طباخ الرئيس على الطريقة التونسية

حجم الخط
0

عادل العوفيلا أستطيع كتم غيظي ولا السيطرة على أعصابي كلما دنت تلك الساعة المشؤومة التي تجعلني حبيس برامج القناة الثانية المغربية (مع انعدام الاستثناءات في حالتي هذه) وبالأخص مع استفحال ‘ظاهرة’ دبلجة الأعمال التركية إلى اللهجة المغربية والتي باتت السمة الغالبة على الخريطة البرامجية لهذه المحطة ‘الآيلة للانفجار’ في أية لحظة، طبعا لا مجال لمناقشة نتائج الإحصاءات والاستفتاءات التي يستند عليها هؤلاء قصد لافتخار بالمنتوج الراقي الذي يقدمونه للمشاهد ذلك أن الموضوع يبدو مستهلكا ومثيرا للتقزز أكثر من أي وقت مضى. غير أن الشيء الذي لم يكن في الحسبان وجعلني أنا شخصيا اضرب أخماسا في أسداس يتمحور في الإقدام المفاجئ للقناة على عرض الفيلم الفلسطيني ‘خمس كاميرات مكسورة’ ليلة الأحد الماضي، قد يتساءل البعض عن مكمن الغرابة في الأمر فمن الطبيعي لأية قناة عربية أن تعمل على بث أعمال تؤرخ للقضية الفلسطينية ولو بين الفينة والأخرى (هذا في أكثر الحالات اهتماما) وما الضير في ‘إعادة التذكير’ بما يرتكب في حق هذا الشعب الأعزل كل يوم؟ بل بالعكس هي خطوة محمودة في ظل عدم الاكتراث وهذا التجاهل المخجل من لدن الفضائيات العربية المنغمسة في ما تجود به يوميات الربيع العربي (الذي استحال خريفا لأكبرها)، ولكن السؤال الذي ‘ازعم’ انه لم يخطر ببال الكثيرين (هذا إذا سلمنا بان نسبة المشاهدة التي تحظى بها القناة عالية كما يقال) أليست لسهام النقد اللاذعة التي وجهت لهم عقب عرض فيلم ‘تنغير القدس ..أصداء الملاح ‘دور في هذه ‘التوبة المفاجئة’؟ (كانت لنا في هذه الزاوية وقفة خاصة حول ذات الموضوع) وهل هذه الخطوة كافية لدرء تهمة ‘التطبيع’ التي أضحت لازمة شهيرة تطارد القناة أينما حلت وارتحلت؟، في نظرة بسيطة سنجد أن الدعاية لم تكن في مستوى عمل فني حصد العديد من الجوائز العالمية (اشدد على ‘العالمية’ لأننا صرنا نتعاطى معها كشكل من أشكال الإدمان) في مهرجانات من قبيل ‘أدفا’ بهولندا و’سندنس’ للأفلام الوثائقية بأمريكا، ويحمل قصة ذات أبعاد إنسانية محضة تتلخص في معاناة سكان بلدة ‘بلعين’ مع جدار الفصل العنصري المقام على أراضيها هي مسقط راس مبدع الفيلم المخرج الفلسطيني عماد برناط الذي عمل على توثيق ملحمة أهله من خلال استخدامه لخمس كاميرات أثناء رحلته هذه وتتعرض كلها للكسر عن طريق جنود الاحتلال وبالتوازي مع ما يلحق بهن يولد ابنه المسمى ‘جبريل’ الذي يرافق أباه في مسعاه ويشارك هو الأخر في صياغة العمل بل يعتبر احد أبطاله الرئيسين،ومن هنا يتضح جليا انه يستحق متابعة أوسع إلا إذا كانت مسالة عرضه امرأ يدخل في خانة ‘تأدية الواجب’ لا اقل ولا أكثر أو على غرار ما يصطلح عليه في الوسط الفني ‘يمر ملوحا’ وهو تعبير ينطبق على ‘الكومبارس’ وهذا شيء لم يعد مستغربا (أقولها بكثير من الأسى) في عصرنا الحالي رغم أنني وإحقاقا للحق وبعيدا عن الأهداف الرئيسية السالفة الذكر التي تقف خلف بث هذا العمل المميز لا مناص من الاعتراف بضرورة توجيه التحية لمن اشرف على اختياره للعرض كابلغ رسالة على ما يتحلى به أبناء هذا الشعب البواسل سواء حظي بالاهتمام الذي يستحق أم حدث العكس، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الحالية الأليمة التي تمر منها القضية الفلسطينية عموما وهذه نقطة ربما تشفع للقناة في تقصيرها الواضح في جوانب أخرى كان الأجدر الاعتناء بها على نحو أفضل كي يكتمل بهاء الصورة وننسى الكبوات الماضية شرط عدم مجاراة ذلك ‘الحنين’ الشيطاني إليها ..وللحديث بقية.. شخصية ‘خلود’ والخلود المزيف للقناة الثانية اعترف أنني وحسب مقاسات العصر الحالي متخلف من الدرجة الأولى إذ ظلت هذه الصفة تطاردني لفترات طويلة وأنا غير قادر على التكيف مع شروط بعينها تضمن للواحد منا اقتحام بوابة ‘التحضر ‘ وحتى التقدم،فمثلا ففي هذه الأيام بالمغرب صار كل من لا يتسمر أمام شاشة التلفزيون في تمام السابعة ونصف شخصا جاحدا ولا يحمل في قلبه البتة ولو ذرة من الرومانسية أسوة بأبطال المسلسل التركي المعاد دبلجته تحت عنوان ‘ماتنسانيش ‘ ولو انه معروف باسم بطلته ‘خلود’ طبعا لن أغوص في الحديث عن مميزات هكذا مسلسل رغم أنني وكغيري من الغيورين على إعلام هذا الوطن استهجن الحال التي وصل إليها الفنان المغربي الموهوب بطبعه وهو الذي أضحى يتوسل كي ينال عمله الرضا والقبول ويحظى بدقائق معدودة لعرضه على محطة هي أولا وأخيرا له ولزملائه وغيره مقابل كل هذه ‘الهرولة’ وهذا الولاء الأعمى والمثير للاندهاش لأعمال بعيدة كل البعد عن ثقافتنا وقيمنا ولا تمس أي جانب من مجتمعنا الذي يغص بالمشاكل التي ينشد المواطن العادي من يعكسها على الشاشة، والمتمعن في ما يعرض يوميا على هذه القناة سيكتشف حجم الاستحواذ الغير مبرر لهذه النوعية من المسلسلات والتي تعاد في أوقات أخرى وهنا أتساءل: هل تعاني قنواتنا من غياب الكفاءات القادرة على قيادتها إلى بر الأمان؟ وإذا كان الحال كذلك فلماذا يتم تهميشها وإجبارها على الرحيل وذلك بمضايقتها واستفزازها؟، البعض يقول أننا نبالغ بالدعوة في مناسبة أو من دونها إلى إعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي وانتشاله مما يعيشه حاليا ويعلل ذلك باستئناس الكثيرين مع جودة ما يقدم والدليل نسب المشاهدة الغير مسبوقة لأعمال من طينة المسلسل الذي تطرقنا إليه، وهذه وجهة نظر تحترم ولكن شريطة أن تتميز الخريطة الموضوعة بالتنوع وللناس في ما يعشقون مذاهب وهذا لا اختلاف ولا جدال عليه، ومن هذا المنطلق لا يجب السكوت على استمرار هذه المهازل اليومية التي تساهم في ترسيخ أفكار سلبية وغير دقيقة حول المرأة المغربية عموما وهي التي ينسب إليها غالبا الانتصار لهذه النوعية ولا ربما هي الشماعة الأبدية لتسويق هذه السطحية وهذا الابتذال ..ولهؤلاء أقول: لا تحلموا بالخلود على حساب القيم والأخلاق والمبادئ ..خلودكم هذه مجرد كذبة في طريقها إلى الزوال ..طباخ الرئيس على الطريقة التونسية حقا هي حلقة استثنائية تلك التي أتحفنا بها الزميل سمير الوافي في برنامجه ‘الصراحة راحة’ على قناة حنبعل التونسية حيث ارتأى مخاطبة مشاهديه من قصر قرطاج متجولا في كل أرجائه مستعيدا بذلك ذكريات كثير منها يحيل التونسيين على أيام الخيبة والعار والجبروت في ظل ديكتاتور جثم على صدورهم طويلا ودنس ولطخ كل بقعة داخله،ليس غريبا أن تسيل الحلقة الكثير من المداد بين منتقد ومشكك في عدة أشياء وبين مرحب ببداية عهد جديد كان للثورة اليد الطولى في نسج خيوطه بالرغم من أن المشوار لا يزال في بداياته من اجل إرساء قواعد دولة ديمقراطية حرة ينشدها الجميع (بشهادة الرئيس التونسي نفسه)،غير أن اللافت بالنسبة لي بعيدا عن كل ما تطرق له العديد من الزملاء والذي هم بالأساس شخصية الرئيس الدكتور منصف المرزوقي وظهوره المثير حيث البساطة وعدم التكلف وهي السمات المفتقدة في عهد المخلوع بن علي حتى أنني لاحظت ميل البعض إلى عدم تصديق تصرفات الرئيس الحالي وفي هذه نجد لهم أعذارا فما عايشوه في فترات سابقة حالكة السواد افرز عندهم هذه الخلفية التي لها ما يبررها، وبعيدا عن زهد وتقشف الدكتور المرزوقي (التي انحني لها) فان الفقرة الأبرز التي تابعتها باهتمام شديد تمثلت في دخول كاميرا البرنامج إلى مطبخ القصر الرئاسي والحديث الذي دار بين الإعلامي التونسي وطباخ الرئيس والذي كان اسمه بالمناسبة رضا ألعبيدي،هنا تبادر إلى ذهني فورا فيلم الفنان المصري طلعت زكرياء حيث أن شخصية الرئيس تتخذ من ‘الطباخ’ صلة الوصل بين النظام والشعب وبالخصوص مع إغراقه بالتقارير الكاذبة وبان المواطن يعيش في رغد دائم وينام في العسل (وهذا بعيدا عن الولاء الشديد للفنان المذكور للرئيس المخلوع الأخر حسني مبارك) الغريب هنا أن الآية انقلبت وصار الجميع ينتظر شهادة الطباخ حول راس النظام ليتعرف على كواليس القصر هذه المرة ويقتحم عالما ظل عصيا ومجهولا لعقود وهذا ما أدى إلى كل ذلك ‘النهم’ الواضح من لدن الزميل الوافي والذي اجزم انه لم ولن يشفي غليل التونسيين لمعرفة المزيد ولهذا انهال عليه هذا الأخير بسيل من الأسئلة حول وضعه السابق أيام بن علي والمأكولات التي يفضلها هذا الأخير ودور زوجته في هذا الأمر (حتى أنني شعرت بالشفقة على ذلك الطباخ المسكين)، رغم أن النقطة التي خرجت بها كاستنتاج من خلال تلك الفقرة أن ‘الطباخ’ بدا أكثر عقلانية واستنادا للتروي في إطلاق الأحكام مع حفاظه الواضح على أصول الأدب في الحديث عن نظام لا يختلف اثنين على غيه وجبروته وهنا أتساءل: أليست كلمات هذا الإنسان البسيط درسا يجب أن يقتدي به هؤلاء الإعلاميين الذين كانوا حتى الأمس القريب خير مدافعين عن ذلك النظام الفاسد؟ طبعا هذا لا يدخل في خانة الدفاع عن الأنظمة الفاسدة ولكن الحكمة والمستقبل يقتضيان من الجميع التحلي بروح المسؤولية ..وعلى الطباخ التونسي تنطبق الحكمة القائلة: لسان المرء حصانه أن يطأ به أو يوطئ به .. في انتظار طباخ ‘الريس’ المصري الحقيقي هذه المرة ..*كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية