لن توصف حرب اليمن بكونها منعطفاً مصيرياً بالنسبة لشعبها والخليج والعرب عامة من طرف، ولإيران من طرف آخر إلا إذا ما حققت نتائجها نوعاً من صحوة حقيقية نحو عقلانية جديدة لدى أطرافها الثلاثة هذه جميعاً، وتكون في دلالاتها متناظرة وقابلة للتكامل فيما بينها. ونحن نسميها صحوة كما لو أن أقطابها كانوا هاجعين، منخرطين في مسالك ملتبسة وكارثية، غافلين عن أفخاخها ومتاهاتها.
فالعرب عامة يكابدون من فواجع ثورات بعضهم، سواء منها المجهضة أو تلك المسروقة، أو المنحرفة، وقليلها شبه الناجحة أو المهدّدة. أما أقطار الخليج فهي الموشكة على فقدان الثقة بمبدأ استراتيجيتها الوجودية المرتكزة على الأمن الدولي وضمانته الأمريكية المطلقة، غير أن القطب الثالث. وهو غازٍ مقابل قطبيْ العرب والخليج. فهي إيران بالطبع. إنها الدولة المأخوذة بعقدة الفروسية الدونكيشوتية إذ بات يُسيطر عليها وهمان كبيران: نفوذ سياسي تسلطي على معظم أقطار المشرق العميق: العراق وسوريا ولبنان، ومشروع الأنفاق النووي تحت جناح أسياد العالم المتقدم لقادة أوروبا وأمريكا.
ولكن، وفي هذه اللحظة من نشوة الاستقواء بعضوية النادي النووي الدولي (وذلك بحسب تأويل قادة طهران لأتفاقية لوزان)، أعلنت المملكة السعودية حربها الوقائية لوقف الزحف الحوثي على اليمن كطليعة الغزو الإيراني للجزيرة العربية.
ما فعله ملك الحزم الجديد سليمان من (الرياض) ليس فحسب رد فعل لحماية حدود السعودية من خطر الوباء الحوثي المكتسح لليمن، الجار الجنوبي العظيم، والقاعدة الأبدية جغرافياً وحضارياً للجزيرة وتاريخها القدسي والإنساني. فذلك هو المعنى الرمزي والفوري لأية بادرة تنطلق تحت شعار الدفاع عن الأمن القومي، وفيما خص جوهره الحضاري.. بل قد يتخطى هذا الحدثُ الاستثنائي رمزيتَه التقديسية تلك نحو دلالات استراتيجية فاصلة وحاسمة، سوف تتسلسل من أرومة مركزية، عنوانها: إلغاء العروبة كأمة ومجتمع وثقافة.
تلك الأرومة ليست مستحدثة. وكان لها معارك صولات وجولات باءت بالفشل جميعها منذ عصر الفتوحات وصولاً إلى ذروة انتظامها عبر نزعات سياسية وثقافية كبرى تحت مصطلح الشعوبية. وقد اكتسبت اسمها ذاك من كون تياراتها صادرة عن بعض شعوب داخلة تحت عباءة الدين العربي، والتابعة لدوله. ذلك كان في الماضي السحيق، إلا أنه مع الإستعمار الأوروبي أخذ الاحتلال الأجنبي على عاتقه سحق الوجود البشري للأمة وهي في عقر دارها، بعد أن أجهز على مكوناتها الحضارية. ثم كان على الصهيونية وريثة الاستعمار بعد رحيله، أن تكمل المهمة، طورّت منهج الاحتلال إلى مأسسة الاستيطان كدولة ومجتمع مُعسكر قائمين على جزء من الوطن العربي، يشكلان معاً قلعة رقابة دائمة على بقية الوطن موغلةً في تخريبٍ ممنهج دائم لاستقلال أقطاره الفاعلة وإجهاضها لنهضاتها المتناوبة.
من شعوبية القرون الوسطى الإسلامية إلى ظلامية الاستشراق الثقافوي متحققة في حقبة الاستعمار الأوروبي، ومن بعده كمحتل يأتي الصهيوني كمستوطن، وصولاً راهنياً إلى مرحلة استنساخ شعوبية معصرنة (إيران) وتقوم تأسيسياً أولاً على نزع الدين من حاضنته الطبيعية والعضوية المنتجة له والحافظة لديمومته، وهي عروبته. ومن ثم بعد العزل والفصل يصار إلى إعادة إنتاج الدين باعتباره قومية عنصرية، متمتعة بنظام أنظمتها المعرفية الخاصة بها كمرجعيات أولية ونهائية، تُغني عن أصول الدين المؤسس، مُخْتلقةً تراثاً آخر مؤسطراً بتأويلات وحكايا شعبوية مستمدة من هواجس أهلوية ومحلية سابقة على الإجتماع المدني ومانعة لتباشيره ومقدماته.
بعد الاستعمار الأوروبي الاحتلالي تأتي الصهيونية بصيغة الاستعمار الاستيطاني، وفي مرحلة ثالثة تغدو مهمة إلغاء العروبة المعاصرة موكولة إلى النظرية القائلة باستنبات الفصل بين العرب أنفسهم ودينهم. فمنذ أن جرى اختطاف ثورة الشعب الإيراني على استبدادية السلطة الشاهانية وتسلط فئة الملالي الخمينية على الحكم، ومن ثم إطلاق نموذج أول عن نوع الحرب الإبادية ضد العراق، فقد وُضعت استراتيجية أحدث سيناريو لاستنبات قطيعة صراعية. بين العرب وإسلامهم، وذلك بفرض إسلام آخر، لن يكون سوى إيديولوجيا مركبة من مضمون عنصري شعبوي وأسطوري، لكنه مصاغ بتعابير تراثية مضللة.
فقد حرص مشروع إلغاء العرب في مختلف مراحله التاريخية، على اكتشاف أو ابتداع عناصر أو عوامل الضعف والتفرقة الأقرب إلى ذاتية الكينونة الثقافية والوجدانية للمجتمعات العربية، والعمل على تخريبها وتحويلها ضد وظائفها الأصلية، من دون أن تخسر الكثير من مظاهرها العامة المألوفة لدى بيئاتها التقليدية السابقة. فخلال عقود عديدة من هزائم الدول القيادية في العالم العربي كانت السلطة الخمينية منفعلةً بخيبات حربها الأولى والكبرى مع العراق، ماضية في بناء قلعتها العسكرية المركزية لمشروعها الإمبراطوري وتصدير عواصفه إلى كامل الوطن العربي وضواحيه الإسلامية.. وإلى ما بعدها كذلك.
حينما سبقت بعض شعوب العرب إلى تفجير ثوراتها الربيعية، لم يكن ذلك بمثابة إنذار معادٍ للمشروع الإيراني، بقدر ما اعتُبر، فرصةً تاريخية لانطلاقه في كامل قواه. وهكذا كان. فقد غدا معظم المشرق مُشبّحاً بسواد اللحى والعمائم. حتى طغى التشبيح زاحفاً نحو أقصى جنوب الجزيرة. مكة والمدينة أصبحتا قيدَ وعد الإمبراطورية ذاتها بتصفية العروبة من إسلامها. وتصفية الإسلام من هويته وتاريخه.
حقاً إنها حرب اليمن، وقبل تعداد نتائجها غداً أو بعده، فقد حققت صحوةً على واقعتين، يمكن وصفهما تاريخيتين ؛ أولاهما: أن هناك مشروعاً إمبراطورياً جاوز الإعداد إلى التنفيذ. وتنفيذه مرتهن ببرهانين: إما أن يؤول إلى ما يشبه جحيماً إقليمياً هائلاً مرشحاً للعالمية.أو إنه ينجلي عن مجرد أسطورة، لكنها ذات أكلاف دموية هائلة.
النتيجة الفعلية تتوقف على ما غدونا نتداوله من مصطلح أن ثمة صحوة عربية، وربما بعض إيرانية كذلك.
العرب قد يستردون ربيعاً آخر يأتيهم بالتغيير العظيم. والإيرانيون قد يتخلون عن كسراوية مؤسطرة غابرة.
ما كشفته حرب اليمن أن هناك مشروع إمبراطورية مكتمل الإعداد، ولكنه أمسى يقابله، وقبل فوات الأوان مشروع لمقاومة عربية وإنسانية حقيقية، وقد سبقت بوادر تنفيذه هذه المرة ما قبل إتمام إعداده. فهل هي عقلانية الأفعال الإستباقية على أفعالها أم هي الصانعة لها ولعصرها..
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي