ناحوم برنياع
يلبس وزير الدفاع يوآف غالنت منذ بداية الحرب قميصاً أسود. ويدل الأسود على الجدية والتصميم؛ والمسؤولية تدل على التواضع والاحتمال، عبء العمل؛ وهي ترتبط بوحدة ملابس الجنود.
القميص هو الرسالة: زيلينسكي بالأخضر؛ وغالنت بالأسود. لاحقاً، بدأ نتنياهو يغطي نفسه بالأسود؛ وقريباً غانتس.
هذه أيام وطنية، أيام الإجماع. مثل الجميع، أتعلق بقصص البطولة المؤثرة في 7 أكتوبر، وبوقوف رائع من المجتمع المدني في الأسابيع الثلاثة. مثل الجميع، جفت عيوني من الدموع؛ مثل الجميع، أترنح بين الأسى والفرح، بين الغضب والامتنان. فالضربة التي تلقيناها غير مسبوقة. والحاجة للانطواء تحت أخوة واحدة وشعار واحد، هكذا يطلب قراء الصحيفة. ليس هذا وقت علامات الاستفهام.
القرارات صعبة لأن الأثمان صعبة. يسهل الحديث عن الأثمان بتعابير اقتصادية، غير ملزمة، والأصعب قبولها بتعابير محددة. الصفقة التي يعدّها المبعوث الأمريكي ديفيد سترفيلد ورئيس الوزراء القطري محمد آل ثاني معاً لن تنحصر في وقف نار لبضع ساعات أو بتزويد شمال القطاع بالوقود والأدوية؛ فهذه بادرات طيبة يمكن للكابينت أن يقرها بسهولة.
المحطة الصعبة هي تحرير سجناء حماس. تنفس هائل للصعداء سيكون هنا عندما ينقذ أطفال ونساء وشيوخ من الأسر فيصطدم بالذكرى الأليمة من صفقة شاليط. السجناء الذين تحرروا في حينه، وعلى رأسهم يحيى السنوار، جلبوا علينا المصيبة الحالية. نتنياهو إياه، المعضلة إياها. أعتقد أنه ما كان مناص من الموافقة على صفقة شاليط بعد خمس سنوات ونصف في الأسر. الاحتفال الذي أجراه له نتنياهو في “تل نوف” بعد أن أقسم أمامي في ذاك الصباح بأنه لن يقيم له احتفالاً، كان أحد الفصول المحرجة في حياته السياسية الطويلة.
يحظى القرار بالعملية البرية في غزة في هذه اللحظة بتأييد جماهيري كامل. سينخفض الدعم عندما يتواصل القتال، وتطول قائمة الضحايا ولا يلوح النصر في الأفق. تكبدنا 1400 قتيل في 7 أكتوبر. أمهات مقاتلين، ومقاتلون أيضاً سيسألون حتى كم وحتى متى.
كل القرارات في الكابينت تتخذ بالإجماع، يقول الناطقون الرسميون، والمحللون في الأستديوهات يكررون وراءهم إحساساً بالواجب الوطني، لكنها ليست هي الحقيقة. الحقيقة هي أنه لا يوجد تصويت في الكابينات المقامة في الطوارئ. ثمة نقاش، وبعده يجمل رئيس الوزراء. أحياناً يسأل إذا كانت هناك ملاحظات. إجمالاً، لا تكون ملاحظات. فما المعنى من إبداء الملاحظة. وحتى كتابة هذه السطور، لم يتخذ الكابينت أي قرار ينطوي على ثمن سياسي ملموس. الاختبار آت، ولا يمكن تأجيله حتى الأبد.
الإصبع انتصر على الرأس
بعد ظهر أول أمس، طالت سحابة سوداء من فوق مركز مدينة غزة. ما شوهد على وجه الأرض – انهيار عمارة سكنية متعددة الطوابق – لم يمثل بالضرورة هدف القصف. بودي أن أفترض أن الهدف كان مناسباً. لقد ألقى القصف ظلاً ما على الاتصالات لإعادة المخطوفين. فقد جسد التوتر القائم في المداولات حول الموضوعين على الملأ. ما هو الأسبق، صفقة تحرير مخطوفين أم عمليات حربية في غزة، بما في ذلك الإحباطات، والتوغل البري. ثمة وزراء يرون في تحرير المخطوفين أولوية عليا؛ وآخرون يفضلون التوغل البري، ويرون أنه لن يعرقل الصفقة، بل سيدفعها قدماً ويخفض ثمنها. أما نتنياهو فيتنكر للحاجة إلى الحسم. هذا تفوقه، وهذا ضعفه: كل نقاش لديه ينتهي بنقاش آخر، مثل خيط بلا عقد.
يدخل الأمريكيون إلى الخلاف. لديهم أسباب وجيهة لتفضيل الصفقة: فالعملية البرية قد تجرهم إلى حرب في الشمال، وتهدد الأنظمة في الدول العربية المعتدلة، وتورط إسرائيل وتورطهم في الرأي العام داخل أمريكا. أما تحرير المخطوفين وبينهم مواطنون أمريكيون، فجيد لحملة انتخابات بايدن.
أعرب غانتس وآيزنكوت عن معارضتهما لعملية في الشمال كان قد نشر حولها في الأسبوع الأول من الحرب. وقد أخذا انطباعاً بأن لمعارضتهما تأثير دراماتيكي: فقد منعا قراراً محملاً بالمصيبة. يمكن للأمريكيين أن يدعوا ادعاءهم. فبالطريقة التي يدير بها نتنياهو الكابينت، الكل محقون: لكل تأثير؛ ليس لأي واحد تأثير حاسم. الأسهل منع قرار من اتخاذ قرار عملي.
الحكم ذاته ينطبق على القرار الذي اتخذ هذا الأسبوع لتفضيل تحرير المخطوفين على التوغل البري. هذا ما تقرر، لكن الكُتّاب في المستقبل سيقولون: ما الذي حصل؟ فهل كان المخطوفون السبب أم هي قصة تغطية لتأجيل عملية ثمنها باهظ ومنفعتها مشكوك فيها؟ مهما يكن من أمر، كما أثبت القصف أول أمس، عملياً لا يوجد تفضيل.
يتحدث نتنياهو وغالنت عن حرب تستمر أشهراً طويلة، ربما سنة، ربما أكثر – الأطول في حروب إسرائيل. السؤال: ماذا يعني هذا وقد جُند 360 ألف جندي احتياط في بداية الحرب؟ سيتعين عليهم إذاً تحرير معظمهم في موعد ما. والآن، مثلما في الأسابيع الثلاثة من الانتظار في 1967، يتضح هياج في مناطق الاحتشاد. فالتدريب والتسلح استنفدا نفسيهما.
في آذار 2002، بعد العملية الجماهيرية في فندق بارك في “نتانيا”، أمر رئيس الوزراء شارون الجيش الإسرائيلي بإبادة البنية التحتية للإرهاب والمس بالسلطة الفلسطينية. رسمياً، استمرت حملة “السور الواقي” شهراً ونصف شهر. حسب قادة في الجيش، استمرت حتى تشرين الثاني 2004 – سنتين. وحسب “الشاباك”، حتى 2007.
تجري الحرب الحالية حسب صياغة أهداف مشابهة (الخطاب أكثر تطرفاً لكنه فقط خطابي). معقول الافتراض أنها ستتطلب فصلاً زمنياً مشابهاً، إن لم يكن أكثر.
وزير كبير واحد على الأقل يفضل مناورة برية تستمر يومين – ثلاثة أيام، تحقق نتائج محدودة وتنتهي. أما الدخول إلى زمن طويل، فنهايته المراوحة في المكان. ليس مؤكداً أنها نية زملائه.
لمسألة الجدول الزمني معنى سياسي؛ فنتنياهو يتحدث عن حرب تستمر سنة. بعدها تبدأ الحكومة برئاسته بالفحص، كيف وقع القصور ومن المسؤول عنه. حسب تجربة الماضي، سيستمر التحقيق لسنة أخرى، إن لم يكن أكثر. توصيات اللجنة ستنافس قرار المحكمة: سينتصر من ينتهي أخيراً.
إن السياسيين الذين يسارعون إلى احتساب نهايته، عليهم أخذ الجدول الزمني بالحسبان. لعل نتنياهو يتولى منصبه على الزمن المستقطع. لكنه يحرص على أن يكون له الكثير من الزمن المستقطع.
والأساس، لا يوجد توافق على اليوم التالي ولا حتى نقاش. السيناريو الذي يقبله الأمريكيون واضح: طرد حماس من الحكم في غزة، وتسليم غزة إلى سلطة فلسطينية معززة، واستئناف المفاوضات وصولاً إلى حل الدولتين، بتشجيع السعودية والدول العربية المعتدلة. لا يمكن أن تقبل الحكومة الحالية هذا السيناريو. تدخل السياسة إلى داخل هذه الفجوات. الإثنين، بعد أن بلغنا، رونين بيرغمان وأنا، في الصحيفة عن أزمة الثقة بين نتنياهو والجيش، بما في ذلك إلقاء الذنب والتسريبات بين الطرفين، اجتهد مكتب رئيس الوزراء لإصدار بيان مشترك وصورة مشتركة. وكان الجهد مباركاً: أحد ما هناك فهم بأنه لا يمكن إدارة حرب على هذا النحو. على الرغم من ذلك، واصلت آلة السم العمل. التقى نتنياهو بغابي أشكنازي وباللواء بريك. لقاءات كهذه تجرى بالسر. وفي “الشاباك” طاقم يعرف كيف يحرص على ذلك. لكن مكتب نتنياهو أراد أن يدخل إصبعاً في عين غالنت (أشكنازي) وعين رئيس الأركان (بريك)، فانتصر الإصبع على الرأس.
وفي المساء، التقطت صورة لغالنت وهليفي على جانبي نتنياهو، كمغتصبين. الصورة ذكرت بالصورة الأيقونية لجال هيرش مع المخطوفتين من عائلة رعنان.
بعث لي أحد الضباط نص منشور كتبه إسحق سديه قائد “البلماخ” في 1945، كتب يقول: “أحد ما هناك يمسك بيديه بموازين حياتنا. كفتا الميزان ترتفعان وتهبطان، تهبطان وترتفعان. في إحدى الكفتين كارثة إسرائيل وحرب إسرائيل، في الأخرى مناورات السياسة. مع حلول الزمن، القِ بنفسك على كفة الميزان بقوة وبشجاعة، وسيتغير الميزان!”.
يديعوت أحرونوت 27/10/2023