في سجن منوبة: نسوة يبحثن عن الحب بين أربعة جدران

حجم الخط
0

قبل عشر سنوات، في خضم تداعيات ما أُطلق عليه «الربيع العربي» وجدت بولين هيلييه نفسها في سجن منوبة للنساء، عقب مشاركتها في مظاهرة نسوية، فاعتقلتها الشرطة بتهمة الإخلال بالنظام العام، وحاولت أن تجعل منها نموذجاً قصد تخويف الأجنبيات اللواتي كن يأتين إلى تونس من أجل التظاهر. كانت الكاتبة في منتصف العشرينيات من عمرها عندما ركبت سيارة الشرطة مكبلة اليدين، ونبهها رجل الأمن في الطريق: «هناك لا يوجد سوى مُجرمات، احذري منهن، لا تثقي فيهن، سوف يأكلن لحمك نيئاً، في السجن تعيش مختلات عقلياً». منذ الوهلة الأولى بدأ مسلسل الترهيب، وأدركت بولين هيلييه أنها تسير إلى عالم الفظائع، متمسكة بأمل ضئيل أن يتدخل محامون قصد إنقاذها، فقضيتها كانت على وسائل الإعلام كلها، والجميع متضامن معها، لكن المحامية الوحيدة التي تقدمت إليها نصحتها بالصبر، فالحكومة التونسية لم تكن لتتسامح معها، كما أن تدخل السفارة الفرنسية لم يعجل بحل القضية. هكذا وجدت الكاتبة نفسها في السجن، في جو من القلق ومن الصراخ والأوامر، وسوف تقضي فيه شهراً، وهي لا تحمل معها سوى ثيابها، التي لم تكن قد غيرتها منذ يومين، وكتاب أيضا. كتاب واحد، سوف يُرافقها في السجن، وهو مجموعة شعرية: «تأملات» لفيكتور هوغو. دخلت والخوف يملأ قلبها، فخرجت من سجنها وقد استعانت بالكتاب الشعري في تدوين قصص السجينات على هوامشه. وأصدرت بولين هيلييه، هذا العام، كتاب: «المتأملات» الذي تروي فيه قصصاً من سجن منوبة، واحد من أكثر السجون قساوة في تونس، أو هكذا يعرف عنه، دخلت إليه وهي لا تعرف من تونس سوى صورتها السياحية في بطاقات بريدية، فخرجت منه وقد صارت تعرف تلك البلاد في تفاصيلها، بل صارت كذلك تتكلم بدارجة تونسية، يحسدها عليها آخرون.

أن تتكلم العربية بلغة فرنسية

أول سجن سوف تجد الكاتبة نفسها فيه هو سجن اللغة، وهي القادمة من عائلة فرنسية ميسورة، لم تكن تفهم العربية، بينما كل الحارسات في السجن لا يتكلمن سوى الدارجة التونسية. تروي في كتابها تلك المواقف الساخرة والمحزنة، في آن، التي واجهتها في أيامها الأولى، حين تخاطبها إحدى الحارسات فترد الكاتبة بتصرف عكس ما تفيد به الكلمات. لكن شيئاً فشيئاً سوف تتعلم اللهجة التونسية، لن تتعلم بالكتابة والقراءة، بل بالسمع، والغريب أنها كانت تحفظ الكلمات ومعانيها في صيغتها الفرنسية، تكتب الكلمة كما سمعتها في ذهنها بالفرنسية. وبمساعدة سجينات، في وقت لاحق، سوف تصيغ قاموسها التونسي. لكن قبل الوصول إلى العنبر الذي سوف تقضي فيه فترة سجنها، لا بد أن تخضع للتفتيش، وهي واحدة من أكثر اللحظات إهانة كما عبرت عنها، حيث تجد السجنية نفسها مجبرة على خلع ملابسها كلها، عارية مثلما ولدتها أمها، ثم تجلس القرفصاء وتسعل، تسعل بكل ما تستطيع من قوة، لعل شيئاً يسقط من مخارجها، مخدرات أو سلاحا، كما علقت ساخرة، رغم ما شعرت به من مهانة في تلك الأثناء.
في مرحلة موالية سوف تُصادر إدارة السجن ممتلكاتها كلها، على الرغم من قلتها، بما في ذلك أموالها، وتستلم قسيمة بقيمة تلك الأموال كي تستطيع شراء أغراض من متجر السجن، وهو متجر يفرض أسعارا مضاعفة عن أسعار الأغراض في الخارج، كما أنه لا يتوفر سوى على الحد الأدنى من الحاجيات. ومن حظ بولين هيلييه أن السجانات سمحن لها بإدخال شيء واحد إلى عنبرها، هو كتاب فيكتور هوغو، الذي سوف تستعين بهوامشه في تدوين حكايات النساء اللواتي سوف تقابلهن في الداخل.

أنا سجينة وعرافة

حين تدخل امرأة سجن منوبة، فلا تفقد حريتها فقط، بل تفقد اسمها أيضاً، سوف تصير رقماً، ثم تفقد علاقتها مع جسدها، ففي ذلك السجن يُمنع على السجينات إظهار أي جزء من بدنهن، فلا بد من إخفاء كل شيء، لذلك وجدت بولين هيلييه نفسها مضطرة للبس ثوب فضفاض ومضحك، كما عبرت عن حالها، قبل أن تقضي يومها الأول في بكاء، وتشرع في اليوم التالي في التعرف، شيئاً فشيئاً، على النسوة اللواتي يقاسمنها العنبر. وقصد التقرب منهن قالت لهن إنها تعرف قراءة كف اليد. من يومها صارت السجينات ينادينها (العرافة) وفي مرات يحرفن اسمها فيصير بولونا. تجمع النسوة من حولها، كل واحدة منهن تود معرفة طالعها، وهن يمددن أياديهن إليها، ويصدقن كلامها، مع أن قراءة كف اليد لما يكن سوى لعبة في طفولة تلك الكاتبة، مع ذلك أصرت النسوة على سماع رأيها، نظير ثقتهن في الغيب، بعدما بلغن درجة متقدمة من اليأس. كنّ يمددن أيديهن ويردن سماع كلام يقلل من شجنهن، ومن خوفهن من الآتي، بينما الكاتبة الفرنسية تجيبهن بما يطمئن قلوبهن. هذه اللعبة زادت من حظوتها في أعينهن. صارت أكثر قرباً منهن. تعرفت على سجينة متهمة بالسرقة، وبصرف شيكات بلا رصيد من حساب زوجها، أخرى متهمة بقتل ابنها، وأخرى قتلت زوجة وعائلتها انتقاما من العنف الذي كانت تقاسيه. كل سجينة كانت تخفي ألما وراء قصتها، وكل واحدة منهن تدافع عن براءتها، لكن الشيء المثير الذي تحكي عنه الكاتبة هو التقسيمات بين السجينات. فاللواتي حكم عليهن بعقوبات طويلة الأمد يتحولن إلى عاملات في السجن. يخرجن في الصباح ويعدن في المساء، يعملن في مصالح السجن الأخرى المختلفة، ويحظين بالاحترام وينلن وجبة أكبر من الأخريات. بينما الدرجة السفلى مخصصة للواتي حُكم عليهن بعقوبات قصيرة الأمد. اللواتي يصرن ـ في بعض الأحيان ـ مجبرات على خدمة ذوات العقوبات الطويلة، كإحدى السجينات التي تغسل وتمسد أرجلهن حال عودتهن في المساء إلى العنبر. والفاصل الجامع بين هؤلاء النسوة هو حكاياتهن عن الحب، رغبتهن في أن يعشن مثل الممثلات اللواتي يشاهدنهن في التلفزيون، المُعلق على حائط العنبر. بل ليست السجينات وحدهن من يرجون الحب، حارسات السجن كذلك، حيث تحكي بولين هيلييه عن حارسة كلما تقدمت من رجل فرّ منها مدبرا، فمهنة حارسة في السجن لا تغري الرجال، بل تثير خوفاً في قلوبهم، كما قالت، وهي تسأل الكاتبة كلما همت بتفتيشها: «هل تظنين أنني سوف أصادف الحب؟».

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية