الجزائر وليبيا: تناغم بين الموقفين الشعبي والرسمي

رشيد خشانة
حجم الخط
0

اندلعت في الجزائر يوم الأربعاء الماضي، مظاهرات شعبية حاشدة دعما لفلسطين وتنديدا بمجزرة مستشفى المعمداني والقصف الوحشي المستمر لقطاع غزة. وشملت المظاهرات، التي تجددت في الأيام التالية، العاصمة الجزائر ومحافظات البلد الثماني والخمسين، حيث هتف الرجال والنساء، والكبار والصغار، معا بشعارات التضامن مع الشعب الفلسطيني والدعوة لإسرائيل بالموت، بينما كانوا يرفعون الأعلام الفلسطينية. وشملت المسيرات مدنا بعيدة عن العاصمة بينها أم البواقي والنعامة وباتنة. والأخيرة هي مسقط رأس الرئيس الأسبق اليمين زروال، الذي سار في مقدمة المتظاهرين، معبرا عن تنديده بالمجازر الإسرائيلية، ودعمه للكفاح الفلسطيني. وشهدت الجزائر العاصمة وباقي الولايات، صباح الخميس، هبة شعبية كبيرة في إطار مسيرات تضامنية مع فلسطين عامة، وما يشهده قطاع غزة خاصة من عدوان إسرائيلي غاشم. وتجددت المظاهرات بزخم أكبر الجمعة، إذ انطلقت مسيرات شعبية حاشدة عبر مختلف المدن الجزائرية، بدعوة من عدة أحزاب سياسية ومنظمات أهلية، دعما للشعب الفلسطيني واستنكارا للمجازر التي يتعرض لها على أيدي قوات الاحتلال. وتجند أيضا طلاب الجامعات وبعض الثانويات للمشاركة في المظاهرات، مُرددين شعارات عدة تُعبر عن المؤازرة للكفاح الفلسطيني، تجسيدا للتعلق بالقضية الفلسطينية ونُصرة أصحابها، على نحو صهر الخلافات بين الأحزاب والمنظمات، وبين الدولة والنخب، انطلاقا من مركزية هذه القضية والاشعاع الذي تحظى به لدى العرب والمسلمين.

المتظاهرون
في الجزائر

تحرك المتظاهرون في الجزائر العاصمة، من ساحة أول مايو إلى ساحة الشهداء، أي أنهم جابوا وسط المدينة، هاتفين بصوت رجل واحد، تعبيرا عن التضامن مع فلسطين، وشجب الإجرام الصهيوني في مستشفى المعمداني وسائر المجازر المقترفة في غزة. كما شهدت باقي الولايات الجزائرية، بدورها، مظاهرات ضخمة في نفس الإطار. ويمكن اعتبار هذا الموقف الجزائري امتدادا للالتزامات الجزائرية إزاء القضايا العربية، منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين (1965-1978). وكانت الجزائر سمحت في عهده لقوات «العاصفة» الجناح العسكري لحركة «فتح» بتلقي دوراتها التدريبية في الجزائر. وكان الزعيم الراحل خليل الوزير (أبو جهاد) هو المكلف بالاشراف على تلك التدريبات. كما كانت الجزائر البلد الوحيد الذي قبل باستضافة الدورة الثامنة عشرة من دورات المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان المهجر) الذي أعلن في العام 1987 عن قيام الدولة الفلسطينية… لكن على الورق. بهذا المعنى حافظ عبد المجيد تبون على خط الاقتراب من القضية الفلسطينية، وقد تجلت تلك الرغبة في القمة العربية الأخيرة، التي استلم فيها تبون رئاسة مجلس الجامعة العربية. كما أبدى بشكل غير مباشر، امتعاضه من إقدام كل من المغرب والبحرين وعُمان والإمارات على إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية.
ومن الخطوات الرمزية البارزة التي قامت بها الجزائر، على خلفية الجرائم الإسرائيلية المقترفة في غزة، طلبُ وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، يوم الخميس، من جميع السفارات والبعثات والقنصليات العامة والقنصليات الجزائرية في الخارج، إلغاء كل التحضيرات المتعلقة بالاحتفالات التي تُقام سنويا تخليدا لذكرى انطلاق حرب التحرير في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954 التي تُوجت بالاستقلال، بعد ثماني سنوات.
يُذكر أن الجزائر سبق أن أقامت مستشفى عسكريا في مدينة عبسان بمحافظة خان يونس في غزة، وهو يقدم خدماته للمواطنين كافة، من مدنيين وعسكريين، كما يشتمل على عيادات خارجية تعمل يوميا على مدار الأسبوع.

رفض التهجير

أما ليبيا فجددت رفضها أية محاولة لتصفية القضية الفلسطينية والتهجير القسري لأصحابها، خارج قطاع غزة الذي يتعرض لعدوان غاشم منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في موقف أظهر انسجاما كاملا بين المستويين الرسمي والشعبي. وكان الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في جدة، مناسبة لتجديد هذا الموقف، على لسان المكلف بتسيير أعمال وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية طاهر الباعور، والذي قاد الوفد الليبي إلى اجتماع جدة.
ولوحظ أن تنازع الحكومتين الليبيتين على الشرعية لا يشمل القضية الفلسطينية، وتحديدا العدوان على غزة. وأتى هذا الانسجام بين جميع الفرقاء الليبيين في الموقف من القضية الفلسطينية، دليلا على أنها قضية جامعة، وأنها تحتاج إلى ضمان حرية التعبير وحق التظاهر دفاعا عنها. ولم يختلف الموقف الذي عبر عنه كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، عن فحوى خطاب الباعور في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن ليبيا رفضت تبني قرار مجلس الأمن الدولي بشأن العدوان على غزة. وأوضح طاهر السني مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن حق ليبيا في التصويت يخص «تبني القرار» وليس الموافقة عليه، إذ أن قرارات مجلس الأمن تتم بالتصويت بين الأعضاء الـ15 فقط. ولعرض أي قرار للتصويت يجب أن يكون هناك 9 دول لتمريره من داخل المجلس وليس من خارجه، وللدول الخمس الكبرى حق الفيتو. وأضاف السني أن الانضمام لأي قرار في مجلس الأمن هو إجراء شكلي فقط لتعزيز القرار دون تأثير على التصويت، مُبينا أن تبني القرار من أي دولة خارج المجلس، هو إجراء اختياري، ولا يسمح فيه بأي تحفظ أو اعتراض من تلك الدولة على ما ورد فيه مطلقا. وكشف السني أنه لم يكن هناك إجماع عربي على صيغة القرار الروسي، مؤكدا أن ليبيا وتونس والجزائر والعراق وسوريا من الدول التي لم تنضم لتبني القرار بسبب تحفظات محددة على بعض نقاطه.
واعتبر الباعور، من جهته أن المسؤولين العرب والمسلمين اليوم «أمام فرصة تاريخية لاستعادة ثقة الشعوب» في الموقف الرسمي، الذي لم يستطع، طيلة العقود الماضية، أن يكون مناصرا ومساندا للقضية الفلسطينية، على ما قال. وحض الباعور على «التحرك الاستثنائي والعاجل والحاسم» لإظهار موقف العالم الغسلامي والعربي الرافضين للتعنت الإسرائيلي. فيما استنكرت الحكومة الموازية برئاسة أسامة حماد صمت مجلس الأمن حيال قصف المستشفى المعمداني. وفي السياق أعلن الباعور رفض ليبيا المحاولات الإسرائيلية لإعادة احتلال قطاع غزة أو تقسيمه لقطاعات محاصرة ومتفرقة. وقال «نرفض التهجير القسري للفلسطينيين خارج قطاع غزة، وأي محاولة لفرض الأمر الواقع مثلما فرض تجاهلُ قضية اللاجئين الفلسطينيين في عامي 1948 و1967 وما تبعهما من تهجير ممنهج، عبر توسيع الاستيطان وتهويد القدس».

فاقت كل الجرائم

والمؤكد أن الحكومتين الليبيتين ستتنافسان بعد فتح المعابر، على تقديم المساعدة لقطاع غزة، والمساهمة في التعويض، وإن جزئيا، عن الخسائر المادية التي تكبدها الغزاويون، حسب نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، الذي قال إنها فاقت جميع جرائم الحرب. وأكدت وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية في بيان، أن قصف الاحتلال المتعمد لمشفى المعمداني هو «جريمة حرب يجب أن يعاقَب مرتكبوها» داعية المجتمع الدولي إلى «تحمل مسؤولياته الأخلاقية والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لوقف عدوانه فوريًا».
في السياق جددت الخارجية تأكيد موقف ليبيا الثابت من عدالة القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة لمطالب شعبها في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية. أما مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة طاهر السني، فأكد في تصريحات صحافية أن ليبيا لا ترضى بمساواة المقاومة بالاحتلال ولا المُعتدي بالمُعتدى عليه. وأوضح السني أن هناك عملا عربيا جادا وتحشيدا داخل مجلس الأمن، «لوقف الانتهاكات ضد الأشقاء في غزة» مضيفا أنهم يحاولون إيصال صوت الشعب الفلسطيني وحقه في وقف هذه الاعتداءات والانتهاكات، التي وصلت إلى مرحلة الإبادة الجماعية.
وفي خط مواز أكد نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية وزير الصحة المكلف رمضان أبوجناح خلال استقباله سفير فلسطين لدى ليبيا محمد رحال، استعداد بلده التام لدعم الفلسطينيين سياسيًا وصحيًا. والتقى أبوجناح السفير الفلسطيني مؤكدا لضيفه «استنكاره للجرائم المرتكبة من قبل الكيان الصهيوني بحق المدنيين في فلسطين وخاصة في قطاع غزة» وفق ما نشره المكتب الإعلامي لأبوجناح عبر صفحته على «فيسبوك». وأفيد أن السفير الفلسطيني قدم خلال اللقاء الشكر لليبيا وحكومة الوحدة الوطنية على موقفها في اجتماع جامعة الدول العربية وتحفّظها على قرار الأخيرة بالاكتفاء بإدانة الكيان الصهيوني فقط.
وتزامنا مع هذه المواقف، خرجت مظاهرات شعبية غاضبة في كل من العاصمة طرابلس ومصراتة للتنديد بقصف قوات الاحتلال الإسرائيلي، بينما حظرت ميليشيات خليفة حفتر أي حراك في بنغازي ومدن المنطقة الشرقية مؤازرة لفلسطين.
وطالب المتظاهرون في مصراتة كافة السلطات، وعلى رأسها حكومة الوحدة الوطنية، بإعلان دعمها لحركة المقاومة في غزة، وقطع العلاقات والتعاون مع الدول الغربية الداعمة للعدوان الإسرائيلي. كما عبر اتحاد طلاب جامعة طرابلس عن موقف مماثل إزاء ما يجري في غزة.
وفي شكل آخر من أشكال الدعم، جرت في الأيام الأخيرة حملات لجمع التبرعات لفائدة غزة لاقت تجاوبا كبيرا من الجمهور الليبي. وأفاد الدكتور مصطفى رحاب، الباحث في أحد مراكز الدراسات بطرابلس أن المسجد الذي يصلي فيه جمع في ليلة واحدة 14 ألف دولار، مؤكدا أن الليبيين والليبيات سيقبلون أكثر على التبرع لفلسطين في الأيام المقبلة. أما وسائل الإعلام المحلية فنقلت صورا من هذا الحراك التضامني، وساعدت على مواكبة الفعاليات، التي تنظمها هذه الفئة أو تلك، مُناصرة لغزة وأهلها، ولا سيما بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية