الناصرة- “القدس العربي”:
يواصل الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط، يتسحاق بريك، التحذير من تراجع قوة جيش الاحتلال كماً وكيفاً، وشدّد على عدم جاهزيته لحرب برية، ويعتبره الإسرائيليون اليوم “نبي الغضب” المناوب بعدما تحققّت “سيناريوهات الرعب” بالنسبة لـ”المدنيين الذين قال لهم مرة تلو المرة في السنوات الأخيرة، إنهم سيضطرون للقتال بأنفسهم دفاعا عن حياتهم”.
على خلفية ذلك، كُشف النقاب عن مبادرة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للاجتماع ببريك مرتين في الأسبوع الأخير لسماع تقديراته وتحذيراته، بعدما صمّت القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية آذانها عن سماعه في الماضي. وهذا يؤشّر لحقيقة حسابات نتنياهو خلف الامتناع عن الاجتياح البري رغم التهديد والوعيد المتصاعد.
وكان بريك قد أطلق سلسلة تحذيرات مختلفة في السنوات الأخيرة حول عدم جاهزية الجيش الإسرائيلي للحرب. وقبيل إنهاء مهامه في الجيش كمندوب شكاوى الجنود، أصدر بريك تقريرا سريا حول هذا الموضوع، نبّه فيه لخطورة الخلل في الناحية التنظيمية داخل المؤسسة العسكرية.
ومن وقتها دأب بريك على محاولاته قرع جرس التحذير في مقابلات صحافية، وفي محاضرات، موجها انتقادات قاسية للجيش وللمؤسسة الأمنية، وأكد فيها عدم جاهزية الجيش للقتال خاصة في البر، محذّرا من كارثة من شأنها أن تقع في أول حرب تجري في عدة جبهات، وتظهر الجيش الإسرائيلي كجيش صغير يكابد تقليصات مالية، وغير مدرّب بشكل كاف، ودون قدرات حقيقية للدفاع عن الإسرائيليين، وربما يكون الفشل عندئذ أشد من كارثة حرب 1973.
يشار إلى أن بريك (76 عاما) جنرال في الاحتياط، وقد أنهى الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات وشغل منصب قائد الكليات العسكرية أيضا. شارك بريك في حرب 1973 كقائد فيلق في جيش الاحتياط، وحاز على “وسام الشجاعة”. وفي العقد الأخير له ضمن الخدمة العسكرية، عمل مندوبا لشكاوى الجنود.
ضمن السيناريوهات التي كان يرسمها بريك، سيناريو احتلال أقسام من الجليل من خلال اقتحام مكثّف لقوات النخبة التابعة لحزب الله للمستوطنات في تلك المنطقة، مشددا على أن سكانها سيضطرون للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، مقابل آلاف جنود المشاة القادمين من لبنان، وسط حالة فوضى داخلية جراء مظاهرات وأعمال شغب، وربما مذابح تُرتكب في عدة مستوطنات ومدن، وفق تلميحاته الغليظة لاحتمال مشاركة فلسطينيي الداخل في شمال البلاد بالمعركة تحت غطاء آلاف الصواريخ التي يطلقها حزب الله.
وضمن تحذيراته المباشرة والحادة، قال بريك في حديث لقناة “حوار” العبرية في يوليو/ تموز الماضي مخاطبا الإسرائيليين مرة تلو المرة: “لن تجدوا الجيش ليسعفكم عند اندلاع الحرب وستضطرون أنتم لدخول المواقع والمشاركة في القتال دفاعا عن حياتكم، وهذا لم يقله أحد لكم ولا يجهزّكم لمثل ذلك. هذه ببساطة حالة إهمال فوضوية. هناك أهمية كبيرة لحيازتكم السلاح والتدرب على القتال في مثل هذه الحالات بمرافقة الجيش”.
ولكن ليس فقط في الجبهة الشمالية، فقد أظهرت عملية “طوفان الأقصى” صحة تقديرات الجنرال يتسحاق بريك، بما يتعلّق بالجبهة الجنوبية أيضا، وفيها بدا الجيش الإسرائيلي غير جاهز، فيما بقي سكان “مستوطنات غلاف غزة” عرضة للنار محاصرين داخل بيوتهم، ولم يتبق لهم سوى القتال بأنفسهم من أجل الدفاع عن أنفسهم وعن حياة عائلاتهم وأحيانا بصدور عارية وأيد فارغة دون مساعدة من الجيش طيلة ساعات كثيرة” بحسب قوله.
وقبل ذلك، ظهر بريك في مثل هذا الشهر من عام 2018 في اجتماع خاص لما يعرف بـ”اللجنة لمراقبة الدولة” في الكنيست، وفيه قال: “وجدت مشاكل صعبة جدا في المنظومات اللوجستية، التكنولوجية والعملياتية، وقمت بتبليغ قيادة الجيش بما اكتشفته ولاحظته. وفعلا قام الجيش بالإصلاح والتحسين، ولكن السؤال لماذا كان الجيش محتاجا أن أبلغه بذلك ولماذا أقوم أنا بما قمت به، هذه ثقافة تنظيمية فاسدة تتجلى بعدم تحمل المسؤولين مسؤولية المشاكل العميقة”.
في الاجتماع المذكور، أشار بريك إلى ما يسميه “مسيرة التدهور” الممتدة منذ سنوات كثيرة، وبلغت الحضيض في السنوات الأخيرة، محذّرا من سيطرة الأقل جودة والمتوسطين على الممتازين.
وتابع: “نتج هنا لقاء قاتل خطير بين تقليصات مالية كبيرة، وتقليص عدد الجيش النظامي بآلاف الجنود، وبين تقليص مدة الخدمة العسكرية لدى البنين، مما أدى لتشكل فجوات خطيرة بين القوة العسكرية البشرية وبين المهام المناطة بهم لتحقيقها. من يقرأ التقارير في السنوات الأخيرة يفهم أن هناك مشكلة خطيرة جدا في جهوزية الجيش لحرب برية”.
كذلك نبّه بريك إلى ثقافة “إخفاء المعلومات” وثقافة التواطؤ بالصمت في كل درجات القيادة العسكرية، لافتا إلى أن ذلك يشجّع على التستر على إخفاقات وتقديم تقارير كاذبة تغذي القيادة العليا، وهكذا تتدحرج نحو المستوى السياسي صورة مضللة لا تعكس الواقع على الأرض في عدد من الحالات.
وكُشف النقاب أمس الأحد، عن مبادرة نتنياهو للاجتماع بالجنرال يتسحاق بريك مرتين في الأيام الأخيرة، مما يحمل مؤشرا على تردد ومخاوف نتنياهو حيال الحملة البرية؛ لأن بريك يؤكد منذ سنوات عدم جاهزية الجيش للحرب، ويحذّر منذ أسبوعين من حملة برية، ويدعو لتأجيلها مثلما يدعو لاستقالة فورية لقائد لواء الجنوب في الجيش، ورئيس الاستخبارات العسكرية بصفتهما المسؤولين المباشرين عن الفشل في في 7 أكتوبر.
وردا على سؤال القناة 12 العبرية، أكد بريك حقيقة اللقاء مرتين مع نتنياهو منذ نشوب الحرب الحالية، فيما امتنع ديوان نتنياهو عن التطرق للسؤال.
ويواصل الجنرال بريك تقديم شروحاته في وسائل الإعلام، ويدعو لإرجاء الحملة البرية ريثما تستعد إسرائيل لحرب على عدة جبهات. كما يستمر بريك بمهاجمة قيادة الجيش الإسرائيلي بشدة خاصة ضباط الاستخبارات، وحمل على المفهوم المغلوط الذي قاد للكارثة في السابع من الشهر الجاري، ويؤكد على ضرورة استقالة عسكريين الآن ومستقبلا.
وفي إطار انتقاداته، يشير بريك إلى اعتقاد الجيش بمفهوم خاطئ، مفاده أن حماس حركة مرتدعة حتى أظهرت عكس ذلك. ويتابع: “سدد الجيش مليارات االدولارات من أجل معالجة ما كشفت عنه تقاريري في الماضي عن الخلل الواسع داخل الجيش الذي اتضح اليوم أنه لم يقرأ تحذيراتي عن عدم جاهزيته للقتال، ولم يكترث بها. بل فعلوا كل شيء من أجل إسكاتي، وبعضهم أعضاء في المجلس الوزاري الأمني-السياسي المصغّر، ويتحملون قسطا جديا من المسؤولية عن أحوال جيشنا”.
وكشف موقع “والا” العبري اليوم الإثنين، أن زوجة رئيس حكومة الاحتلال سارة نتنياهو، قد أمرت مقربيها بجمع معلومات صحافية وبروتوكولات سرية خاصة باجتماعات الحكومة والكابينيت وتصريحات قادة رؤساء المؤسسة الأمنية في الماضي والحاضر، علاوة على تقديراتهم الاستخباراتية حيال نوايا وقدرات “حماس”، والتي يعتريها النقص والخلل، وكل ذلك تمهيدا لإلصاق تهمة الفشل بالمستوى العسكري لا بالمستوى السياسي وبزوجها عندما يفتح باب المسائلة والمحاسبة لاحقا.