عاموس هرئيل
إطلاق سراح المخطوفتين الأمريكيتين مساء أول أمس يبدو أنه خطوة طلبتها الولايات المتحدة كـ “رسوم جدية” لحماس. تحاول واشنطن فحص وجود احتمالية لترتيب قناة لإطلاق سراح جزء من المخطوفين مقابل تسهيلات إنسانية هي أهم للسكان الفلسطينيين الذين تم زجهم إلى جنوب قطاع غزة، وإعطاء إمكانية للمواطنين الأجانب للخروج من معبر رفح إلى مصر. الولايات المتحدة وقطر تريدان إطلاق سراح المزيد من المخطوفين الذين لديهم جنسيات أجنبية، وفي هذه الأثناء تأجيل غزو إسرائيل البري للقطاع.
يبدو أن من يحملون الجنسيات الأجنبية، بعضهم إسرائيليون يحملون أيضاً جوازات سفر أجنبية، وبعضهم من العمال الأجانب، يقفون الآن في بؤرة النقاشات. الفظائع التي نفذتها حماس في الهجوم الإرهابي في 7 تشرين الأول، خلقت للمنظمة مشكلة في الساحة الدولية وأدت إلى دعم غربي كبير لإسرائيل (المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي ينوي بث فيلم مدته 40 دقيقة على المراسلين الأجانب، يقوم على مقاطع جمعتها الكاميرات الموجودة في خوذات مخربي حماس في الغلاف، هذه الخطوة استهدفت توضيح أي منظمة إرهابية قاتلة تواجه الآن إسرائيل). بالنسبة لحماس، فإن مقارنتها بـ “داعش” تدفعها إلى الزاوية، وهي تحاول تقليص بعض الأضرار من خلال التنازلات. بعد إعادة المخطوفتين تم إدخال 20 شاحنة تحمل المساعدات الإنسانية من مصر.
ديفيد ميدان، الذي عمل منسقاً للأسرى والمخطوفين الإسرائيليين في صفقة شاليط في 2011، قدر في مقابلة مع “هآرتس” بأن المرجح إزاء الوضع الحالي أن لحماس مصلحة في إطلاق سراح النساء والأطفال والمسنين الذين تم اختطافهم. وأضاف بأن نافذة الفرص التي بقيت للصفقة “ضيقة جداً، ويجب إنهاء ذلك خلال أسبوع”.
قطر أيضاً، الوسيط الرئيسي في هذه الاتصالات، ثمة زبدة على رأسها، حيث تم تحويل مساعداتها المالية للقطاع إلى أغراض إرهابية، ولكونها تستضيف كبار قادة حماس لديها. ما زال لدى جهاز الأمن قنوات وساطة فعالة أمام القطريين الذين توصلوا إلى الصفقة الأولى بمساعدة واسعة من أمريكا. هذا لم يزعج غال هيرش، المنسق من قبل رئيس الحكومة نتنياهو، في الاندفاع إلى جبهة التصوير مع المخطوفتين.
وهنا تطرح مسائل أخلاقية: بخصوص إطلاق سراح من يحملون جنسيات أخرى، فكان على إسرائيل تقبل أسماء مخطوفيها أولاً بدون خيار إملاءات دول أجنبية. ويواصل جهاز الأمن بذل الجهود الكبيرة للعثور على كل بصيص من المعلومات عن المخطوفين والمفقودين بهدف معرفة وضع كل واحد منهم. تثور هناك صعوبة أخرى، إذ يبدو أن جزءاً من المخطوفين محتجزون لدى تنظيمات ومجموعات هامشية، وحماس التي يتم قصفها لا قدرة كبيرة لها على السيطرة على الوضع.
خطر التورط
يستمر الجيش الإسرائيلي في استعداده للدخول البري مع قصف جوي كثيف في شمال القطاع، حيث غادر أكثر من نصف السكان بطلب من إسرائيل. يمكن الافتراض أن دخول فرق عسكرية إلى المنطقة سيكون عملية بطيئة وعنيفة. التي سيضطر المزيد من السكان خلالها إلى المغادرة نحو جنوب وادي غزة. التصريحات العلنية للحكومة والجيش تخلق نسبة عالية من التوقعات في أوساط الجمهور، وتدمير حماس والبنى التحتية السياسية والعسكرية لها. في الوقت نفسه، قيل للمواطنين إنها مهمة قد تكون طويلة جداً.
يظهر من الخطاب الإسرائيلي أنه سيكون هناك احتلال لمنطقة واسعة من القطاع وتمشيطها بحثاً عن المخربين والوسائل القتالية لمدة أشهر. عملياً، يبدو أن المستوى السياسي يتردد بين عدة خيارات للعملية، بأحجام مختلفة. التقى نتنياهو مرتين في أسبوع مع الجنرال احتياط إسحق بريك، أشد المنتقدين لأداء الجيش الإسرائيلي في العقد الأخير. والتقى بريك أول أمس بشكل منفصل مع وزير الدفاع يوآف غالنت، وأوصى في مقابلات مع قنوات التلفاز بالامتناع في هذه المرحلة عن الدخول البري. وقد اقترح “أخذ وقت وعدم التصرف كما يريدون. لو عملنا في الحروب السابقة بدافع الغضب والانتقام لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم”. في القناة 14 التي تعمل في خدمة نتنياهو، اقتبست مصادر مجهولة أمس قالت إن الوضع على الحدود مع لبنان يتعقد، لذا هناك حاجة إلى عدم الدخول إلى غزة الآن.
الرئيس الأمريكي بايدن، أعلن أثناء زيارته لإسرائيل أنه يؤيد تصفية حكم حماس، لكنه أضاف قيداً علنياً على إسرائيل، وهو أن تتصرف حسب القانون الدولي وألا تحتل القطاع. بايدن ونتنياهو يجريان محادثات هاتفية تقريباً كل يوم، ويبدو أن بايدن يريد ضبط رد إسرائيل.
توم فريدمان، المحلل في “نيويورك تايمز” والمقرب من بايدن، نشر أمس مقالاً استثنائياً. وحسب قوله، فإنه “إذا اقتحمت إسرائيل غزة لتدمير حماس ولم تدمج في هذا التزاماً واضحاً بحل الدولتين، فسيكون هذا خطأ كبيراً جداً، وستكون له تأثيرات فظيعة على مصالح إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الغزو قد يفجر التحالف المؤيد لأمريكا، الذي بناه هنري كيسنجر في المنطقة بعد حرب يوم الغفران”.
تثور أسئلة بشأن احتمالات النجاح في فضاء مكتظ جداً حول قرار العمل البري، وحول طول نفس المجتمع والاقتصاد في إسرائيل إزاء الحاجة إلى إبقاء جيش الاحتياط فترة طويلة بالزي العسكري. يطرح للنقاش أيضاً خطر تعقد الأمور بسبب الخسائر في طرفنا أو بسبب ضرر كبير للمدنيين الفلسطينيين الذي قد يؤدي إلى محاولة أمريكية وأوروبية لوقف الهجوم الإسرائيلي.
أظهرت هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي تصميماً على الذهاب إلى الخطوة البرية. روح الحديث في الأروقة تقول إنه إزاء أبعاد الكارثة والضرر الذي أصاب الشعور بالأمان لدى كل مواطني إسرائيل، أعطيت للجيش مصادقة لمرة واحدة بأن يقتل ويُقتل في محاولة لإعادة شيء ما من الأمور إلى عهدها السابق. اعتبر هذا قضية قومية، لكن ثمة رسالة إقليمية حاسمة: إسرائيل ما زالت قوية. وهناك سبب لدول مثل مصر والسعودية للتمسك بتحالفات استراتيجية معها، قديمة وحديثة. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي ينشر في وسائل الإعلام كل بضع ساعات تصريحات لرئيس الأركان، ولجنرالات وقادة فرق، يوضحون فيها بأن الجيش مستعد للمهمة، وأنه سيستكمل كل خطة عملياتية سيتم تكليفه بها، مع إلحاق ضرر كبير بالعدو.
إضافة إلى ذلك، فإن إدراك أبعاد الشر الذي وصلت إليه سلطة حماس في غزة أدى إلى الاستنتاج بأنه يجب استئصالها تماماً. كل ذلك تبريرات ثقيلة الوزن. لكن يجب عدم تجاهل أيضاً دافع الثأر السائد في أوساط الجمهور ويتسرب ليصل إلى القمة، ومن حقيقة أن كبار الضباط في جهاز الأمن يجرون معهم مشاعر قاسية حول دورهم في الفشل في 7 تشرين الأول، الذي جبى حياة عدد كبير جداً.
قرار أو تدهور
نشرت “نيويورك تايمز” أمس بأن الولايات المتحدة ساعدت على وقف عملية إسرائيلية لتوسيع الحرب إلى الجبهة الشمالية، في الأيام التي أعقبت هجوم حماس. حسب التقرير، فإن غالنت وقيادة الجيش في إسرائيل أيدوا توجيه ضربة استباقية ضد “حزب الله” في الوقت الذي عارض فيه نتنياهو ذلك. يواصل “حزب الله” الهجمات اليومية على الحدود اللبنانية ضد قوات الجيش الإسرائيلي، ويبدو هناك ارتفاع متعمد في عدد الهجمات، وحتى الآن قتل هناك العشرات من رجال “حزب الله” وحماس في الهجمات الإسرائيلية. تزيد إيران تدخلها غير المباشر في القتال بواسطة أذرعها: مساء الخميس، أطلق متمردون حوثيون من اليمن صواريخ كروز ومسيرات استهدفت كما يبدو إسرائيل، ولكن تم اعتراضها من قبل سفينة أمريكية. هيئة مكافحة الإرهاب طلبت من المواطنين الإسرائيليين الخروج من مصر والأردن خوفاً من وقوع عمليات.
أعلن غالنت، الذي زار الحدود اللبنانية أمس، بأن “حزب الله” دخل القتال وسيدفع الثمن بسبب ذلك”. الجمعة، أعلن الجيش الإسرائيلي إخلاء السكان من “كريات شمونة” إلى مناطق أكثر أمناً. وسكان “شلومي” وعدد كبير من سكان عسقلان في الجنوب تم إخلاؤهم أو يتم. من المرجح أننا نقترب من الوصول إلى 200 ألف شخص تخليهم الدولة، إلى جانب السكان الذين غادروا بإرادتهم. هذا أمر غير مسبوق: أكثر من 2 في المئة من المواطنين تم إخلاؤهم بشكل مؤقت من بيوتهم. وزارة الدفاع تدير هذه العملية الضخمة بالتعاون مع البلديات والمجالس المحلية. هذه الخطوة كانت مطلوبة ليكون للجيش الإسرائيلي فضاء دفاعي أكثر راحة للعمل. ولكن يجب عدم تجاهل أن “حزب الله” حقق ذلك حتى بدون حرب.
التوتر الحالي في الشمال قد يتفاقم عندما تبدأ إسرائيل بالعملية البرية في الجنوب. هناك سيناريوهات محتملة ربما تؤدي إلى فتح كامل لجبهة ثانية: قرار متعمد لـ ”حزب الله” وإيران، أو تدهور نتيجة التصعيد التدريجي الذي يتبعه “حزب الله” إلى درجة فقدان السيطرة على الوضع. في المقابل، تحليل المعلومات (التي تعطى بحذر شديد إزاء الأضرار القاسية قبل أسبوعين)، يقول إنه لم يكن هناك هجوم منسق في توقيته، وإن الشركاء الآخرين في المحور الراديكالي، إيران و”حزب الله”، تفاجأوا من توقيت العملية التي قامت بها حماس ومن قوتها. وإن ما سيشهده الأسبوع القادم من وجود نحو 200 طائرة قتالية أمريكية والكثير من الوسائل الأخرى في المنطقة في مدى التشغيل، ربما يساعد في ردعها عن إشعال حرب إقليمية.
الرئيس الأمريكي عرض، الجمعة، رزمة مساعدة ضخمة لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان. ستكون المساعدة لإسرائيل، كما وعد، مبلغاً غير مسبوق: 14 مليار دولار. ستركز إسرائيل بالأساس على التسليح، والمطلوب لمواصلة الحرب. بعد ذلك، هناك نية لمناقشة شراء طائرات ومروحيات ووسائل قتالية للجيش البري.
حتى أمس، هبط في إسرائيل أكثر من 50 طائرة نقل أمريكية مع ذخيرة وقطع غيار. في الأسبوع الماضي زار وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، قاعدة “نباتيم” مع المدير العام لوزارة الدفاع، الجنرال احتياط ايال زمير. ذهب اوستن للتحدث بنفسه مع طاقم طائرة “غالاكسي” الضخمة التي نقلت عشرات آلاف القذائف للمدافع بقطر 155 ملم. في هذه الأثناء، تعد هذه المهمة الأسمى لأمن الولايات المتحدة”، شرح للجنود. “هذه القذائف بالمناسبة تم الاحتفاظ بها في مخازن طوارئ أمريكية في البلاد. ونقلت إلى أوروبا من أجل إرسالها كمساعدة لأوكرانيا، والآن تعود إلى إسرائيل إزاء الحاجة الملحة. دول كثيرة أخرى تساعد إسرائيل. التشيك مثلاً، أرسلت لإسرائيل دروعاً من “الكروم”، ووزيرة الدفاع هناك التقطت صورة وهي توقع على أحد الدروع.
هآرتس 22/10/2023