بيروت ـ «القدس العربي»: منذ عملية «طوفان الأقصى» في غلاف قطاع غزة، والعيون شاخصة في اتجاه لبنان، واحتمال اندلاع حرب بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، في إطار ما أعلن عن ضرورة دعم غزة، ووحدة الساحات بين أطراف محور المقاومة. ومنذ ذلك الوقت أيضا تتصاعد العمليات العسكرية بين حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي.
وهذا بدوره أثار تساؤلات المرجعيات الرسمية والحزبية والأوساط الاعلامية في لبنان عن احتمالات الحرب في ظل الوضع الداخلي اللبناني والإسرائيلي المأزوم على صعد مختلفة. وباعتقاد الدكتور محمد جمعة أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية أن حالة القلق التي تسيطر على قطاعات واسعة من اللبنانيين، ليس لأنهم على يقين بأن الحرب التدميرية على الأبواب، لكن الاجراءات التي اتخذت في لبنان أثارت مخاوف وقلق اللبنانيين.
وذكر الدكتور جمعة لـ«القدس العربي» بعض هذه الإجراءات ومنها طلب سفارات أجنبية وعربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا وفرنسا وإيطاليا وغيرها أيضا من رعاياها لمغادرة الأراضي اللبنانية فورا، كما طلبت من مواطنيها عدم زيارة لبنان في هذه الفترة.
وأضاف، وجاء قرار نقل عدد من الطائرات التجارية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية إلى المطارات التركية ليزيد الطين بلة من احتمال توجيه ضربة لمطار بيروت الدولي، والذي ترافق مع البيانات والتصريحات التي أطلقتها القيادات اللبنانية والأطراف اللبنانية التي تشير إلى أن التوتر العسكري في جنوب لبنان على طول الخط الأزرق الفاصل بين جنوب لبنان والجليل الأعلى، لن يتوقف عند حدود القصف والقصف المضاد كما يجري اليوم، وتتوقع أن تكون تلك العمليات التي مازالت محدودة مقدمة لحرب شاملة، وتتخوف من أن تؤدي إلى تدمير واسع في المناطق اللبنانية كما جرى في الحروب الإسرائيلية في لبنان عام 1982 و1993و2006.
إلا أن الدكتور جمعة استبعد اندلاع الحرب، لافتا إلى أن الاجراءات التي اتخذتها السفارات ودعوة رعايا الدول لمغادرة لبنان جاءت كإجراءات إحترازية في حال شهد لبنان حالة من الفوضى وموجات غضب قد يشهدها لبنان في حال تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ما قد يثير غضب اللبنانيين والفلسطينيين بشكل عنيف كما جرى من خلال مسيرات الغضب قبل اسبوعين أمام السفارة الأمريكية في منطقة عوكر شمال بيروت.
كثيرة هي الآراء التي تؤيد الدكتور محمد جمعة، لكنها تتناول الحالة العامة في لبنان من زوايا مختلفة، ويشدد الدكتور جورج الشمندي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، على أن أخطر ما يشهده لبنان اليوم هو نزوح عائلات لبنانية من جنوب لبنان إلى المدن الرئيسية اللبنانية والمناطق التي يرونها أكثر أمنا في صور وصيدا وبيروت والجبل.
وأكد د.الشمندي لـ«القدس العربي» أن أكثر من عشرين ألف لبناني غادروا منازلهم في جنوب لبنان، إلى المدن والقرى البعيدة.
واستبعد حربا واسعة يشنها حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي، لافتا إلى أن وضع لبنان الاقتصادي والسياسي لا يسمح باندلاع حرب شاملة أو تدميرية مع الجيش الاسرئيلي.
وأشار إلى أن حالة الانقسام الحاد بين الأطراف اللبنانية وموقف الحكومة اللبنانية الرافض لجر لبنان إلى الحرب، إلى جانب مستوى الضغط الذي يتعرض له لبنان تؤكد أو تستبعد إمكانية اندلاع حرب واسعة.
وختم قائلا، يشكل حجم المصالح الاقتصادية وعمليات الاستثمار الواسعة في جنوب لبنان، رادعا يمنع حزب الله من تفجير حرب مع الجيش الإسرائيلي، فمنذ العام 2006 شكل الاستقرار الأمني، حالة استرخاء ونمو اقتصادي واسع وتوجه رجال الأعمال للاستثمار في مناطق الجنوب اللبناني بدعم وحماية وتشجيع من حزب الله، ونشطت المؤسسات التجارية والسياحية والاستثمارية، وعاد الكثيرون من الأثرياء ورجال الأعمال للاستثمار والعمل التجاري في جنوب لبنان.
الحياة في مدينة صور والمناطق اللبنانية والمخيمات الفلسطينية المجاورة لها تبدو طبيعية، وحركة الأسواق عادية، يتوزع الأهالي في المقاهي وأمام محلاتهم التجارية. ويقول أحد أصحاب المحال التجارية «ربما تكون مدينة صور بعيدة عن مواقع القصف والاشتباكات الجارية الآن قرب الحدود، ولكن في حال اندلعت الحرب لن تكون مدينة صور سالمة من القصف والتدمير لأن الاحتلال الإسرائيلي عدو ماكر وغدار ولا يؤتمن، وبالتالي فإن الحديث عن احتمالات حرب مرتقبة، يثير مخاوف وقلق أهالي المنطقة، لافتا إلى ان مدينة صور التي تبعد حوالي 17 كلم من الحدود من فلسطين المحتلة استقبلت عائلات لبنانية نازحة من مناطق عيثا الشعب ويارين ورميش ورامية والظهيرة قرب الخط الأزرق».
وفي رأي الشاعر اللبناني نزار فرحات، فإن اندلاع حرب سيكون له نتائج كارثية على اللبنانيين بعد سنوات من الاستقرار النسبي لم تتعرض فيها القرى والمناطق في جنوب لبنان للتدمير، ولم تتعرض البنية التحتية للقصف، متسائلا، «ماذا لو اندلعت الحرب ونفذ الجيش الإسرائيلي تهديداته بتدمير البنية التحتية في لبنان، من يتحمل كل ذلك في ظل حالة الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي التي يعيشها لبنان، فالقيادات والأطراف اللبنانية جميعا والتي لا تستطيع ولا تتفق على انتخاب رئيس للجمهورية، كيف لها أن تخوض حرب مدمرة مع الاحتلال الإسرائيلي»؟.
وفي رأي الكاتب السياسي اللبناني حمزة الزين، أن المقاومة في لبنان قادرة على المواجهة ومن حقها دعم أهالي غزة والعمل على تنفيذ ما وعد به الرأي العام» وحدة الساحات» مشددا على أن قدرة المقاومة اللبنانية مع فصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة «حماس» ليست فقط في التصدي لهجمات العدو الإسرائيلي، بل أيضا يمكن للمقاومة اللبنانية الفلسطينية اختراق الحدود في اتجاه مواقع الاحتلال في الجليل الأعلى.
ودعا إلى «عدم تعميم حالات اليأس والاحباط في صفوف الشعب، لأن عملية طوفان الأقصى أكدت أن الاحتلال نمر من ورق، وهو عدو جبان في ميادين المواجهة والقتال، لذلك اعتمد على سياسة القصف والتدمير والترويع في قطاع غزة، ويحسب ألف حساب للاجتياح البري للقطاع».