المُهجّر والسيد: هل يمكن صياغة روايات أخرى عن «الضحايا»؟

لاقت المقابلة التلفزيونية، التي أجراها الإعلامي المصري باسم يوسف مع المذيع البريطاني بيرس مورغان، ردود فعل متنوّعة، ركّزت على كونها «الأكثر مشاهدة» وأوصلت «صوت القضية» إلى «الغرب». على الهامش انتقد بعض المعلّقين أداء يوسف، الذي وصفوه بالانفعالي، وربما المفتعل، إلا أن المقابلة في النهاية تمت بآليات «الإعلام الجماهيري» في الدول الغربية، خاصة الناطقة بالإنكليزية، ولا فائدة كبيرة من المطالبة بمستوى أعلى من الخطاب والأداء فيها. يترّقب المشاهدون حالياً الجزء الثاني من «المنازلة» بين يوسف وخصومه «الغربيين» الذين صار يجمعه بهم الآن ما يشبه المصلحة المشتركة: المزيد من أرقام المشاهدات العالية.
لا يمكن لوم يوسف بالتأكيد على اختياره هذا الأسلوب والمستوى من الحضور والتعبير، فهو يعمل ضمن مجاله الإعلامي في النهاية، أي الترفيه السياسي الساخر، إلا أن الملحوظ استعماله خطاباً آمناً بالمعايير «الغربية» فقد قدّم نفسه فرداً دون خطاب سياسي، مجرّد شخص من الشرق الأوسط، يعبّر عن غضبه وألمه من المظلمة الكبيرة، التي يتعرّض لها أقرباؤه، ويدعمها أشخاص، يمكن اتهامهم بالانتماء لليمين، مثل مورغان وبعض ضيوف برنامجه، وعلى رأسهم الكاتب الأمريكي بين شابيرو.
يدفع تقديم القضية الفلسطينية، والصراع العربي – الإسرائيلي عموماً، بوصفه «مسألة تتعلّق بالأقرباء» إلى كثير من التأمّل، فرغم أنه قد يلعب دوراً في «أنسنة القضية» وهو تعبير غير دقيق، يشير إلى إكساب القضايا العامة الطابع الفردي أو الشخصي، وسبق لكثير من الفاعلين السياسيين استخدامه، إلا أن بناء الخطاب بأكمله على هذا النمط من «الأنسنة» قد يضيّع كثيراً من التفاصيل المهمّة، بل العوامل التأسيسية، التي يحقّ للبشر أن يأخذوا فكرة ما عنها، حتى لو كانوا «مشاهدين» من مستهلكي «صناعة الترفيه» ومن أبسط الأمثلة عن ذلك قرارات مجلس الأمن، التي تخالفها دولة الاحتلال؛ أو انهيار عملية السلام في الأراضي الفلسطينية، وأسبابه. في كل الأحوال ليس يوسف أو القضية الفلسطينية وحدهما مَنْ يتم «أنسنته» بهذه الطريقة، بل كثير من الأفراد والقضايا الأخرى، مثل الثورة السورية، مسألة اللاجئين في الدول الغربية، الصراعات الداخلية في الدول العربية، وغيرها؛ وليس فقط في «صناعة الترفيه» بل على كل المستويات، بما فيها المستويات الأكاديمية. ربما لا تقتصر المشكلة على تضييع تفاصيل وعوامل أساسية، وإنما بنزع الصفة السياسية عن البشر في منطقتنا، خاصة لدى تقديمهم لـ»الغرب». لكن هل يجب أن يكون كل الناس سياسيين أو مسيّسين؟ وما المشكلة فعلاً في الإغراق في «أنسنتنا»؟

نزع الحق الكامن

يفترض مفهوم «السيادة الشعبية» الذي تنبني عليها جوانب أساسية من المنظومات السياسية الحديثة، أن البشر البالغين أعضاء في رابطة سياسية ما، تجعلهم «شعباً» مكوّناً من «مواطنين» وبالتالي فلهم حق سياسي، نظرياً على الأقل، في رسم السياسات العامة، أو رفضها والاحتجاج عليها. هذا الحق يبقى محفوظاً حتى لو قرروا عدم استخدامه، كأن لا يشاركون في الانتخابات، لعدم اهتمامهم بها؛ أو لا يتابعون الأحداث السياسية. وبالتالي فإنهم يتمتّعون بالصفة السياسية بالضرورة، ونزع هذه الصفة انتهاك لواحد من حقوقهم الأساسية، يترافق غالباً بإجراءات بالغة القسوة، مثل الإبادة والنفي والتهجير ونزع الجنسية.
تؤمّن المنظومات السياسية الأكثر ديمقراطية حقوقاً سياسية حتى للمهاجرين، واللاجئين السياسيين والإنسانيين، فرغم عدم تمتّعهم بـ»حقوق المواطن» إلا أن لهم الحق بالتعبير ضمن الحدود القانونية، والانضمام إلى التنظيمات السياسية الشرعية، وأحياناً التصويت في بعض الانتخابات المحلّية، بوصف ذلك جانباً من حقوقهم الإنسانية التي لا يمكن نزعها، والتي تحوي بدورها مضموناً سياسياً.
يمكن إذن اعتبار «الأنسنة» الشاملة لمجموعات بشرية بأكملها، على مستوى المؤسسات الثقافية والإعلامية، نزعاً معنوياً لما يمكن تسميته «الصفة السياسية الكامنة». إذ تفضّل تلك المؤسسات غالباً استقدام أفراد يقدّمون خطاباً شديد الشخصانية عن القضايا العامة في بلدانهم، حتى لو كانوا فاعلين سياسيين، أو مثقفين، أو إعلاميين. وقد دخل هذا، لكثرة تكراره، بل ولارتباطه ببرامج دعم و»تمكين» كثيرة، في التصورات العامة عن «مخاطبة الغرب» في المخيّلة الثقافية العربية.
قد تكون شخصنة القضايا العامة نمطاً أيديولوجياً سائداً إلى حد ما في كثير من الدول الغربية، مع بروز ما يُعرف بـ»سياسات الهوية» والنزعة الذاتية/الفردانية في مختلف القضايا، وهو ما دفع مفكرين كثيرين لانتقاد ما وصفوه بـ«حلول الإدارة مكان السياسة» أي تقدّم نمط الإدارة البيروقراطية/التكنوقراطية للمسائل العامة، بعد اضمحلال كثير من المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية والثقافية، ذات الطابع المسيّس، ما أدى لتحوّل «المواطنين» الذين كان يُنظر إليهم بوصفهم أعضاء في فئات وطبقات، إلى مجرّد «أفراد» يقدّمون عن أنفسهم رموزاً هوياتية. رغم كل هذا فإن النقاش السياسي في الحيز العام ما يزال العامل الحاسم في تلك الدول، وما يزال السياسيون والناشطون والأكاديميون والطلاب «مضطرين» لتقديم خطاب منطقي مبرهن، واضح الأفق السياسي والاجتماعي، عندما يناقشون أي قضية جديّة، من على أي منبر عام محترم. وربما كان أحد أهم أسباب القلق من «الشعبوية» هو إخلالها بهذه القواعد. مَنْ يتم «أنستهم» بشكل شامل، ويُعفون من «السياسة» تماماً، لحساب الشخصنة، هم من يطلق عليهم عادة وصف «المهمّشين» ومنهم البشر المنتمون للمنطقة العربية. ربما يُبرّر هذا بضرورات «التسامح» و«احترام الحساسيات» إلا أن هذا «التسامح» قد لا يكون بالعمق سوى نزعاً للحق السياسي، أو بالأصح اعتبار أولئك «المهمشين» كائنات أدنى من سياسية.
من حق البشر جميعاً بالطبع، أياً كان كانت أصولهم، عدم إبراز جانبهم السياسي، والاهتمام فقط بقضاياهم الشخصية، والتعبير عنها، لكن أن يكون معظم المتحدثين عن قضايا المنطقة، في أغلب المنابر الغربية العامة، من هذا النوع، فهذا يشير إلى مشكلة بنيوية في تعامل المؤسسات في تلك الدول مع الناس القادمين من منطقتنا؛ وإلى مشكلة في نظرة كثير من أولئك الناس لأنفسهم، وتعريفهم لذواتهم، ومنظوراتهم الاجتماعية والسياسية.

مشكلة المُهجّر

قد تكون مسألة التهجير من أهم جوانب قضايا، يُفترض أنها سياسية، مثل القضيتين الفلسطينية والسورية، بل حتى نزوح آلاف البشر من الدول العربية الأخرى، نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة، كل هؤلاء المُهجّرين في النهاية فاعلون اجتماعيون بالضرورة، وعلى كل المستويات، إلا أن «أنسنتهم» بالطريقة الموصوفة أعلاه، تساهم بتحويل تهجيرهم من «انتهاك» يجب تلافي آثاره على حقوقهم الأساسية في أقرب وقت؛ إلى «هوية» تُكرّس وضعهم بوصفهم مُهجّرين منتزعي الحقوق.
يذكّر هذا إلى حد كبير بالسياسة الإسرائيلية الحالية، في الحرب على سكان غزة، إذ حوّلت دولة الاحتلال جانباً كبيراً من القضية إلى مسألة مُهجّرين، يثيرون ارتباك دول الجوار العربي، و»حالة إنسانية» يُناشد «الغرب» لإيجاد حلول لها، وإيصال المساعدات إلى ضحاياها، ويكاد يختفي أي حديث عن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني. إنها حرب، ذات طابع ديني وعرقي، وبلا أفق سياسي، يروح ضحيتها مدنيون كثر للأسف، بحسب الرواية الإسرائيلية.
ربما لم يستطع باسم يوسف، وغيره ممن «يخاطبون الغرب» الخروج من الأطر العامة لهذه الرواية، بل أخذوا الجانب الآخر منها، إذ تظل الحرب «مسألة إنسانية» لكنها فقط ليست «دفاعاً مشروعاً عن النفس» كما تدّعي دولة الاحتلال وداعموها. يمكن القول إن هذا الخطاب هو خطاب فرد «مُهجّر» من حيث الهوية، يتكلّم عن «مُهجّرين». وهذا ليس بالتأكيد أفضل طريقة لدعم الحقوق الأساسية لأهالي منطقتنا.

حرق الهوية

قام سكّان الجولان السوري المحتل، عام 1982، بإضراب عام، دام ستة أشهر، احتجاجاً على قرار دولة الاحتلال بضم أراضيهم إليها، وفرض سيادتها الإدارية والقانونية عليهم، وأحرقوا بطاقات الهوية، التي وزعتها عليهم السلطات الإسرائيلية، مصرّين بأغلبيتهم على الوضعية، التي يضمنها لهم القانون الدولي، بوصفهم مواطنين سوريين في منطقة محتلة، وليس مجرّد رعايا في دولة احتلال.
ربما كان هذا الفعل مُلهماً، ليس فقط في المناطق المحتلة، وإنما في أماكن التهجير أيضاً، إذ أن القبول بـ»الهوية» الرمزية المعاطاة للبشر، بوصفهم رعايا مُهجّرين، ومجرّد حالات إنسانية، تحت الإدارة «المتسامحة» لمؤسسات الدول المستقبلة لهم، ينتقص من أي مفهوم يمكن تعيينه لـ«الكرامة الإنسانية» وهي بحسب الفقرة الافتتاحية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي صاغها الحقوقي والسياسي اللبناني شارل مالك، أساس كل الحقوق الأخرى.
نموذج المُهجّر/الضحية، الذي يطلب من «الغرب» الاعتراف بمظلمته، مختل «الكرامة» إلى حد كبير، ولذلك نحتاج بالتأكيد إلى متحدثين غير باسم يوسف، ومن يقدّمون خطاباً مشابهاً له، حتى لو كانوا أكثر «عمقاً» فالتأكيد على أن للبشر حقوقاً سياسة، وأن قضاياهم ليست مجرد مظلمة ذاتية، أو «مسائل تتعلق بأقرباء» قد يُخرج الناس من وضعية «المٌهجّرين» ويجعلهم «سادة» أي بشراً يسعون للسيادة على عالمهم الاجتماعي.

‏كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية