ملاحقة رموز تل أبيب أمام محكمة مجرمي الحرب واجب الجميع… والضغوط على صلاح لن تغير موقفه

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في صبيحة اليوم الثاني عشر للحرب التي ما زالت تذهل خبراء المعارك في العالم أجمع لما حققه رجال المقاومة من إنجازات ترقى لمستوى المعجزات، تركت المذبحة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مستشفى “المعمداني” أثرها في الرأي العام وأوساط النخب السياسية والاقتصادية وتجمعات المواطنين على مختلف توجهاتهم، وتوحدت مطالب الكثيرين حول ضرورة طرد السفير الإسرائيلي، وتجميد العلاقات مع الكيان الصهيوني وممارسة ضغوط حقيقية على واشنطن وتل أبيب بهدف وقف الاعتداء البربري على قطاع غزة. من جانبه أعلن الرئيس السيسي حالة الحداد العام في جميع أنحاء جمهورية مصر العربية لمدة ثلاثة أيام، على أرواح الضحايا الأبرياء لجريمة قصف المستشفى الأهلي المعمداني في قطاع غزة، وعلى جميع الشهداء من أبناء الشعب الفلسطيني الشقيق، فيما توعد سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق، سلطات الاحتلال، من خلال التعاون بين المحامين المهتمين بالقانون الجنائي الدولي مع اتحاد المحامين العرب؛ لتجهيز ملف لملاحقة المجرمين في المحاكم الدولية والمحلية، مشددا على أن ما تفعله إسرائيل جرائم حرب، هذا إلى جانب دعوته لزملائه المحامين لعمل ملف في الجنائية الدولية. كما دعا الدول العربية؛ لاتخاذ مواقف صريحة وعاجلة بسحب سفرائهم من تل أبيب، واتخاذ موقف واضح في ضوء التطور الخطير الذي تشهده الأراضي المحتلة. فيما أشاد حزب الوسط بصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في مواجهة العدوان الصهيوني الغاشم، وثمن تضحياته الكبيرة التي يقدمها في سبيل تحرير الأراضي المحتلة. وأكد حزب الوسط أنه «يستنكر الاستنفار العسكري وانحياز الحكومات الغربية السافر وغير المبرر للعدوان الصهيوني الذي أسقط قناع الحرية والعدالة الزائف، الذي كان يغلف الخطاب الغربي الرسمي، بشأن حقوق الإنسان والشعوب في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، مع أن الطريق إلى السلام في هذه المنطقة لن يتحقق بغير قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف». وأشاد بالأصوات الغربية المنصفة الشعبية والرسمية التي تتعالى من بين هذه الخطابات الرسمية، تنادي بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحياة الكريمة، وتدين العدوان الصهيوني الغاشم على هذا الشعب، الذي يستهدف بالأساس المدنيين منه، لاسيما الأطفال والنساء، على الرغم من حملات التضليل والزيف التي يقوم بها الإعلام الغربي. ويؤكد الحزب أهمية تمسك الشعب الفلسطيني في غزة بالبقاء في أرضه، وعدم الاستجابة لمطالب الترحيل والتهجير التي يسعى المحتل بها لتصفية القضية الفلسطينية.
ومن جانبها أصدرت نقابة المهن التمثيلية بيانا صحافيا لدعم تصريحات الرئيس السيسي حول تطورات الأوضاع في غزة، وجاء في البيان: “إن موقف مصر الراسخ إنما ينطلق من ثوابت وطنية خالصة تجاه القضية الفلسطينية، وبما يعمل على حماية الأمن القومي المصري، وبسط السيادة الوطنية على الأراضى المصرية كافة أهمها وأولها وآخرها أرض الفيروز سيناء”.. فيما حمّل رضا صقر رئيس حزب الاتحاد، إسرائيل عواقب ما ستؤول إليه أوضاع المنطقة حال استمرار تلك الحرب التي تشنها على غزة، والتي تتخطى فكرة الحرب على حماس، لما أبعد من ذلك وهو التهجير إلى سيناء، الذي سيكون خطوة لإقحام مصر في حرب مع الكيان الصهيوني، مشيرا إلى أن مصر دولة ذات سيادة وقادرة على حماية أمنها القومي ضد أي تهديدات ومخططات تحاك ضدها. وفي السياق ذاته وصف طارق نصير أمين عام حزب مستقبل حماة وطن، تفجير مستشفى المعمداني، وما سبقه من أعمال بأنها جرائم حرب ضد الإنسانية، ويعد استمرارا لجريمة الإبادة الجماعية التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، وسط صمت تام من قبل المجتمع الدولي..
وتعرض الإعلامي إبراهيم عيسى لهجوم واسع من قبل الكثيرين بسبب هجومه السافر على حركة حماس واتهامه إياها بأنها السبب في مقتل آلاف الفلسطينيين لعدم تشييدها ملاجئ محصنة لحمايتهم من القصف.
شعب عصي

على طول ذلك القرن تبدو مأساة فلسطين في القلب من كل ما يجري. في مرآتها رأينا آثام تراجعنا وتخلفنا وديماغوغيتنا.. كما رأينا فيها أوهاما تتساقط عن خيرية لنا دون أن نكون أهلا للخيرية، وأوهاما تتساقط عن وعد بالنصر لا نأخذ بأسبابه. كما أن يقيني أننا سنرى في آخر فصولها حقائق الإنسانية الجديدة. قد يبدو والكلام للدكتور مصطفى حجازي في “المصري اليوم” أن جديد فلسطين دائما لا جديد.. فهى قسمة بين بشر متجبر يعرف ماذا يريد من الحياة ويقتنصه.. بشر ينشد في العلم الهداية، وبين بشر بائس يرضى بالدنية في كل شيء.. يخاصم العقل.. وعلى هذه الأرضية يبقى حديث الصفقات ويجهز له.. ولم لا فلا جديد. في جوهر إنسان عالمنا الكبير وعالمنا العربي تعتمل رؤى أخرى للحياة وللحرية وللصواب وللآثام.. فليس إنسان فلسطين وعالمنا العربي اليوم كإنساننا الذي صرعته النكبة، أو كالذي مضى ضالا أعمى إلى حتف النكسة، أو كالذي انطلت عليه أوهام الصحوة، أو كالذي ما زال يقاوم حلمه. قد تكذب إسرائيل وكل من وراءها بإعلام تملكه ولا يباريها فيه أحد.. قد يشيطنوننا.. قد يأفكون علينا.. قد يكسبون بعضا من قطاعات الساسة والحكومات ومن حولهم.. قد تكون قنواتهم وصحفهم محتكرة للأثير سمعا وبصرا.. ولكن تبقى شهادات من يوثق وينشر على شبكات التواصل أكثر صدقا.. وهم إنسان ما بعد المعلوماتية. قد يهرول المرجفون لإتمام صفقة الصفقات.. بعد صفقة «بلفور».. وبعد صفقة «تقسيم فلسطين».. وبعد صفقة «قيام إسرائيل».. وبعد صفقة «السلام» الواهي من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى وادي عربة إلى العقد الإبراهيمي.. وما ثبت من تهافتها وعجزها عن إقرار سلام، ناهيك عن إعادة حق.. ولكنها صفقة ستبقى معلقة بخيوط عنكبوت – لأوهام نفر قليل – ما تلبث أن تكون أوهن من استفاقة ضمير واستنفاره رأيناها في أزهر يسطع بالحق ويصدح به.. ونراها في غضب مكتوم في نفوس شعب واعٍ يراقب ولا ينفث غضبه المستحق حِكمةَ، لا خوفا. في إنسانية جديدة.. قادرة على قراءة أكثر حكمة لحقائق الصراع ولتعريف النصر فيه.. فيها صدح بالحق يتجاوز لغة الجيوسياسة النحاسية وأدبيات صراع القوى الكبرى.. وفي أمة ستبزغ من جديد بعد أن استهلكت كل حجج الوصاية عليها.. ولن تستطيع أن تمضي في انكفائها نبلا وإعذارا.. سيكون جديد هذا القرن الفريد.. الجديد القادر أن يحيل «صفقة» القرن إلى «صفعة» القرن. والأيام حُبلى.

الصمت خيانة

قصفت آلة العدوان الهمجي الإسرائيلية الأمريكية الأطلسية معبر رفح أربع مرات حتى مساء 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومع أن المعبر كما قال كارم يحيى في “المشهد” مصري فلسطيني، كررت قوة الاحتلال في غير مناسبة على مدى 10 أيام من عدوان الإبادة الأخير الجاري على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الرسالة الوقحة الإجرامية ذاتها: نحن من نقرر متى نفتح المعبر؟ ولمن؟ وبأي شروط؟ وظل العالم لا يرى أفعالا أيضا تجاه الجريمة الجارية في معبر رفح، بل ولا يسمع عبارة واحدة واضحة مفهومة تقول مباشرة لواشنطن وتل أبيب: لا.. كفى جرائم ضد الإنسانية واعتداء على سيادة مصر.. أوقفوا الحصار، افتحوا معبر رفح على الفور. لا فعل ينجز، ولا كلمة قوية واضحة. وكأنه لا يكفي المساواة العار بين القاتل وضحاياه، وعباراتها الفضيحة من قبيل: “وقف التصعيد” و”إدانة الاعتداء على المدنيين من الجانبين”، والتنكر لحق المقاومة المشروعة وبالقانون الدولي ضد المحتلين جنودا ومستوطنين. والأنكى أن يجلس القادة والمسؤولون العرب في استقبال حضرة مجرم الحرب الصهيوني العنصري بلينكن، وهم يستمعون دون اعتراض أو تحفظ على إعلان أن هدف الحرب هو إزالة حماس”الإرهابية”، وجعل غزة خالية من سلاح المقاومة. سقط مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 “كنز إسرائيل الاستراتيجي”، كما صرح قادتها، وهو يحمل وزر وعار المشاركة في حصار غزة، خاصة مع عدوان 2008/2009. واليوم الموقف أكثر جدية وخطورة والمقاومة الفلسطينية صامدة وأقوى. وتستحق الدعم والمساندة، لا التنكر والإنكار، والتواطؤ مع محاولات عزلها عن شعبها بالمجازر المتواصلة والعقاب الجماعي والجرائم الهمجية البربرية. والكلام والنقاش إسرائيليا وأمريكيا أصبح بين خيارات عدة منذ أيام عن إعادة غزة لمسؤولية الدولة المصرية بعد “إزالة حماس” وكل المقاومة مقابل بعض الأموال، وإسقاط ديون يستحق الاهتمام والرد، وبقدر ما يثار عن “تهجير/ ترانسفير” لا يمكن أن يقبله الفلسطينيون. ولكل أصحاب الفخامة والسمو والسعادة المهتمين أولا بطول بقاء أبدي على مقاعد الحكم، ولو بقمع الشعوب وبدوام رضا قوى العدوان ومن بوابة انتخابات ليست انتخابات: التاريخ لن يرحم.

لن يطالعها

سؤال يوجهه كل مصري.. وكل عربي، بل كل إنسان لا يزال يحتفظ بإنسانيته.. يقول الدكتور أسامة عبد العزيز في “المصري اليوم”: سؤال موجه لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية أم الديمقراطية المزعومة.. ورؤساء الدول الأوروبية التي تسري في عروقهم مبادئ الاستعمارية والعبودية.. سؤال في موضعه بعد أن سقطت كل الأقنعة الكاذبة، وبعد أن ظهرت وتأكدت ازدواجية الوجوه والتناقض بين الأقوال والأفعال، من يصدقكم إذا تدخلتم في شؤون الدول تحت شعار حقوق الإنسان.. أي حقوق تفوق حق المواطن الفلسطيني الذي يعيش في ظلام ليل نهار.. مواطن يقتل وهو في المستشفى، مواطن يشرب ماء ملوثا، أي حقوق وأمامكم أطفال إبرياء يموتون إما ضربا بالصواريخ أو الموت جوعا وعطشا.. من يصدقكم إذا دعيتم إلى مؤتمرات لإنقاذ البشر، وأنتم تشاهدون البشرية يقصفون بشبه قنابل نووية. حقا كانت وستظل أيديكم وعبر كل العصور ملطخة بدماء الشعوب ونهب ثرواتهم.. فرنسا بلد الثقافة والنور، ماذا تقول أمام الظلام الدامس في غزة، بل يمنعون بالقوة من يعترض على سياساتهم. أمريكا حاضنة كل الأجناس في دستورها. أين هذا الدستور وأنتم تشاركون في إبادة البشر علنا دون حياء.. أنا لن أوجه السؤال لإسرائيل لأن تاريخها في الدموية وسفك الدماء تملأ صفحات، بل مجلدات، وإنما السؤال إلى مدعي الحرية والإنسانية وقد تجردوا تماما من أي إحساس بالإنسانية.. يا صانعي المجازر كفاكم شعارات مزيفة.. ومبادئ وهمية اسمها الحرية والديمقراطية.. من يترجم هذا المقال لرئيس الولايات المتحدة العنصرية.. الأمريكية.. ومن يترجم هذا المقال لأوروبا أم الحضارة، وهي تفتتح في غزة محلات للجزارة.

لماذا جاءت؟

القوات الأمريكية التي تتدفق الآن إلى مياه المتوسط ما بين حاملات الطائرات والبوارج والطائرات تطرح تساؤلات كثيرة خاصة أن إسرائيل ترحب بهذه الحشود وهو ما أثار دهشة فاروق جويدة في “الأهرام”: أرسلت تركيا حاملة طائرات وأعلنت إيران أنها لن تسمح بإبادة الشعب الفلسطيني في حين أن حزب الله دخل المعركة، وبدأ في قصف المواقع الإسرائيلية في مزارع شبعا.. وقامت المظاهرات تندد بالقمع الإسرائيلي وحتى الآن لم يصل وزير خارجية أمريكا إلى نتائج مرضية في العواصم العربية، التي ما زالت تدور في مطالب تتسم بالغموض وعدم المصداقية.. المعركة يمكن أن تنطلق في أي لحظة من أي طرف من الأطراف.. أمريكا يمكن أن تشعلها وحلفاء أمريكا، خاصة دول الاتحاد الأوروبي يمكن أن يشاركوا في إشعالها.. وهناك حسابات كثيرة بين أمريكا وإيران، وبين أردوغان وأمريكا وينبغي أن لا نتجاهل روسيا والصين وكوريا الشمالية.. وأمام كل هذه القوى التي تتجمع على حدود مصر وثروتها البترولية في شرق المتوسط التي تتخفى في صفقة القرن، وهي حلم لن تفرط فيه أمريكا وإسرائيل، لأن سيناء ما زالت هي الحل مهما كان الثمن حربا أو سلاما.. وأمام هذه الحشود العسكرية بكل إمكانياتها يقف العالم العربي متسائلا حائرا عن مستقبل القضية الفلسطينية وشعبها أمام المؤامرات الكبرى، وما يسمى صفقة القرن أو كارثة العصر. إن المواجهة تحتمل أكثر من سبب، هل هي منابع البترول الجديدة التي قد تصبح بديلا لبترول الخليج إذا نفد.. أم هي حماية إسرائيل، أم هو احتلال جديد، أم هي إبادة لشعب أعزل، أم هي منطقة صراع للقوى الكبرى أم هي حرب يجرب فيها الكبار أسلحتهم الجديدة؟

الأفكار لا تموت

المقاومة التي تتوعد إسرائيل الفلسطينيين وتعد شعبها باستئصال شأفتها من غزة “فكرة” وليست “تنظيما” وفق ما يصر على ذلك الدكتور محمود خليل في “الوطن” : بإمكان إسرائيل أن تقتل مَن تقتل من المدنيين، أو من عناصر المقاومة، بمقدورها أن تهدم البيوت فوق رؤوس الآمنين، في يدها أيضا أن تدمر البنية التحتية والمرافق والخدمات التي يعتمد عليها أهل غزة في حياتهم، لكنها بحال لن تستطيع أن تقضي على الفكرة، فكرة المقاومة التي باتت الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني، إذا لم تقم له دولة ينال فيها كافة حقوقه، يستعيد بها أرضه إلى حدود ما قبل يونيو/حزيران 1967، ويسترد بها عاصمته في القدس. المقاومة فكرة لا تموت، بل تخرج من قلب الموت. هؤلاء الأطفال الذين ينظرون إلى نظرائهم ممن أراقت آلة القتل الإسرائيلي دماءهم هم من سيواصلون مشوار المقاومة، وسوف يخرج من بينهم من يحمل الراية جيلا بعد جيل، ليثأر لطفولته المهدرة، وشبابه اليائس، ورجولته الجريحة، وشيخوخته التي لا يرحمها أحد. الجريمة التي ترتكبها إسرائيل حاليا في غزة سوف تمنح المقاومة حياة أفضل، حتى لو تمكنت آلتها العسكرية من تفكيك أوصال الفصائل الفلسطينية جميعها، فسوف يخرج من بين ركام البيوت والمنازل والمستشفيات من يشهد أن المقاومة هي السبيل الوحيد والطريق الأنسب لمواجهة إسرائيل.

هكذا تحيا

خلود الفكرة، حتى لو فُني الفصيل الحامل لها مسألة لا يقول بها الواقع فقط، بل كما أوضح الدكتور محمود خليل تؤكدها حقائق التاريخ أيضا. على سبيل المثال عانى العديد من الدول العربية من الاحتلال الغربي لعشرات السنين، في مصر احتل الإنكليز البلاد منذ عام 1882، وكان بعض المهزومين يرددون أنهم لن يخرجوا أبدا، لكن المقاومة كان لها رأى آخر، وظلت تطارد الإنكليز بالبلاد حتى خرج آخر جندي منهم بعد اتفاقية الجلاء عام 1956، كذلك كان حال المقاومة في ليبيا حتى خرج المستعمر الإيطالي منها، وحال المقاومة في الجزائر حتى خرج المحتل الفرنسي منها. فالمقاومة هي الخيار الأمثل في مواجهة الاستعمار الاستيطاني. من رحم القصف الإسرائيلي طيلة العقدين الماضيين، خرج الجيل الذي أذاق المحتل مرارة الانكسار يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول وما بعده، ومن رحم القصف العشوائي الذي أمطرت به غزة الباسلة على مدار الأيام الماضية سيخرج جيل جديد أشد تمسكا بفكرة المقاومة. إن حجم المتفجرات التي ألقيت على غزة أدى إلى إخفاء أحياء بكاملها، وانتهاء أثر عائلات بمجملها، بعد أن استشهد كل من يحمل اسمها.. من وسط الحطام سوف يخرج ذلك الجيل الذي تنبأ به الشاعر الراحل أمل دنقل في ختام قصيدة «لا تصالح»، ويصفه قائلا: «وغدا.. سوف يولد من يلبس الدرع كاملة.. يوقد النار شاملة.. يطلب الثأر.. يستولد الحق.. من أضلع المستحيل». سوف يخرج الجيل المنتظر، جيل النبوءة، من رحم «المقاومة» التي تعيشها غزة حاليا، وسوف يكمل المهمة التي بدأها الجيل الحالي من «شباب 7 أكتوبر» الذي كشف هشاشة الإسرائيلي، الذي لا يجيد سوى قتل النساء والأطفال والتعطيش والتجويع وإظلام الحياة.

راعية العار

ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية كما يصفها محمد بركات في “الأخبار” تقوم بدورها المخزي، في حماية وخدمة الدولة الصهيونية والعنصرية إسرائيل، وتتخذ من أجلها المزيد من الإجراءات الحمائية والقرارات الداعمة والمساندة، بالمخالفة للقانون الدولي والإنساني، ضاربة عرض الحائط بالشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان. وفي هذا السياق لم تتورع الإدارة الأمريكية، عن أن تعلن انحيازها الكامل لإسرائيل فور وقوع «طوفان الأقصى»، وأعلنت تبنيها الكامل لكل ما تقوم به إسرائيل من عدوان غاشم على غزة، وما أعلنه نتنياهو وحكومته من أكاذيب عما جرى، حتى قبل أن تتبين الإدارة الأمريكية حقيقة ما حدث وما وقع. وفي هذا الإطار لم يخجل الرئيس الأمريكي بايدن من أن يُردد الادعاءات والأكاذيب التي أعلنها نتنياهو، عن فظائع وجرائم ارتكبها رجال المقاومة الفلسطينية، خلال هجومهم على المستوطنات الإسرائيلية في طوفان الأقصى، ولم يكلف الرئيس الأمريكي نفسه عناء التأكد من صحة المعلومات التي راح يرددها، ولو كان قد فعل لكشف كذبها وعدم صحتها. ليس هذا فقط، بل سارع الرئيس الأمريكي لإعلان دعمه الكامل لإسرائيل في عدوانها الوحشي على قطاع غزة، وقام بإرسال حاملة الطائرات الأمريكية الأضخم «جيرالد فورد» إلى شرق المتوسط، لتأكيد هذا الدعم وتلك المساندة عمليا. وفي الوقت ذاته طالب كل القوى الدولية بالوقوف مع إسرائيل، ودعمها في مواجهة المقاومة الفلسطينية، التي وصفها بالإرهابية والداعشية، بما يستوجب في رأيه القضاء عليها واقتلاع جذورها من الأراضي الفلسطينية. ولم يتوقف بايدن عند ذلك، بل أطلق تحذيرات شديدة لكل الدول الإقليمية والدولية، من مغبة القيام بأى دعم للجانب الفلسطيني، وكرر تأييده وأمريكا لحق إسرائيل الكامل في الدفاع عن نفسها، بينما لم يذكر على الإطلاق حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم، أو حتى حمايتهم من حرب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل ضدهم. وفي ظل ذلك كله، أحسب أنه بات واضحا ومعلنا لنا ولكل العالم، الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل.. وأن حرب الإبادة والمذابح التي تقوم بها إسرائيل في غزة تتم بموافقة أمريكية، بل بمساندة ودعم أمريكى كامل، وبات مؤكدا أن أمريكا هي الراعي الرسمي لإسرائيل.

كل التقدير

لا يملك المرء وفق تعبير خالد أبوبكر في “الشروق”، إلا الشد على أيادي الشعب الفلسطيني الأعزل، والتضامن معه بكل المعاني والعبارات، فلا أظن أن شعبا في العالم عانى ما يعانيه هذا الشعب العظيم جيلا وراء جيل، ولا أعرف شعبا قدّم من دماء أبنائه وحريتهم من أجل الحفاظ على قضيته حية متقدة مهما حاول أعداؤه الإجهاز عليها مثله؛ فالتحية والدعم والمساندة واجبة لهذا الشعب الصامد المرابط. تعرض هذا الشعب إلى الكثير من الافتراءات بفعل الدعاية الصهيونية، وبفعل الكثير من الأنظمة العربية التي واكبت النكبة وما تلاها، وكانت تريد أن تنفض أياديها من الهزيمة والفشل في الحفاظ على عروبة فلسطين، فأشيعت كذبة «الفلسطينيين الذين باعوا أرضهم»، الحقيقة أنهم لم يبيعوا أرضهم، لكنهم طردوا وهجروا منها بقوة السلاح، وبفعل المجازر التي تعرضوا لها على أيدى العصابات الصهيونية، فيوم صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 كان تعداد اليهود في فلسطين لا يتجاوز ربع سكانها، وكانت ملكيتهم أقل من 7% من أرضها.. ولم تلتهم الصهيونية الأرض الفلسطينية وتتمكن منها إلا بالتهجير القسري وبقوة السلاح، وما زالت تريد أن تفعل ذلك حتى اليوم في 2023.. وقد قدم العدوان الحالي على غزة نموذجا عمليا على الكيفية التي طرد بها الشعب الفلسطيني من أرضه. كانت السياسة الصهيونية خلال الفترة التي تلت قرار التقسيم تستهدف التهجير القسري (الترانسفير) للسكان العرب سواء من الأرض التي ضمها قرار التقسيم إلى الدولة اليهودية أو إلى الدولة العربية؛ لذلك راحت «الهاجاناه» وغيرها من العصابات الصهيونية ترتكب المجازر الوحشية في القرى والبلدات الفلسطينية لدفع سكانها إلى الرحيل، سواء إلى مناطق محددة في فلسطين (غزة والضفة)، أو إلى الدول المجاورة عبر خطة كانت معدة سلفا تحمل اسما كوديا هو «دالت»، بهدف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وإحلال مستوطنات إسرائيلية محلها.

نضالهم خير شاهد

تابع خالد أبوبكر إلقاء الضوء على التاريخ المجيد للنضال الفلسطيني: في 20 يناير/كانون الثاني 1948 صدر الأمر التنفيذي من قيادة «الهاجاناة» بالهجوم على قرية «عرب صقرير» متضمنا «تدمير البئر الموجودة في القرية.. وتدمير القرية تماما، مع قتل الرجال البالغين وتدمير التعزيزات التي تصل لنجدتها»، وجرى التدمير بالفعل واختفت القرية من الوجود باستثناء بعض الشواهد بحلول 25 من الشهر نفسه. في منتصف فبراير/شباط 1948 دمرت قوات «الهاجاناه» قرية «قيسارية» القريبة من حيفا، وطردت سكانها منها. لكن التطبيق الواسع من قبل العصابات الصهيونية و«جيش الدفاع»، للخطة «دالت» لتهجير الفلسطينيين من قراهم بدأ خلال مارس/آذار من السنة نفسها، وكانت الحلقة الأكثر إثارة ودموية منها خلال الشهر التالي، أي في أبريل/نيسان، حيث اتبعت تلك العصابات أسلوب المذابح كاستراتيجية لها من أجل تهجير أكبر عدد من سكان القرى الفلسطينية الواقعة ضمن مناطق الدولة اليهودية المقترحة والقريبة من مناطق الاستيطان اليهودي في عموم فلسطين. ففى 9 أبريل وقعت مجزرة «دير ياسين» الواقعة غربي القدس، التي مثلت نموذجا بشعا للإبادة والطرد الجماعي للسكان الفلسطينيين نفذها مقاتلون من عصابتي «الإرجون» و«شتيرن» الصهيونيتين، وسبقتهما سيارات مصفحة حاصرت القرية. راح ضحية تلك المجزرة نحو 250 من الرجال والأطفال والنساء والعجزة، حسب المصادر العربية والفلسطينية، و109 حسب المصادر الغربية. في منتصف مايو/أيار 1948 تم قطف ثمار الوحشية الصهيونية بإعلان قيام دولة إسرائيل، وخلال الفترة بين مايو وأغسطس/آب من العام نفسه تم تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من قراهم. كما اتخذت قرارات بمنع العرب من العودة إلى منازلهم. وتم توطين اليهود الجدد في القرى والمدن المهجرة. الفارق بين ما جرى في 1948 واليوم على صعيد مساعي إسرائيل إلى تهجير الفلسطينيين ليس في تضاعف قوة النيران والوحشية الإسرائيلية، بل في وعى الشعب الفلسطيني، وإيمانه بأن تمسكه بالأرض حتى لو مات عليها أفضل وأشرف ألف مرة من التشرد في بلاد الناس.

النصر آت

الآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة التي تهدم وتدمر وتقتل ولا تفرق بين طفل وشيخ، بين عسكري ومدني. يعتقد من يقفون خلفها أنهم سيعوضون ما فعله الفلسطينيون يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، لكن لا شيء وفق ما يرى رفعت رشاد في “الوطن” يعوض، فالصفعة سُمع صداها في كل أنحاء الكرة الأرضية ومهما فعلت إسرائيل فإنها لن تعيد عجلة الزمن لتصحح ما فعله الأبطال. فليهدموا البيوت فهم لا يجيدون إلا الهدم والتدمير والقتل، لكن فلسطين ستنتصر. بدأ العالم يتحرك. ستعقد مصر مؤتمرا دوليا يحضره الرؤساء لوقف نزيف الدم، لكن وقف نزيف الدم لا يعني وقف الحديث عن القضية الفلسطينية، بل سيكون بداية لحسم الأمر، لأن المقاومة لن تتوقف حتى لو لم تتحرك الضفة الغربية، التي كان يجب أن تتحرك وتساند أهلها في غزة، فالضفة الغربية فيها منظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات المقاومة، لكن شجعان غزة دبروا أمرهم واستعدوا للمواجهة الحاسمة التي قد يكون موضع إسرائيل بعدها غير ما قبلها. فليستشهد الآلاف لكن فلسطين لن تموت، فلتدمر المباني، لكن إرادة الشعب المقاوم لن تضعف. نرى على الشاشات بسطاء الناس الذين فقدوا أبناءهم لكنهم لم ينكسروا ولم يتخاذلوا. المظاهرات تتوالى في مدن العالم الكبيرة وحتى في أمريكا وأوروبا، الضغط على الحكومة الإسرائيلية في الداخل يجعلها في حالة توتر، عدم الحديث عن الأسرى الذين يزيد عددهم يثير الإسرائيليين. ماذا ستفعل إسرائيل في مسألة الأسرى، هل تتركهم لمصيرهم؟ هل تتسبب قوتهم الغاشمة في قتلهم؟ هل تقتحم غزة وتواجه 2.5 مليون إنسان قادرين على حمل السلاح وضربهم بالحجارة؟ لطالما صمدت غزة أمام الحملات والضربات الصهيونية على مدى عقود من الزمن، لكن إسرائيل لن تصمد ولا يمكنها أن تصمد، فلتأت أمريكا بقضها وقضيضها، وليأت أذيالها الأوروبيون وراء سيدتهم، لكن فلسطين لن تنهزم ولن تركع.. جينات شعبها مشبعة بالمقاومة.. بالرفض للاحتلال والإذلال. مصر لن تترك فلسطين وفيها أشقاء لنا. مصر لن تترك أمنها القومي تحت رحمة أيا من كان. مصر تخطو خطوات مدروسة لإنقاذ الأشقاء وحماية أمنها القومي وحدودها وتعمل على حل جذري للقضية الفلسطينية.

درس للتاريخ

ليس من المستغرب كما أوضح طارق يوسف في “الوفد” أن تتسابق الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في دعم الصهاينة بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، الذي أذل فيه العشرات من أبناء شعب فلسطين كبرياء الكيان السرطاني في منطقتنا العربية، وهذا السباق وهذا الدعم غير المحدود من الأسلحة والطائرات والإمكانيات لإسرائيل، لم يكن إلا لتهدئة روع اليهود الذين تكدسوا في المطارات والموانئ هربا من المواجهة مع الشباب الفلسطيني الحر، ولجوؤهم مرة أخرى إلى هذه الدول الاوروبية التي تخلصت من أجدادهم وآبائهم في غضون عامي 1939 و1941 عندما حرم الألمان اليهود بشكل منهجي من ممتلكاتهم، وأصبحت السياسة النازية المعادية لليهود آنذاك أكثر شراسة وتم تمييز اليهود بشارة نجمة داود، وتصدرت لافتات المحلات عبارة ممنوع دخول الكلاب واليهود، وبدأت عمليات ترحيلهم الأولى من ألمانيا إلى الأحياء اليهودية في الشرق، وكان النازيون ينفذون خطتهم لقتل كل يهودي في الأجزاء التي تحتلها ألمانيا من أوروبا، وخلال الحرب العالمية الثانية، لم يقتل الألمان ملايين البولنديين من اليهود وغير اليهود فحسب، بل قاموا أيضا بالتطهير العرقي لملايين من ذوى الأصول البولونية عبر الترحيل القسري، لإفساح المجال للمستوطنين الألمان المتفوقين عرقيا. وقد أودت عمليات الإبادة الجماعية بحياة 2.7 – 2.9 مليون يهودي بولندي و1.8-2.77 مليون بولندي غير يهودي، وفقا لمعهد إحياء الذكرى الوطني (IPN) التابع للحكومة البولندية، إذا يحق لألمانيا ألا تتردد ولو لحظه واحدة في وضع طائرتين مسيّرتين حربيتين من طراز «هيرون تي بي» تحت تصرف إسرائيل، لكي تستخدمهما في ردّها على الهجوم المباغت الذي شنّته عليها حركة حماس، في التوقيت نفسه، الذي امتنعت فيه ألمانيا عن إرسال دبابات ليوبارد إلى أوكرانيا. ووضعت وقتها الولايات المتحدة في موقف صعب بخذلانها أمام حلف الناتو، وكأن لسان حالها يقول (بيدى لا بيد عمرو)، خصوصا أن ألمانيا عانت ولا تزال من جراء سداد تعويضات حرق أجدادهم من اليهود في أفران الغاز. الأمر نفسه تعرضت له بريطانيا، صاحبة أكبر جريمة في التاريخ، عندما أعطت وعدا بإقامة وطن يهودي على الأراضي العربية عام 1917على يد آرثر جيمس بلفور.

دعوه وشأنه

مجرد وجود نجوم الكرة العرب والمسلمين في أوروبا (وعلى رأسهم نجمنا محمد صلاح) كان عاملا إيجابيا في تهدئة الأجواء المشتعلة تأييدا لإسرائيل.. بفعل مواقف سياسية وحملات من إعلام منحاز وسيطرة لقوى اليمين التي تسيطر عليها «الإسلاموفوبيا» والميول النازية. تابع جلال عارف في “الأخبار”: وجود النجوم العرب والمسلمين في كل الأندية الكبرى، ووجود الكثير من اللاعبين المسلمين أو ذوي الأصول العربية في المنتخبات فرض بعض التهدئة والتوازن في المواقف.. منتخب إنكلترا ـ على سبيل المثال ـ ألغى المسؤولون عنه قرارا برفع علم إسرائيل على الملعب أثناء مباراة دولية ودية بين المنتخب وأستراليا.. وفرض أن يكون الموقف حدادا على الضحايا من الجانبين تفاديا لشق صفوف الفريق، أو رفع بعض لاعبين علم فلسطين في المقابل، وعلى الطريق نفسه سارت الأمور في معظم الأندية، حيث فرضت على لاعبيها عدم اتخاذ أي مواقف تدعم هذا الطرف أو ذاك.. حرصا على وحدة الفرق وعدم دخول اللاعبين في صراع بسبب اختلاف المواقف من حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل.. وقد رأينا أن من خالف هذه التعليمات دخل في أزمة مع ناديه واتحاد الكرة. والأسوأ أن البعض معرض للمحاكمة بسبب أن بعض الحكومات لا تكتفي بتجريم العداء للسامية، لكنها ـ بسبب الابتزاز الصهيوني ـ تخلط بين العداء للسامية والعداء لدولة احتلال عنصري مثل إسرائيل، وبالتالي يصبح أي انتقاد لجرائم إسرائيل.. عداء للسامية. نجمنا محمد صلاح مرّ بتجارب صعبة، ودخل التجربة في أوروبا مع ظروف كانت فيها موجة العداء للأجانب والإسلاموفوبيا تتصاعد.. إنجاز صلاح لم يكن فقط في الملعب حيث أصبح واحدا من ألمع نجوم الكرة في العالم، إن لم يكن الأفضل، ولكنه أيضا قدّم نموذجا جميلا للاعب الملتزم في حياته، المعتز بأصوله المصرية، المجتهد في عمله، المعتدل في مواقفه.. وهو ما جعله «ملك ليفربول» ونجمه المفضل عند الجماهير في كل أنحاء العالم. فلنترك صلاح يختار طريقه، وكلنا ثقة في أنه لن يختار إلا ما يدعم مسيرته الناجحة، وما يفيد قضايا وطنه وأمته العربية.. ولنواصل دعمه ليظل هو ـ والعديد من نجومنا في الرياضة والفن والثقافة والعلوم ـ هم النماذج العربية المضيئة، في وقت يحاول فيه الأعداء تصوير العرب بأنهم «وحوش آدمية» ليبرروا جرائمهم النازية وحربهم المجنونة لإبادة الشعب الفلسطيني أو تهجيره لتصفية القضية على حسابنا.. وهو المستحيل بعينه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية