الرمادي (العراق) ـ د ب أ: محافظة الأنبار الواقعة في الجزء الغربي من العراق وتحتل المرتبة الاولى من حيث المساحة بين المحافظات العراقية الـ18 بنسبة 34 في المئة من مساحة البلاد الاجمالية، أطلقت عليها تسميات عدة تتسم بطبيعة المساحة والانماط الاجتماعية لسكانها فضلا عن موقعها الاستراتيجي المتميز.
في سنة 134هجرية خلال العصر العباسي اتخذها الخليفة أبو العباس محمد بن عبد الله العباسي عاصمة ثانية للدولة العباسية بعد الكوفة، وبنى فيها قصوراً حيث أقام فيها أبو جعفر المنصور إلى أن بنى مدينة بغداد سنة 145 هجرية، كونها منطقة ذات طابع استراتيجي مهم نظرا لمكانها الجغرافي المميز الذي جعل الجيوش الداخلة والخارجة تمر منها فضلا عن كونها رابطة لنهر الفرات والبحر المتوسط بالخليج العربي.
و كلمة الأنبار عربية تعني “مخزن” أطلق عليها في زمن المناذرة حيث تؤكد الروايات بأنها كانت مخزنا للأسلحة والأعتدة فضلا عن خزن الحنطة والشعير وبعض المواد الزراعية آنذاك، وتتميز الانبار بمناخها شبه الصحراوي الحار جاف صيفا وبارد شتاء وقلة سقوط الأمطار فيها والتباين الكبير في درجات الحرارة بين الليل والنهار وانخفاض الرطوبة.
وفرض هذا الجو خاصية تنوع العديد من المحاصيل الزراعية و من أهمها البطاطا الربيعية والخريفية ثم الحنطة والشعير والذرة الصفراء، ومجموعة عديدة لا حصر لها من الحمضيات والخضراوات والأبصال والأعلاف وتحتوي على 5.2 مليون شجرة، وتعتمد الزراعة فيها على وسائل عديدة من بينها الآبار والعيون والأمطار وتحديدا في الرطبة ومناطق جنوب القائم وغربي الرطبة على حدود السعودية في اقصى الجزء الغربي من البلاد.
وتسمى الأنبار تاريخيا “لواء الدليم” نسبة الى عشائر الدليم التي تقطنها منذ مئات السنين، حيث قامت السلطات العثمانية بتعيين الشيخ عيثه بن حمد الذياب حاكما على اقليم الدليم سنة 1705ميلادية، وبقي شيوخ البوذياب يحكمون لواء الدليم لمدة 200 عام ثم انتقلت سلطة حكم الدليم الى شيوخ البوعساف وتحديدا ممثلة بالشيخ علي السليمان العسافي.
وتتمتع منطقة الدليم تاريخيا بالاستقلالية وكان شيخ الدليم هو حاكم لواء الدليم ويلقب بأمير وتتبعه كافة عشائر الدليم في أوقات السلم والحرب، الامر الذي فرض شيئا من المحافظة على طبيعة اجتماعية تجسدت بالطابع القبلي والعشائري كسلطة قوية قد تفوق القانون في بعض الحالات وتضعها الجهات الحكومية بنظر الاعتبار منذ بداية تكوينها وحتى يومنا هذا.
وتنتشر العشائر ابتداء من ابو غريب التي تلحق اجتماعيا وفكريا بالأنبار لكنها اداريا تتبع العاصمة بغداد ثم الفلوجة والرمادي مركز المحافظة وهيت وعنه وراوة وكبيسة والقائم وعكاشات والعبيدي .
ويصنف مجتمع الأنبار الذي يبلغ تعداده حوالي مليوني نسمة الى مؤسستين دينية اسلامية واجتماعية عشائرية حيث تحوي كبرى مدنها وهي الفلوجة على نحو 130 مسجدا، ولذلك أطلق عليها بمدينة المساجد والمآذن فيما تشتهر هذه المدينة التي تقع على الجزء الشرقي من ضفاف نهر الفرات بحركة تجارية وزراعية واسعة اكسبها هذا الامتياز موقعها الاستراتيجي الذي يربط بغداد بثلاث دول غربا وهي سورية والأردن والمملكة العربية السعودية.
ولعل ما يميز مدينة الفلوجة كثرة مطاعمها وأسواقها ومتاجرها حتى أن العراقيين يقطعون مسافات طويلة من أقصى جنوبه الى أقصى شرقه قاصدين مطاعمها التي ذاع صيتها على صعيد دولي مثل مطعم حجي حسين وزارزور والبادية ومطعم محمد والعباسي وغيرها من عشرات المطاعم التي تتنافس في تقديم وجبات الاكل ابرزها الكباب المميز بنكته وشهرته التي ذاع صيته، من هنا أطلق العراقيون عليها مدينة “القباب والكباب” نسبة الى المساجد والمطاعم.
ولم تكن مناطق غرب العراق التي تقطن أعالي الفرات بعيدة عن تلك الميزات التي تجعل الأنبار عبارة عن نسيج اجتماعي متماسك ومترابط في علاقاته وانماط حياته الاجتماعية والدينية ،فمناطق حديثة وعنه وراوة وهيت وصفت بمخ العراق او عقل العراق كونها انتجت عقولا كبيرة وفذة على مستوى تاريخ العراق في مختلف العلوم الصرفة والانسانية والثقافية الخاصة بالفلسفة والطب والادب والشعر، حتى ان وزارة التعليم العالي أصبحت ولعقود طويلة وحتى يومنا هذا تديرها شخصيات أكاديمية “عانية” من مدينة عنه الواقعة في بادية الشام العراقية.
وأما مدينة حديثة /350 كلم غرب بغداد/ التي يتوسطها نهر الفرات أصبحت مكانا للمؤرخين والشعراء حين يكتبون الشعر والأدب، وينهلون من سر جمالها الطبيعي ومناخها المعتدل ولذلك وصفها الكاتب الدكتور فاضل البدراني في مقالة له “حديثة سر من أسرار الجمال الطبيعي”، فيما قال أحد الشعراء عنها ” طيب الطبيعة من طبائع اهلها .. ثوب الحديثة واضح الألوان” .
بينما تتمركز في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار /110كم غرب بغداد/ المؤسسات الادارية من مبنى المحافظة ومجلسها وادارة الشرطة ومقرات المنظمات والاحزاب السياسية، ولا يختلف سكانها البالغ تعدادهم حوالي 750 الف نسمة عن بقية سكان مدن الأنبار الأخرى حيث يتشاركون بصفات اجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية وتأثرهم بمبادئ الاسلام ، فيميل الناس فيها الى ارتداء الزي العربي الدشداشة والعقال والعباءة خاصة من هم بأعمار سن التقاعد فما فوق.
ولشيخ العشيرة دور اجتماعي بارز في حل النزاعات العشائرية انطلاقا مما يمتلكه من حظوة بين الناس، وربما طغى الجانب العشائري على المسرح السياسي في الحياة العراقية بالوقت الحاضر، ولم يكن هناك شيخ عشيرة الا وله تأثير على صانع القرار السياسي من ممثلي المحافظة وكذلك في الحكومة الاتحادية ببغداد، فالوزراء والنواب والمسؤولون كلهم يتوافدون على مضيف الشيخ لكسب الولاء.
بينما مناطق القائم وعكاشات والعبيدي الواقعة أقصى غرب البلاد بالأنبار والقريبة من الحدود العراقية السورية توجد فيها مناطق مصانع ومناجم كبيرة أبرزها منجم عكاشات الذي ينتج الفوسفات بكميات كبيرة، حيث وصفها مهتمون بانها ثروة ذهبية تغطي بلدان أوروبية كبيرة.
برزت الانبار التي يوصف مجتمعها بـ”العنيد”على صعيد المواجهة مع القوات الامريكية خاصة في مناطق الرمادي و الفلوجة، حيث اندلعت معركة كبيرة في الفلوجة أطلق عليها /معركة الفلوجة الأولى/ عام 2004 ما بين الاحتلال الأمريكي وبين العناصر المسلحة من أبنائها أثر قيام مواطنين من المدينة بقتل اربعة من عناصر المخابرات الأمريكية وتعليقهم على جسر الفلوجة الحديدي بعد ان دخلوا الفلوجة متنكرين بانتحال شخصية موظفين شركات أجنبية ، الأمر الذي أغضب الأمريكيين وقامت قوات المارينز الأمريكية بتنفيذ هجوم على الفلوجة لاقتحامها بمشاركة الالاف الجنود الأمريكان.
ولقد دار القتال في المدينة بصفة وحشية ، فقد استطاعت المجاميع المسلحة التي كانت أغلب قياداتها من ضباط الجيش العراقي السابق فرض السيطرة على أرض المعركة وإحداث ارباك للقوات المهاجمة وكان هذا باستعمال أسلحة بسيطة مع تكتيك حرب العصابات القائم على نصب الكمائن واللجوء إلى تقنية الكر والفر ما أحدث خللا في الخطة الهجومية للعدو واربك الهجوم الأمريكي الأمامي والخلفي، وهذا الذي أدى إلى فشل التكنولوجيا العسكرية الحديثة أمام أبسط سلاح في العصر ، ولم يستطع الامريكيون فهم التكتيك، الأمر الذي جعلهم يفشلون بالدخول واقتحام المدينة ، واجبر الجنود على توجيه مدافعهم ومقذوفات دباباتهم الكبيرة باتجاه المنازل السكنية ما أدى إلى مقتل عدد كبير من سكان المدينة.
ولم تكن مدينة الرمادي مختفية عن مسرح المواجهات فقد دارت فيها أيضا مواجهات عنيفة مع جنود الاحتلال الأمريكي التي تكبدت خسائر فادحة بالأرواح والمعدات على يد مجاميع مسلحة من أبناء المدينة تتخذ طريقة العصابات والكر والفر وتستخدم أسلحة خفيفة ومتوسطة.
واستغل تنظيم القاعدة في عام 2006 و2007 المواجهات ضد الاحتلال الأمريكي في هذا التوقيت وتوغل بين الفصائل المقاومة، التي كانت تتألف من أبناء المحافظة، ليكون القوة الكبرى ومنع اي فصيل من رفع أي راية سوى راية القاعدة الأمر الذي تشكلت معه قوة كبيرة من الصحوات والعشائر وبعض الفصائل المسلحة لقتاله وهزيمته، حيث تم تشكيل تحالف ما بين قادة الصحوة الذين مولتهم واشنطن بزعامة عبد الستار أبو ريشة في أول مؤتمر عقد في منزل الأخير في 14 تموز/ يوليو عام 2007 لينطلق الدعم الأمريكي للصحوات من أجل القضاء على تنظيم القاعدة بزعامة أبو مصعب الزرقاوي وقصم ظهره في مطلع 2008 بمقتل الاخير.
ويتكرر وصف المراقبين لمحافظة الأنبار بـ”بوابة العنف والسلم” في العراق فإذا ما استقرت أوضاعها تستقر اوضاع العراق برمته، ففي كل فترة تعود المحافظة على واجهة الأحداث لتتفجر فيها أحداث جديدة وكان آخرها ساحات الاعتصام بداية عام 2013 والتي انطلقت في المحافظة وانتشرت في العديد من المحافظات العراقية الأخرى ذات الطابع السني لتتوج بتصعيد عنيف مع الحكومة العراقية في زمن رئيس الحكومة السابق نوري المالكي واستغلال ذلك من قبل تنظيم الدولة الاسلامية ليسيطر على أجزاء كبيرة من الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين منذ مطلع 2014.
وسيطر تنظيم “الدولة” عشية اندلاع العمليات العسكرية مطلع عام 2014 على أغلب مناطق المحافظة وهي الفلوجة وأجزاء كبيرة من الرمادي والقائم وعكاشات والرطبة وحديثة والعبيدي وعنه وراوة وهيت، فيما بقت مناطق ناحية العامرية وحديثة والبغدادي عصية على التنظيم بالرغم من شنه مئات الهجمات الا ان عشائرها كانت له بالمرصاد ومنعته من اقتحام تلك المناطق وكبدته خسائر كبيرة بالأرواح والمعدات.