توطئة للمجموعة القصصية الكاملة للقاص يوسف يعقوب حداد (1927-1999)

هناك مفارقة كبيرة بين حياة القاص يوسف يعقوب حداد الأدبية وتلقي النقاد لنتاجه القصصي الغزير، وتتضح هذه المفارقة بانتشار قصصه الواسع والمتميز في الصحف والمجلات الأدبية العراقية والعربية، والأصداء النقدية الخافتة جدا لهذا الكم الهائل من القصص التي كتبها منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين وحتى تاريخ وفاته في نهاية التسعينيات، إضافة لما تميز به هذا القاص، بحرصه على الإنتاج الأدبي والقصصي بشكل خاص في مدينة البصرة، فقد عرف عنه تسامحه وتشجيعه لطبع المجاميع القصصية والشعرية لأدباء البصرة الشباب في مطبعته (مطبعة حداد) بأسعار معقولة مكنتهم من نشر العديد من المجاميع القصصية والروائية الخاصة والمشتركة.
كان القاص ينتظر حتى لحظات حياته الأخيرة من ينصفه ويكتب عنه، لكن دون جدوى، والغريب في الأمر أن معظم النقاد العراقيين ومؤرخي الأدب القصصي قد كتبوا عن أدباء لم ينتجوا سوى عدد قليل من القصص ثم انسحبوا عن الساحة الأدبية، وكانت قصصهم بسيطة بل ساذجة، لكنهم نالوا تعريفا بأعمالهم البسيطة هذه. والأمر الذي يثير انتباه كل من تابع نتاجات هذا القاص، غزارة إنتاجه القصصي وانتشاره في معظم المجلات والصحف العراقية والعربية الصادرة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، ونحن لا نبالغ إذا أكدنا أن القاص يوسف يعقوب حداد كان قد نشر قصصه في معظم الصحف العراقية الصادرة في العاصمة أو في المحافظات، كما نشرت له الصحف والمجلات العربية الشهيرة آنذاك، فقد نشر أكثر من قصة في مجلة «الرسالة» المصرية التي يشرف على تحريرها أحمد حسن الزيات، وقصة واحدة في مجلة «الكاتب المصري» التي كان يشرف عليها طه حسين، ونشرت له مجلة «الصياد» اللبنانية مجموعة من القصص الموضوعة والمترجمة، وظهرت قصصه على صفحات مجلة «الشبكة» و»مسامرات الجيب» المصريتين، وفي سوريا نشر قصص عدة موضوعة ومترجمة في مجلة «الدنيا» الدمشقية، أما في الصحف العربية فقد نشرت له جريدة «بيروت المساء» عدة قصص وكذلك في جريدتي «النبأ» و»النداء» المصريتين.
وإذا أردنا إحصاء الصحف والمجلات العراقية التي استقبلت نتاجاته القصصية فستجد انه تابع النشر في معظم، ان لم نقل، كل الصحف والمجلات العراقية الصادرة آنذاك بما فيها الصحف التي صدرت في المحافظات، وكانت قصصه تتصدر الصفحات الأدبية فيها تحت عنوان (قصة العدد). وكنت مطلعا على معظم هذه القصص من خلال ملصقات في دفتر كبير كان القاص قد الصق فيه أصول القصص التي نشرت له في تلك الصحف والمجلات مؤرخة باليوم وسنة الصدور. وإذا كانت مبررات النقاد بعزوفهم عن الكتابة عن قصصه تتعلق بالجوانب الفنية، أو مدى التأثير الذي مارسه القاص المعني في مسيرة القصة العراقية، فإن ذلك أمرٌ مبالغ فيه خصوصاً في تلك الفترة، لأن معظم ما كُتب من نقود عن القصة العراقية توصل إلى استنتاجات تؤكد ضعف الجانب الفني فيها وانسياقها في تجسيد مضامين اجتماعية أو سياسية أو ذاتية، بل إن ناقداً كبيراً كعبد الإله أحمد درس القصة العراقية منذ نشأتها لم يجد قاصاً واحداً تنطبق على معظم قصصه الصياغة الفنية السليمة، وإذا أردنا التخصص سنجد أنه أفرد فصلاً في كتابه (الأدب القصصي في العراق) عن رائدي القصة الفنية في العراق: عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ثبت فيه على أولهما أخطاء فنية كثيرة، فيما خرج الآخر سليماً معافى، ولم تكن تلك الدراسة هي الوحيدة التي أكدت هذا الجانب، بل أن معظم الدراسات التي كتبت عن قصة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أكدت هذا الجانب، إضافة إلى ذلك فإن النقد العراقي لم يتوقف عند كتاب القصة الذين يمتلكون نتاجات كثيرة أو ممن لهم التأثير والمواصلة في هذا الحقل الفني، وإنما تناولوا قاصين لم يكتبوا سوى عدد محدود من القصص، ثم انقطعوا عن الكتابة ولم يكن لهم أي تأثير في مجرى القصة العراقية..

وتبدو المرأة في قصصه تلك كائنا حساسا لها دور مؤثر في القصة فهي تحاور الرجل وتنتقد الظروف التي تعيشها وتتمرد عليها.. كما أن كثيراً من تلك القصص رويت بلسانها ما يدل على أن هذا القاص قد عرف المرأة عن كثب وهضم مشكلاتها وتأثر بالأجواء القاسية التي عاشتها ما دفعه لاتخاذ موقف لصالحها.

نشر القاص يوسف يعقوب حداد أكثر من ستين قصة ابتداء من عام 1945 وحتى عام 1954 مضافة إليها مجموعة كبيرة من القصص المترجمة متأثراً بالقصص الرومانسية السائدة آنذاك وقد تشبع بأجواء تلك القصص وأحداثها المؤلمة بما تثيره من تداعيات وخيالات أخلاقية، وكان لنشأته في عائلة مسيحية متسامحة وتأثير البيئة البصرية، أثرٌ كبير على توجهاته الأخلاقية ونظرته المثالية للعلاقات الاجتماعية التي يغلب عليها طابع التسامح والشفقة التي نجد لها أصداء واضحة في قصصه تلك. ومما يلفت النظر في قصصه المكتوبة في تلك الفترة (1945-1954) كونها تركز على العلاقة بين الرجل والمرأة، وتتميز عن معظم القصص العراقية التي تناولت هذا الموضوع بأن المرأة فيها غير ملحقة بالرجل، فهي الساردة والشخصية الرئيسية في القصة ومن خلال حياتها تتضح رؤية القاص الذي كان يعمد إلى الاختباء خلف شخصية المرأة في سرد قصصه ليضخ مفاهيمه التنويرية تجاه تحررها من القيود والعادات البائدة، حتى إنه كان يستنطق امرأة لا تعرف القراءة والكتابة ويملي من خلال صوتها رسائل إلى الزوج الغادر أو الحبيب أو غيره، دون أن ينتبه إلى ذلك، فقد كان هدفه إيصال مضمون قصصه إلى متلق مجهول في تلك الفترة.
وتبدو المرأة في قصصه تلك كائنا حساسا لها دور مؤثر في القصة فهي تحاور الرجل وتنتقد الظروف التي تعيشها وتتمرد عليها.. كما أن كثيراً من تلك القصص رويت بلسانها ما يدل على أن هذا القاص قد عرف المرأة عن كثب وهضم مشكلاتها وتأثر بالأجواء القاسية التي عاشتها ما دفعه لاتخاذ موقف لصالحها. وتوفر قراءة تلك القصص قراءة ثقافية، التعرف على وجهة نظر القاص في حقبة الأربعينيات من القرن العشرين عن إشكالية وجود المرأة، وإشكالات الحياة التي تحيط بها، كما تتضح وجهة نظر القاص في الواقع الساكن الذي تعيش ضمنه، الأمر الذي دفعه لإنطاق صوتها بتقنية الرسالة، مستثمرا وجودها في أجواء مغلقة لا تتيح لها حرية الحركة واللقاء أو الحوار مع جنسها أو الجنس الآخر.
وإذا كانت كتابات القاص المبكرة قد ركزت على الجوانب الرومانسية في قصصه: علاقات الغرام والحب الممنوع، فإنه في فترة الخمسينيات انتبه إلى الواقع المعيش وحركة الحياة في البصرة في تلك الفترة، وكتب قصصا واقعية، مؤثرة استثمر فيها خياله وخبرته الطويلة في الكتابة فأنتج قصصا تلتحق بآفاق القصة العراقية الفنية القصيرة وتتنفس هواءها وأجواءها الممتعة. كقصة «الندبة الزرقاء» و»النوارس لا تذيع أسرارها» وغيرها من القصص.

تمت طباعة هذه المجموعة من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وقد تحملت عائلته نصف الكلفة وتحمل الاتحاد نصفها الآخر وقد صدرت المجموعة الكاملة الجزء الأول هذا العام 2023.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية