إسطنبول -«القدس العربي»: «الاقتصاد» كان كلمة السر التي منعت تدهوراً أكبر في العلاقات التركية الإيرانية التي شهدت طول الأسابيع الأخيرة تبادلاً غير مسبوق للاتهامات على خلفية الدعم التركي لتحالف «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران، لتعود القوتين الأكبر في المنطقة للممارسة السياسية السابقة المبنية على «دبلوماسية تحييد الخلافات».
وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني في العاصمة طهران، فاجأ أردوغان الصحافيين بالتركيز على الاتفاقيات الاقتصادية وأسعار الغاز بدلاً من الحديث عن الأحداث السياسية الملتهبة في المنطقة. وبدى أردوغان وروحاني أكثر دبلوماسية مما بدت عليه العلاقات في الأيام الأخيرة التي سبقت زيارة أردوغان لطهران، حيث شدد الزعيمان على أن إيران وتركيا متفقتان على إنتهاء الحرب في اليمن بأسرع وقت ممكن، ووقف نزيف الدماء هناك.
وفي الوقت الذي تدعم فيه طهران حليفها الأول نظام الرئيس السوري بشار الأسد سياسياً وعسكرياً ومالياً، عملت أنقرة على دعم المعارضة السورية المسلحة منذ بداية الثورة، وبات هدف إسقاط الأسد من أولى أولويات الرئيس التركي الذي تحملت بلاده عبء استضافة قرابة مليوني لاجئ سوري على أراضيها.
وأوضح روحاني، الثلاثاء، عقب مباحثات التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى التركي الإيراني الثاني، إن المباحثات تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين، والقضايا الإقليمية والدولية، مبيناً أن البلدين متفقان على تعاون اقتصادي مشترك، وبمشاركة دولة ثالثة، فضلاً عن توافقهما على تعزيز العلاقات بينهما في القطاع الخاص. وأشار، إلى أن القضايا التي تم تناولها في الاجتماع، تمثلت في النقطة التي تم التوصل إليها بشأن «اتفاقية التجارة التفضيلية» التي دخلت حيز التنفيذ، وأمن الحدود، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وقضايا أخرى، فيما أشار أن حجم التبادل التجاري مع تركيا، بلغ 14 مليار دولار أمريكي العام المنصرم، وأن البلدين يهدفان إلى رفعه إلى 30 مليار دولار، مع نهاية العام الجاري.
هذا الحجم من التبادل التجاري بين البلدين الجارين والذي نما خلال السنوات الأخيرة، كشف عن نجاح لدبلوماسية تحييد الخلافات السياسية والتركيز على جوانب الاتفاق بين البلدين، وهو ما دفعهما للعمل سريعاً على تدارك الخلافات الأخيرة والتأكيد على أهمية رفع حجم التبادل التجاري والعمل على حل الخلافات بشكل دبلوماسي بعيداً على الاتهامات الإعلامية.
وفي تعليقه على المفاوضات النووية بين إيران ودول 5+1، أكد روحاني أن تركيا لطالما قدمت دعماً لتلك المفاوضات، فيما تقدم بالشكر للرئيس أردوغان على تلك الجهود، كما أعرب روحاني عن اعتقاده بأن رفع العقوبات عن إيران التي ستفضي إليه، حل المشكلة النووية، سيكون له نتائج هامة، في عدد من المجالات بين تركيا وإيران.
وترى تركيا أن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران سيساعد على رفع مستوى التبادل التجاري بينهما، بالإضافة إلى أن طهران سيكون بإمكانها تصدير كميات أكبر من النفط والغاز الطبيعي وبأسعار أفضل وهو ما تسعى أنقرة للإستفادة منه كونها تعاني نقصاُ حاداً في مصادر الطاقة.
وتبيع إيران نحو 95 ٪ من غازها الطبيعي إلى تركيا، فيما تبلغ حصة أرمينيا من الغاز الطبيعي نحو 5 ٪، فضلًا عن أن الغاز الإيراني يلبي 20 ٪ من احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي. وتدفع تركيا لقاء كل ألف متر مكعب من الغاز المستورد من إيران 487 دولارا أمركيا، فيما تستورد الكمية نفسها من روسيا لقاء 418، ومن أذربيجان لقاء 340 دولارا أمركيا.
جدير بالذكر أن البلدين وقعا عقب المؤتمر الصحافي ثمانية اتفاقات، متعلقة بـ «الأكاديمية الدبلوماسية، والصحة والطب، والبيئة، والصناعة، والملكية الفكرية، وأعمال المرأة والعائلة، وتبادل البيانات الإلكترونية بين إيران وتركيا، بشأن حركة نقل البضائع الدولية».
وسبقت الزيارة التي كان معدا لها مسبقاً تحركات دبلوماسية كبيرة أكسبتها أهمية أكبر، حيث توقع المراقبون أن ترسم صورة أوضح لخريطة التحالفات الإقليمية في الفترة المقبلة بين أهم ثلاثة لاعبين في المنطقة وهما إيران وتركيا والسعودية كونها أتت في وقت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد الخلافات بين البلدين بعد توجيه أردوغان انتقادات قاسية إلى طهران ومساعيها للتوسع في المنطقة.
كما أن زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن نايف «المفاجئة» إلى أنقرة ولقائه أردوغان قبيل ساعات من توجهه إلى طهران زادت من أهمية الزيارة، وفتحت باب التكهنات حول النتائج المتوقعة لها وفرضية أن تكون السعودية قد أوصلت رسالة إلى طهران من خلال تركيا في مسعى للوصول إلى حل سلمي للأزمة اليمنية وبالتالي تنأى أنقرة بنفسها عن خسارة أي من القوتين «السعودية وإيران».
ويجمع المراقبون على أن أنقرة كانت أمام ثلاثة خيارات ربما تحددهما الزيارة، تتمثل في الدخول في الحلف السني السعودي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، أو أن تنأى أنقرة بنفسها عن الدخول في صراعات المنطقة بشكل مباشر، والخيار الثالث أن تلعب دور الوسيط بين طهران والرياض للوصول إلى حل حول قضايا المنطقة أو على الأقل في اليمن في الوقت الحالي.
وكانت العلاقات السعودية التركية التي لم تكن أحسن حالاً بكثير من علاقات أنقرة مع طهران، قد شهدت في الأسابيع الأخيرة تطوراً لافتاً، على وقع التحولات في المنطقة، ووصلت التكهنات إلى وجود تحضيرات ومساع حثيثة من قبل ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز لبناء تحالف إقليمي في المنطقة يضم تركيا ومحور الدول السنية لحسم العديد من الملفات الشائكة.
وبعد فترة طويلة من القطيعة، شارك أردوغان في جنازة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وألحقها بزيارة رسمية التقى خلالها بالملك سلمان وكبار المسؤولين السعوديين، وأخيراً زار محمد بن نايف أنقرة. لكن موقف أردوغان الثابت من نظام السيسي في مصر المدعوم بشكل مطلق من السعودية شكل عائقاً أمام تحقيق تقدم في هذا الإطار.
كما أن اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في شهر حزيران/يونيو المقبل، يمنع أردوغان من خوض أي مغامرة سياسية أو عسكرية قبيل هذه الانتخابات التي ينظر لها الرجل الأقوى في تركيا على أنها «مصيرية» في مسيرة حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ 2003، ولتحقيق حلمه في كتابة دستور جديد وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي.
وكان أردوغان اتهم في أواخر مارس/آذار إيران بالسعي لـ»الهيمنة» على اليمن فيما عبرت تركيا عن دعمها «عاصفة الحزم» وقال متسائلا إن «إيران تبذل جهوداً للهيمنة على المنطقة. كيف يمكن السماح بذلك؟» ودعا إيران المجاورة لتركيا إلى «سحب جميع قواتها من اليمن وسوريا والعراق».
ورد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف متهما أنقرة بتغذية زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وتم استدعاء القائم بالاعمال في سفارة تركيا في طهران إلى وزارة الخارجية الإيرانية التي طلبت منه «توضيحات» بشأن تصريحات اردوغان.
ويبدو أن أنقرة باتت تتخوف، كما الدول العربية والخليجية تحديداً من تبعات الاتفاق الموقع بين دول (5+1) وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وطهران حول البرنامج النووي الإيراني، دون مراعاة مصالح هذه الدول، الأمر الذي سيعزز النفوذ الإيراني في المنطقة لا سيما وأنها باتت تمتلك نفوذا واسعاً في كلاً من العراق وسوريا ولبنان وأخيراً اليمن.
إسماعيل جمال