إعطاء أوامر لسكان غزة بالتوجه نحو شبه جزيرة سيناء. في المنشورات التي وزعها الجيش الإسرائيلي في القطاع تمت دعوة المواطنين لمغادرة ليس فقط منازلهم، بل أيضاً الملاجيء التي يمكثون فيها والانتقال إلى جنوب القطاع. في المنشورات ظهرت خارطة عليها تم رسم مسارين آمنين للانتقال، كما يبدو، يمكن للسكان أن يتحركوا فيهما. ولكن هذا لا يهديء المواطنين الذين من غير الواضح ماذا ينتظرهم في جنوب القطاع وإذا كان هناك أمن لهم أثناء الحركة.
الورقة القوية لدى حماس هي أنه كلما عانى السكان أكثر وكلما ارتفع عدد القتلى المدنيين (حسب الأمم المتحدة نحو 2000 قتيل بينهم 500 طفل)، هكذا تفقد إسرائيل نقاطاً اكثر على صعيد الرأي العام العالمي. وهذه ليست خسارة اسرائيل الوحيدة التي تنتظرها حماس.
قرار السعودية تجميد التطبيع مع إسرائيل يسجل في قائمة إنجازات حماس السياسية، والتي يمكن أن تمتليء بدول أخرى.
هناك زعماء عرب يتحدثون عن “نكبة 2″، وأعضاء البرلمان في الأردن حذروا من أن إسرائيل لا تنوي التوقف عن الطرد في غزة، وأن الخطوة التالية ستكون طرد سكان الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية. لذلك هم يحذرون من أنه سيطبق “حلم الترانسفير الإسرائيلي وإقامة وطن بديل للفلسطينيين في المملكة”.
هذا الخوف عبر عنه في شهر نيسان/أبريل الماضي الدكتور مروان المعشر، سفير الأردن الأول في إسرائيل ووزير الخارجية السابق، في مقابلة مع موقع “عيرف 21”. وقد أوضح في هذه المقابلة أنه بسبب أن حكومة إسرائيل ترفض حل الدولتين، وأيضاً لأنها لا تريد اغلبية عربية في المناطق التي تسيطر عليها، “فقد بقي أمامها فقط حل واحد وهو الترانسفير”.
وزير الخارجية الأردني الحالي، أيمن الصفدي، عبر عن تخوفاته بشكل واضح أمام نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، في اللقاء بينهما في الأسبوع الماضي. المظاهرات الكبيرة التي جرت في نهاية الأسبوع في الأردن، تقريباً بدون تدخل من النظام، الذي فقط منع المتظاهرين من التوجه نحو جسر اللنبي، تمثل ليس فقط الرأي العام الغاضب، بل تمثل أيضاً المناخ الموجود في البلاط الملكي، الذي علاقته مع إسرائيل مغلفة بطبقة سميكة من الجليد.
وبخصوص تركيا فإن مشاركتها في الخطوات السياسية بفضل علاقاتها مع قيادة حماس، هي تجديد كبير من ناحيتها بعد إبعادها من قبل إسرائيل لسنين عن القضية الفلسطينية. مكانتها الجديدة تم التعبير عنها في تركيا المنضبطة في عهد أردوغان، والتي حتى الآن اكتفت بـ “نصيحة لصديق”، عندما قالت أن “قصف المناطق المدنية وقتل المدنيين بشكل متعمد ومنع السيارات التي تحضر المساعدات الإنسانية يشابه رد فعل من منظمة إرهابية وليس من دولة. يجب على إسرائيل التذكر بأنه إذا تصرفت كمنظمة وليس كدولة فانها ستظهر في نهاية المطاف بهذه الصورة.
من يتذكر صليات النيران المشتعلة التي اعتاد الرئيس التركي على إطلاقها على إسرائيل، لا سيما على زعمائها، يمكنه تقدير جهود الانضباط الذاتي التي يقوم بها الآن.
ولكن مثل كل زعماء الدول العربية والغربية الذين تجندوا للجهود الدبلوماسية، فإن أردوغان أيضاً يتوقع استعداداً من إسرائيل لتقديم مقابل معين لجهود الوساطة، التي بدونها ستبقى حبراً على ورق.
مواقف وتخوفات الدول العربية مرتبطة برزمة واحدة مع موقف وجهود الولايات المتحدة، التي تستخدم ضغط كبير على أسرائيل. يتبين أن “النار الحرة” التي سمحت بها واشنطن لإسرائيل وحاملات الطائرات التي وصلت لدعمها، تأتي مع ثمن سياسي.
فقلق الولايات المتحدة مزدوج. فهي تعمل الآن ليس فقط من أجل تحرير المخطوفين واقناع إسرائيل بالسماح بإدخال المساعدات، بل هي أيضاً تسعى إلى الحفاظ على شبكة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية التي وقعت على اتفاقات إبراهيم، والدول المخضرمة مثل مصر والأردن، اللتان تخافان على مصالحها الوطنية.
في غضون ذلك لم تُسمع أي تهديدات رسمية بقطع العلاقات أو اعادة السفراء،
معظم وسائل الإعلام الغربية تجد صعوبة في هذه الأثناء في الدخول إلى المنطقة وعرض على العالم بشكل مباشر أبعاد الأضرار. وعندما ستتمكن من ذلك ربما ستنكشف تداعيات تصريح نتنياهو بأنه “سيغير الشرق الأوسط”.
إن الإنجازات السياسية الكبيرة، التي جزء كبير منها مسجل على اسمه، يمكن أن تتحطم في شرق أوسطه الجديد. الحلم الأمريكي بـ “ناتو شرق أوسطي”، الذي ستكون إسرائيل عضواً فيه سيصبح هذياناً. وطموح أمريكا لإقامة سور إقليمي ضد الصين وروسيا، الذي حتى بدون الحرب في غزة يقف على أرجل ضعيفة، سيتم حفظه لفترة طويلة.
هذه الاعتبارات لا يمكن أن تبعد إلى الزاوية أو أن يتم تأجيلها إلى ما بعد الحرب. فهي تتعلق بمصالح وجودية لاسرائيل، وهي مهمة أكثر من تدمير المزيد من البيوت أو معاقبة مواطني غزة. محظور أن تكلف هذه الحرب الحيوية والمبررة ضد حماس إسرائيل مستقبلها.
تسفي برئيل
هآرتس – 15/10/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية