الدوحة ـ «القدس العربي»: عاملان حاسمان ومؤثران سيكون لهما دور رئيسي في تحديد أسعار النفط للمرحلة المقبلة وهما «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية ودول عربية وإقليمية في اليمن والاتفاق النووي الإيراني الغربي. وتسجل بورصة تحديد أسعار الذهب الأسود في الأيام القليلة الماضية تذبذبا بسبب عدم وضوح الرؤية وترقب الجميع ما ستسفر عنه نتائج الحدثين المفتوحين على كل الاحتمالات بما سيخلفانه من تطورات وتداعيات تكون لها الكلمة في رفع أو خفض الأسعار.
بعد أن انطلقت «عاصفة الحزم» التي شنتها بداية السعودية ثم دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء السلطنة والتحقت بها دول أخرى عربية على غرار مصر والأردن والسودان وإسلامية هي باكستان، أرسلت الرياض تطمينات إلى المستهلكين إلى ضمانها إمدادات النفط. وخرج مسؤولون سعوديون للتأكيد لاحقا أنه لن يحدث أي اختلال في الأسعار في إطار خطتها للإبقاء على مستوى الإنتاج من دون خفض يتناسب مطالبات دول أعضاء في الأوبك. التطمينات السعودية حافظت إلى حد ما على مستوى الأسعار ولم ترتفع بقدر توقعات بعض المراقبين الذين تعدوا على تسجيل زيادة المؤشرات مع أي حرب أو أزمة في المنطقة. ويعزي الخبراء سبب حفاظ أسعار النفط على أسعارها إلى أن الحرب تجري وقائعها جنوبا في بلد لا تشكل أزمته أي خطر على منصات الإنتاج لقلة مخزونه ولكون حقول نفط السعودية والتي إن كانت هي رأس الحربة في الحرب الأخيرة إلا أن الخطر بعيد عن حدودها. وبالعودة قليلا إلى الوراء نجد أن الارتفاع الصاروخي للأسعار اقترن بحروب أو أزمات على مقربة من منابع الذهب الأسود مثلما كان عليه الحال في الحرب العراقية الإيرانية أو حرب الخليج الثانية وغيرها.
ارتفاع طفيف وهامشي للأسعار
وتيرة تطور الأحداث في اليمن ومؤشرات استمرار «عاصفة الحزم» لفترة أطول والتي لا يبدو أنها ستحقق نتائج سريعة أدت إلى حدوث ارتفاع طفيف لأسعار النفط نهاية تعاملات الأسبوع الماضي. وصعدت العقود الآجلة لخام نفط برنت الأوروبي إلى 59.71 دولار للبرميل بزيادة بلغت حوالي 6٪، بينما ارتفع سعر النفط الأمريكي الخفيف 2.19 دولار ليصل إلى 51.40 دولار. فعناوين الأخبار الآتية من اليمن والتي لم تطمئن المستثمرين والوسائط رفعت قليلا من علاوة المخاطر السياسية على أسعار النفط وزادت من حجم المخاوف من استمرار العاصفة وطول أمد الأزمة مع شظايا متردية قد يشتعل فتيلها في أي لحظة هنا أو هناك. ارتفاع أسعار النفط المحدودة جاءت متزامنة مع صدور بيانات أمريكية أظهرت حدوث قفزة كبيرة في مخزونات الولايات المتحدة من النفط الخام وإعلان السعودية وصول إنتاجها النفطي إلى مستويات قياسية. وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن مخزونات بلادها ارتفعت خلال الأسبوع بنحو 10.95 مليون برميل، وهي أكبر زيادة منذ 14 عاما، لتصل إلى 482.4 مليون برميل. وتأتي هذه النتائج تزامنا مع إعلان المملكة العربية السعودية عن ارتفاع إنتاجها النفطي خلال شهر آذار/مارس الماضي إلى 10.3 مليون برميل يوميا، ما شكل ضغوطا إضافية على السوق.
وتوقعت وزارة البترول والثروة المعدنية عودة أسعار النفط للتعافي خلال الفترة المقبلة مع زيادة الطلب العالمي على النفط بنحو مليون برميل يومياً. وأوضح مستشار وزير البترول الدكتور إبراهيم المهنا «أن الزيادة على الطلب ستفوق مليون برميل يومياً، فيما تشير توقعات الوزارة إلى زيادة الاستهلاك العالمي إلى 105 ملايين برميل يومياً في 2025». وفي إحدى جلسات مؤتمر اقتصادات الطاقة بالرياض تحدث المهنا عن التطورات الأخيرة في السوق البترولية الدولية، معتبراً أن التراجعات الحالية التي شهدتها أسعار النفط خلال الأشهر الماضية وهبطت بالأسعار إلى أكثر من النصف، «تراجعات مؤقتة ولا تندرج في السياق الطبيعي» مبيناً أن الوقت المتوقع لعودة أسعار النفط لسابق عهدها أمر غير معروف على وجه التحديد مع التوقعات بعودة بعض من دول مثل ليبيا وإيران إلى السوق. وأكد، أن التوقعات تشير إلى استمرار النمو في الطلب على كل مصادر الطاقة وعلى رأسها النفط حتى مع الاحتياطات التي ستأخذها الدول للترشيد وإدارة الطاقة بكفاءة والتقدم التقني المتجه إلى استخدام الطاقة بشكل أمثل.
النووي الإيراني في قلب التوازنات
تأتي التطورات المتعلقة باليمن وتأثيرها على اقتصادات المنطقة في وقت تتزايد فيه مخاوف الأسواق من ارتفاع وشيك في صادرات النفط الإيراني في حال توصلت طهران إلى اتفاق نووي نهائي مع القوى الغربية ينهي العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها ويعيدها إلى مسرح الأحداث الدولية من أبوابه الأمامية وليس الخلفية فقط. ويؤكد محللون إلى أن الاتفاق النووي الوشيك لطهران مع المجموعة الغربية سيزيد من إنتاج إيران وزيادة مخزون الطاقة في الأسواق الدولية وبالتالي تخفيض الأسعار. وقالت الدول المصدرة للنفط (أوبك) في بيان تحليلي لها إنها تعتقد «أن فائض المعروض العالمي الذي يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا سيتلاشى مع تسارع الطلب وأن الإنتاج الأمريكي قد يبدأ في التراجع أواخر 2015. لكن إذا تبين أن منتجي النفط الأمريكيين أكثر قدرة على التكيف فإن وفرة المعروض قد تستمر بل تزيد إذا توصلت القوى الغربية وطهران إلى اتفاق نووي هذا العام وهو ما قد يسمح لإيران في النهاية بزيادة صادراتها النفطية». ورغم نزول عدد منصات الحفر النفطية ما يربو على 40 في المئة منذ ارتفاعها إلى مستوى قياسي بلغ 1609 منصات في تشرين الاول/أكتوبر لا توجد علامات تذكر على تباطؤ الإنتاج الأمريكي.
وقال تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية التابعة لوزارة الطاقة «إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل يؤدي إلى رفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط الإيراني، فإن هذا يمكن أن يؤدي إلى تغييرات كبيرة في توقعات العرض والطلب والأسعار في سوق النفط. ورغم ذلك فإن توقيت وترتيبات تعليق هذه العقوبات ما زالت غير واضحة».
وتهدد عودة إيران الكاملة لسوق النفط بتأخير تحسن أسعاره حيث انخفضت الأسعار بأكثر من 50٪ منذ منتصف العام الماضي نتيجة الزيادة الكبيرة في المعروض. ويمكن أن تزيد إيران إنتاجها النفطي بمقدار 700 ألف برميل يوميا على الأقل بنهاية 2016. وتنتج إيران حاليا حوالي 2.85 مليون برميل يوميا. وتذهب توقعات إلى أن يصل إنتاجها 3 مليون برميل في اليوم. وكانت إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ألمانيا قد توصلت يوم 2 نيسان/أبريل الحالي إلى اتفاق إطار مبدئي حدد أسس المزيد من المفاوضات بين الجانبين من أجل صياغة اتفاقية شاملة لتسوية الملف النووي الإيراني بحلول 30 حزيران/يونيو المقبل. وبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن زيادة إنتاج النفط الإيراني عقب الرفع المتوقع للعقوبات ستؤدي إلى خفض أسعار النفط بما يتراوح بين 5 و15 دولارا للبرميل.
تذبذب الأسعار حتى الاستقرار
الصورة الضبابية لتطور الأحداث في المنطقة ستستمر حتى الفصل الثالث من السنة الجارية وفق توقعات الخبراء مع الإعلان النهائي للاتفاق النووي الإيراني مع المجموعة الغربية واتضاح معالم الأزمة اليمنية ودلالات نتائجها التي من الواضح أنها لن تكون غدا وستسمر فترة طويلة في ظل عدم تحقيق أي تقدم ملموس يشي بقرب استسلام الحوثيين وعلي عبد الله صالح وحلفائهم بما يضمن للسعودية اليسير من رهاناتها الاستراتيجية.
سليمان حاج إبراهيم