وضع الزملاء في فضائية «اليرموك» الأردنية أمامنا حيثيات المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مع بنيامين نتنياهو، ثم طلب الزميل المحاور مني على الهواء تعليقا.
التصريح، غير الدبلوماسي والمفتقر للمهنية – الذي قال فيه بلينكن إنه يحضر لإسرائيل اليوم كيهودي، وليس كوزير خارجية – شيء مفزع!
الوزير يعلن عمليا أنه «مفصوم» أو على الأقل يحضر لمنطقتنا مرتديا «ثوبين»، ولو دققنا بالصفات، التي زار فيها العواصم العربية لاحقا لاكتشفنا أنه يتجاوز الفصام، ويتلبس عدة مايوهات وأثوابا. يا ترى بأي شخصية تحدث معنا كعرب صاحبنا الأمريكي؟!
إجابة السؤال صعبة، وعلى طريقة امتحان اللغة الإنكليزية: «ضع دائرة على الجواب الصحيح».
في إمكان السفيرة الأمريكية المستجدة في عمان – التي تحب الشاورما، وما دامت قد التقطت صورها عبر التلفزيون الرسمي الأردني، وهي تزور مجلس النواب – إعلان مسابقة للشعب يميل فيها كل مشارك لاختيار الجواب المناسب لشخصية بلينكن المتعددة.
بلينكن الجدة والجد
الأهم سرحت أثناء البث والحوار في تلك الأسباب، التي تدفع وزيرا لخارجية واشنطن، شاهدنا سحنته كثيرا في المنطقة، وفي مؤتمر صحافي ليحدثنا عن «جدته التي توفاها ألله في المحرقة في ألمانيا» وجده الذي فر من القتل.
سألنا أنفسنا فورا: لماذا يتحدث الشاب الأمريكي عن جدته أثناء المحرقة، التي يقيمها الكارتيل الإجرامي الحليف له؟ وما الذي يعنيه لي اليوم أن جده مات فارا في موسكو؟!
باغتنا الزميل بسؤال عن تعليق فاقترحت بتلقائية: جدة الوزير الأمريكي حرقها هتلر وجده طارده النازيون، فليذهب للبكاء على قبريهما في ميونخ أو وارسو أو موسكو برفقة النازي نتنياهو.
لا نعرف سببا يدفعنا للاهتمام إلا بجدتي فاطمة – رحمها ألله – التي توفاها ألله في فلسطين، ولم أتمكن من دفنها بسبب «الكارتيل» الإسرائيلي المجرم.
والأهم في المحرقة – التي يقيمها اليوم أحفاد قبيلة بلينكن ورفاقهم لشعبنا الفلسطيني البطل المقاوم – نكاية بالطهارة والتاريخ!
القوم خططوا – وهذا ما نفهمه من الدكتور خليل العناتي، ضيف «الجزيرة» الحربي – أو يخططون لحرب «دينية»، لأن أحدا لا يريد في الغرب اليوم تخيل «الحافة التي يتهاوى فيها» ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي. ومن جهتي فكرة «الرأي العام الدولي» تهاوت إلى الحضيض، وهي أقل شأنا من أن نخصص لها الكثير من الوقت مرحليا، فيما الحرب الدينية دوما «سلاح ذو حدين».
على فضائية «رؤيا» المحلية الأردنية في المقابل كان التفاعل على أساس تداعيات «ذهول صدمة الانتصار في معركة تاريخية»، وبصراحة يبدو لي أن العدو بالتأكيد بوغت بشباب الطوفان وظهرت هشاشته – وكلانا نحن العرب والغرب – لا نصدق أن «فتية من غزة» لديهم كل هذه القدرات الإبداعات والعبقرية، ليس على التخطيط فقط، بل على التنفيذ أيضا.
أصدق تلك المقولة التواصلية القائلة «سنوات ونحن نسأل «وين الملايين» والمقاومة أثبتت أن الحاجة لا تزيد عن ألف مقاتل شجاع».
ونصافح قناعة السياسي ممدوح العبادي، وهو يخاطب الهواء في إحدى الإذاعات قائلا «إن المقاومة، وبصرف النظر عن النتائج لاحقا، سجلت انتصارا تاريخيا، لأن ما قبل معركة الطوفان ليس كما بعدها».
وهو رأي رائد الملكية الفكرية طلال أبو غزاله نفسه، وهو يحرك يديه على كتفيه سخرية من «رتب ونياشين الجنرالات العرب»، أمام الكاميرا على فضائية لبنانية، وأمام مذيعة تسأله «إستاز طلال شو رأيك بيلي صار؟ وفي الأثناء جورج قرداحي، صاحب سؤال المليون دولار يبتسم بدوره في لقطة نادرة وهو يتحدث عن «معجزة».
وعظ وإرشاد
في تقديري ممارسة حالة التشكيك والوعظ والإرشاد وإصدار الفتاوى في إتجاه حسابات المقاومة هو آخر ما يحتاجه منا نحن القاعدون الثرثارون على شبكات التلفزيون، شباب فلسطين والمقاومة اليوم، وقد حقق لنا شباب غزة «نصرا تحريكيا يعتد به» فليقم كل منا بواجبه، لأن الدم الذي تظهره مراقا في الشوارع كاميرا «الجزيرة» سقط للدفاع عن بقايا شرف الأمة.
لكن، ما يغيظ فعلا، ويخرج المرء من ثوبه على طريقة بلينكن، هو تغطية بعض التلفزيونات العربية وبعض المعلقين المنحازين أو الرماديين.
إحدى تجليات معركة الطوفان وفضائلها علينا جميعا هي تلك التي تفضح وتكشف وتسقط الأقنعة. إنها صنعت التاريخ وأعادتنا الى التاريخ والجغرافيا وعلم المنطق.
ما علينا نتمنى التوفيق في المرحلة اللاحقة للأخوة في كادر السلطة الفلسطينية، ولا نصفق لحملات التشكيك المعلبة، وإن نصحنا الأخوة في حركة فتح تحديدا بضرورة قول كلمتهم، لأن فتح الحقيقية أكبر بكثير وجدا من أن تخرج من المعادلة والتاريخ، ولاحقا الجغرافيا، بسبب طول الانتظار على رصيف أوسلو.
أملنا ألا يطيل الفتحاوي الانتظار.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في عمان