حديث عن نوبل

بالطبع معظمنا يتابع بشغف كبير أو قليل، إعلان جائزة نوبل السنوي في الأدب، الذي يتوج فيه مبدع بالجائزة الأدبية الأكبر، التي تغير الحياة فعلا، وتصنع للفائز بها، حتى لو كان مغمورا، أو نصف مغمور، تاريخا وحاضرا ومستقبلا لا يضاهيه أي مستقبل.
وجائزة نوبل في العادة ليست جائزة متوقعة، أي لا يمكن التكهن بمن سيفوز بها وسط عشرات المرشحين المدججين بالسير الإبداعية الخصبة، والأعمال الكبرى التي قرأها الملايين، وفي كل مرة يقترب موعدها، نرى المنصات الإعلامية تكتب عن أقوى المرشحين، والأوفر حظا، الذي يستحق فعلا، ثم يأتي الإعلان الذي لا يكون أبدا متسقا مع كل ذلك، وربما حدث هذا في مرات قليلة مثل ما حدث مع البيروفي ماريو فارغاس يوسا، الذي يعرف على نطاق واسع قبل الجائزة، ولم تضف له الجائزة كثيرا، فكلنا قرأنا «مديح الخالة» و»حفلة التيس» وغيرهما من الروائع المكتوبة بحنكة.
بالنسبة لتلك الأسماء الموجودة دائما في أذهان الناس، وتكاد لا تفارقها، مؤكدة على استحقاقها، الياباني هاروكي موراكامي، وموراكامي ليس كاتبا صغيرا، ولا محصورا في بلده اليابان، بل تكاد شعبيته تغطي العالم كله، مع اقتران أدبه بالرقص والرياضة، ومؤكد له صوته الخاص في الكتابة الغرائبية والأسطورية، التي يلمها من شوارع بلاده وبيوتها، والشخصيات التي ربما صادفها، وربما صادف ما يشبهها، وحين ينشر كل ذلك، تجد ما نشره يطير في زمن قليل، إلى معظم اللغات، وتباع نسخه بالملايين.
لكن يبدو أن موراكامي لا يشبه جائزة نوبل، أي لا يمتلك ما يؤهله للفوز بالجائزة في نظر محكمي نوبل، لذلك يظل اسمه موجودا باستمرار على اللائحة، ويظل محبوه في ضيق كبير، كلما أعلن الفائز السنوي، الذي كما قلت في الغالب يأتي من مكان ما، وأفق ما، وبمواصفات قد يتفق عليها الناس وقد لا يتفقون، لأن كثيرين لا يعرفونه، وهنا لا بد من السؤال: هل الجائزة بالنسبة لواحد مثل هاروكي مهمة بالفعل؟
لا أعرف، فربما حين يمتلك المبدع الشهرة والمال، يظل يبحث عن التكريم، أي أن يوضع اسمه من ضمن الفائزين بجائزة كبرى، لن تقدم له جديدا في مشروعه، ولكن ترضيه معنويا، ويحس أن مشروعه نجح على مستوى آخر غير مستوى القراءة الشعبية. أنا شخصيا لست من معجبي موراكامي كثيرا، وأحس بأنه يطيل التسكع في الجمل والسطور والصفحات، بحيث تصبح الرواية عنده عبارة عن منهج أدبي يحتاج لدراسته في مدرج، لا لقراءته في ساعات أو أيام محددة، وأذكر أنني ظللت أقرأ روايته الشهيرة «كافكا على الشاطئ لأسابيع»، وتلك التي تحمل اسم «IQ84»، والمكتوبة في ثلاثة أجزاء لأشهر، تركت فيها أي نشاط قرائي أو كتابي، وكانت المحصلة، أن الكتابة على الرغم من جدتها وجمالها تفقد متعتها وإمكانية أن تقرأ جيدا، ولا أدري لماذا ثلاثة أجزاء، ولماذا أصلا أجزاء، فالرواية في رأيي الشخصي ممكن جدا أن تكتب في جزء واحد، يطول أو يقصر، لكن يسع كل ما أراد الكاتب قوله، تظل روايات الإسباني الراحل أنطونيو غالا، والتركي أورهان باموق مثالا طيبا لذلك..

لكن أحيانا نحتاج لجزء إضافي لعمل نجح ونعيد قراءته لنجد إمكانية أن نضيء بعض النقاط المعتمة فيه، بجزء آخر، لا يكون مملا أو ثقيلا على ذهن القارئ، وقد حدث ذلك عندي مرة، لكن لا أظنها تتكرر مرة أخرى. المهم هنا أن موراكامي بشعبيته الكبيرة، لن يحتاج لما يرفع معنوياته، أنت في هذا العمر، وبكل هذا اللمعان تستطيع أن تظل في أوج المعنويات دائما. ولننظر هنا لكتابنا أو لمبدعينا العرب، وتعاملهم مع المعنويات، حين يشارك أحدهم مقالة كتبت عن أحد أعماله وهو يكيل الشكر للناقد، أو يضع صفحة لمجلة أو صحيفة نشرت له نصا وهو يقول: لقد صنعت يومي. واليوم هنا يعني المزاج، فما أقل ما يرفع المعنويات عندنا.
من الكتّاب الذين يظنهم القراء في أماكن أخرى جديرين بجائزة نوبل ورشحوه لها بصفة دائمة، الكاتب التشيكي الراحل ميلان كونديرا، فميلان كاتب حقيقي، له بصمة عريضة، وقوية، وحظي دائما باحترام الكثيرين من النقاد والقراء على حد سواء، نحن نعرفه في أعماله القليلة الملهمة مثل «البطء» و«كائن لا تحتمل خفته» و«حفلة التفاهة»، لكن كونديرا شاخ، وتجاوز التسعين ورحل منذ أشهر قليلة، ولم تهتم به لجان جائزة نوبل، ولا أعرف إن كان هو مهتما بها أم لا؟ وهو أيضا مثل موراكامي لم تكن ستزيده الجائزة توهجا، فقد تجاوز تلك المحطات منذ زمن طويل. على أن هناك من جاءت باسمه جائزة نوبل واكتشفنا نحن الذين كنا نجهله، أدبا رفيعا وعظيما، مثل الألمانية هيرتا مولر، التي تكتب بلغة الشعر أدبا يصور تاريخ بلادها، وما كان سائدا من قهر وعذاب، وأي رواية أو مجموعة قصصية لها فيها كثير من المتعة، أيضا سعدنا بالتنزاني عبد الرزاق قرنح، الذي كان جديرا بالجائزة في رأيي، وما قرأته له حتى الآن كان مرضيا جدا، ولا بد من شكر دار أثر السعودية على إتاحة هذا الإنتاج باللغة العربية في وقت قياسي. هناك أيضا البولندية أولغا توكارتشوك، هذا الكاتبة الرائعة ونصوصها العظيمة.
بالنسبة لنا نحن العرب، ألا يستحق أحدنا الجائزة؟
قطعا كثيرون يستحقونها، إن كانت هي جائزة للإبداع الخالص، ولا تحتاج لإضافات بعيدة عن الإبداع، لنقل مثلا إن أدونيس يستحق كشاعر ومبتكر في الشعر والتصور عن الشعر وغيره، ولنقل إن ما كتبه إبراهيم الكوني وإبراهيم نصر الله من إبداع ليس أمرا يمكن تجاوزه بسهولة.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية