تحت غطاء الحرب وبصمت إسرائيلي مقصود يصعد المستوطنون تهجير فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: قال تقرير للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» استنادا لتقارير دولية وإسرائيلية إنه تحت غطاء الحرب وبصمت مقصود من أجهزة دولة الاحتلال يجري تهجير المزيد من أهل الضفة الغربية من أرضهم، وهذا ما أشار له الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل يومين ضمن انتقاداته لانفلات واعتداءات المستوطنين بعد تأكيده حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها. وجاء في التقرير أنه وفقا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة «أوتشا» أن ما لا يقل عن 74 أسرة فلسطينية، قد هُجّرت في المنطقة «ج» داخل الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/اكتوبر بسبب تصاعد عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول. وقالت في تقرير أخير لها إن العائلات المهجرة تضم 545 فرداً أكثر من نصفهم أطفال، من 13 تجمعاً رعوياً أو بدوياً. هذه المنطقة، «ج» تعادل نحو 61 في المئة من مساحة الضفة الغربية المحتلة. وكتبت ماري لولور، المقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، قبل أيام على صفحتها في تويتر: «نسمع أخباراً مزعجة عن إصابة والد المدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني سامي الحريني في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون مسلحون على منزله في قرية التواني في الضفة الغربية المحتلة. يأتي ذلك وسط تقارير عن تزايد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة». وقال مكتب المقرّر التابع للأمم المتحدة في تقرير آخر إنه يحثّ السلطات الإسرائيلية «على اتّخاذ خطوات فورية لإنهاء عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين وضمان حماية السكان الفلسطينيين». وأشارت بيانات رسمية للأمم المتحدة في الأيام الأخيرة إلى أنها سجّلت تصاعد تهجير فلسطينيين من تجمعاتهم السكانية وسط مستويات «غير مسبوقة من عنف المستوطنين» الإسرائيليين في الضفة الغربية. ومن المهم الإشارة إلى أنه حتى قبل اندلاع الحرب الراهنة المستمرة في السابع من الشهر الجاري، قالت الأمم المتحدة في تقرير واسع إنه «منذ العام 2022 هُجّر أكثر من 1100 فلسطيني من 28 تجمعاً سكانياً بسبب تصاعد أعمال العنف وتم منعهم من الوصول إلى أراضي الرعي على أيدي المستوطنين الإسرائيليين. وخلال الفترة ذاتها أسفر 1614 حادثاً مرتبطاً بالمستوطنين عن سقوط ضحايا فلسطينيين أو إلحاق الأضرار بممتلكاتهم، وذلك بمتوسط بلغ 80 حادثاً في الشهر- وهو أعلى عدد تسجله الأمم المتحدة على الإطلاق منذ أن باشرت رصد هذه الحوادث في العام 2006. وجُمعت هذه المعلومات من تقييم للاحتياجات الإنسانية أجرته الأمم المتحدة مع شركائها من المنظمات الإنسانية خلال آب/اغسطس الماضي في عشرات التجمّعات الرعوية في شتى أرجاء الأرض الفلسطينية المحتلة. وقالت: «لم يزل عنف المستوطنين يشهد تصاعداً في شتى أرجاء الضفة الغربية على مدى السنوات الماضية. فقد وقعت ثلاث حوادث مرتبطة بالمستوطنين في اليوم بالمتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام 2023 بالمقارنة مع ما متوسطه حادثان في اليوم خلال العام 2022 وحادث واحد في اليوم في العام الذي سبق. وهذا أعلى متوسط يومي للحوادث المرتبطة بالمستوطنين وتلحق الضرر بالفلسطينيين منذ أن استهلت الأمم المتحدة تسجيل هذه البيانات في العام 2006».

شرق رام الله باتت خالية

وكتب الصحافي والمصوّر الإسرائيلي أورن زيف في موقع «سيحا مكوميت» (محادثة محلية) أن المستوطنين يستغلون حقيقة أن الاهتمام المحلي والدولي يتجه نحو الجنوب وغزة، لمواصلة طرد السكان الفلسطينيين من التجمّعات الرعوية في المناطق المعزولة في الضفة الغربية. ويقول: لقد نشرنا الشهر الماضي تحقيقا عن منطقة شرق رام الله، تبلغ مساحتها حوالي 150 ألف دونم، أي ثلاثة أضعاف مساحة تل أبيب ويافا، حيث نجح المستوطنون في إخلاء خمسة تجمعات فلسطينية من خلال إقامة بؤر استيطانية، وأعمال عنف يومية وطرد الرعاة من مراعيهم. والآن يمكن القول بكل أسف إن المنطقة خالية من الفلسطينيين، بعد طرد أكبر مجتمعين بقيا هناك، وادي السيق وعين الرشاش، في الأيام الأخيرة. ويشير إلى أن الوضع اختلف اليوم، بعد أن كان الناشطون اليساريون في الأشهر الأخيرة، قد حافظوا على وجود وقائي في كلا المجتمعين، ليلاً ونهاراً، وكان هناك بالفعل تحسن طفيف في شعور السكان بالأمان، لكن مع بداية الحرب تغير الوضع. فيوم الخميس الماضي، اقتحم مستوطنون وادي السيق، بدعم من الجيش، وأطلقوا النار في الهواء، واحتجزوا نشطاء يساريين وفلسطينيين، واعتدوا على السكان الذين تركوا معظم ممتلكاتهم وراءهم. منوها أن هذا تجمع يضم ما يقارب 300 شخص، حيث توجد أيضاً مدرسة تم إنشاؤها بمساعدة الدول الأوروبية، والآن تم التخلي عنها أيضاً. وبدأت مغادرة السكان مساء الأربعاء، بعد أن أطلق المستوطنون النار على ثلاثة فلسطينيين في قرية قصرة، وقتلوا فتى يبلغ من العمر 13 عاماً برصاص الجيش، وفي اليوم التالي، أطلق المستوطنون النار على موكب تشييعهم، ما أدى إلى مقتل أب وابنه.
وقال عبد الرحمن أبو بشير، رئيس المجلس المحلي: «لقد جاؤوا وقالوا لنا: اذهبوا إلى غزة أو الأردن» وعن ذلك يضيف: «كان النساء والأطفال قد غادروا المكان في الليلة السابقة، وفي الصباح وصل المستوطنون. كنا هناك لمدة 45 عاما. جاء المستوطنون مع الجيش، وليس جيشا عاديا، فكلهم ​​​​ملثمون، ضربوا وأطلقوا النار، حتى الجنود منهم. اضطررنا إلى الفرار، وتركنا وراءنا الكثير من المعدات». واقتبس الصحافي أحد الناشطين الإسرائيليين الذي قال: «بدأ السكان في الإخلاء يوم الأربعاء في الأسبوع المنصرم، وكان المستوطنون المسلحون يتجولون مختلطين بالجيش، بعضهم يرتدي الزي العسكري الميداني، وكانوا يستقلون سيارة تويوتا مدنية، وتبين أنهم لم يكونوا في الخدمة النظامية. نصب المستوطنون حواجز على مدخل القرية وعلى الطريق، كما تمت مصادرة هواتف الأهالي. اتصلنا بالجيش وقلنا إن هناك أشخاصاً يشكون في أنهم جنود، فأجابونا: هناك مستوطنون انضموا إلى الجيش للحراسة وكل شيء على ما يرام» في إشارة إلى التواطؤ المقصود.

الحرب كفرصة لمُواصلة
تحقيق أهداف سياسيّة

في هذا المضمار تقول منظمة «بتسيلم» في تقرير لها قبل أيام، إنه منذ بدء الحرب في قطاع غزة تصاعد مستوى العنف في الضفة الغربية: خلال عشرة أيّام فقط قتل الجنود والمستوطنون 62 فلسطينياً هناك وأصابوا العشرات بجروح. كما نُصبت حواجز في جميع أنحاء الضفة الغربيّة وسُدّت منافذ بلدات كثيرة وجرى إغلاق شوارع رئيسيّة وتقييد حركة الفلسطينيّين إلى حدّ كبير. إضافة إلى ذلك، صعّدت إسرائيل من مساعي تهجير تجمّعات فلسطينيّة وعائلات معزولة عن منازلها وأراضيها. ممارسات إسرائيل هذه هي محاولة رخيصة لاستغلال الحرب كفرصة لمُواصلة تحقيق أهدافها السياسيّة في الضفة الغربيّة والسّعي قدُماً نحو الاستيلاء على المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينيّة. وتقول المنظمة: إن الجزء الأكبر من مساعي الدولة ينعكس في ارتفاع حادّ طرأ على وتيرة وشدّة أعمال العُنف التي يمارسها المستوطنون ضدّ الفلسطينيّين – بدعم تامّ من جنود وعناصر شرطة، وفي أحيان كثيرة بمشاركتهم. بالنظر إلى ما يجري على أرض الواقع، يبدو أنّ المستوطنين يتصرفون، تحت غطاء الحرب، بلا أيّ وازع أو رادع حيث لا أحد يعمل على وقف عُنفهم – لا قبل وقوعه ولا في أثنائه ولا بأثر رجعيّ. وتتركّز مساعي التهجير في منطقة «ضهر الجبل» شرقيّ رام الله وفي منطقة الأغوار وفي تلال جنوب الخليل. كذلك فإن التقارير التي وصلت إلى «بتسيلم» تفيد بأنّ المستوطنين قد أغاروا على تجمّعات فلسطينيّة شتّى – معزّزين بالسّلاح أحياناً وبمرافقة جنود في أكثر من حالة. هاجم المستوطنون الأهالي، وفي حالات عدّة هدّدوهم بالسّلاح، بل وفي بعض الحالات أطلقوا النار عليهم فعليّاً. وأفاد عدد من الأهالي عن أضرار لحقت بممتلكاتهم، بضمنها هدم مبانٍ، سرقة مواشٍ، قطع أشجار، سرقة محاصيل زراعيّة، إتلاف خزّانات مياه وتقطيع أنابيب مياه وتحطيم ألواح شمسيّة. كذلك، سدّ مستوطنون طرقاً زراعيّة يستخدمها سكّان التجمّعات الفلسطينيّة ومنعوهم من الوصول إلى أراضيهم. في عدّة حالات، أمر مستوطنون وجنود الأهالي بإخلاء منازلهم وأراضيهم خلال مُهلة محدّدة وتوعّدوهم بالأذى إذا ما رفضوا.

خطاب الكراهية

وينوّه التقرير إلى ما يلي: «بالإضافة إلى هذه الممارسات ينبغي أن نذكر خطاب الكراهية والتحريض الذي يعمّ شبكات التواصُل الخاصّة بالمستوطنين وبضمن ذلك تهديدات صريحة ومباشرة للفلسطينيّين تتوعّدهم بالاعتداء عليهم جسديّاً وتخريب ممتلكاتهم، بل وقتلهم أحياناً. يتعرض سكّان التجمّعات الفلسطينيّة لهذا الخطاب وهُم يعلمون علم اليقين، بناءً على تجارب سابقة، أنّ هذه التهديدات ليست مجرد ثرثرة وإنّما هي تنذر بخطر حقيقي وشيك سيلحق بهم. ولم يترك هذا الواقع أمام السكّان الفلسطينيّين أيّ خيار آخر. بعد أن فقدوا القدرة على إعالة أسرهم وحتى على التزوّد بالطعام والمياه، وحيال الخطر الجدي الذي يتهدد حيواتهم منذ بداية القتال نزح جميع سكّان 8 تجمّعات تقطنها 87 عائلة تعدّ معا 472 شخصاً بضمنهم 136 قاصراً. بالإضافة إلى ذلك، في 6 تجمّعات إضافية نزح فقط جزء من العائلات، 11 عائلة تعدّ معا 80 شخصاً بضمنهم 37 قاصرا. بالمجمل نزحت 98 عائلة يعدّون 552 شخصاً بضمنهم 173 قاصرا. وينضمّ هؤلاء إلى ستة تجمعات فلسطينية أخرى كانت رحلت عن منازلها خلال السنتين الأخيرتين وتعدّ معاً أكثر من 450 شخصاً».
وينوه «مدار» أن الصحافي أورن زيف أوجز في تقريره أعلاه الوضع حالياً بأنه: تم إنشاء أكثر من عشر بؤر استيطانية غير قانونية في المنطقة في السنوات الأخيرة، والتي تستخدم رعي الأغنام لإبعاد الفلسطينيين. وقد تغادر التجمعات الفلسطينية القليلة المتبقية أيضاً بسبب الخوف الحقيقي على السلامة الجسدية للسكان. وفي العام الماضي وحده، تم إجلاء مئات الأشخاص من منازلهم بهذه الطريقة. وحسب منظمة «كيرم نافوت» نجح المستوطنون عمليا في السيطرة، أو منع وصول الفلسطينيين، في المنطقة الواقعة بين «شارع ألون» غربا، وطريق 90 (غور الأردن) شرقا، وطريق مرجات (طيبة) في الجنوب وطريق 505 (دوما) في الشمال. الآن، مع إخلاء أكبر مجتمعين في المنطقة، لم يتبق سوى عدد قليل من السكان في المنطقة. يشار إلى أنه حسب آخر الإحصائيات لحركة «السلام الآن» يعيش نحو 700 ألف مستوطن في 146 مستوطنة و146 بؤرة استيطانية عشوائية مقامة على أراضي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة. ويتابع التقرير: «ظاهريّاً يبدو وكأنّ المستوطنين يشنّون هجماتهم على التجمّعات الفلسطينيّة ويمارسون عُنفهم فقط بمبادرات خاصّة منهم فقط» تقول «بتسيلم» غير أنّ «عُنف المستوطنين هو جزءٌ لا يتجزّأ من سياسة معروفة تطبّقها دولة إسرائيل منذ سنوات طويلة في عشرات التجمّعات الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة – إنّها تنغّص عيش السكّان وتجعل حياتهم جحيماً لا يُطاق حتى يضطروا إلى الرّحيل عن أراضيهم كأنّما بمحض إرادتهم، ثمّ تستولي هي على الأراضي وتسخّرها لخدمة أهدافها، وخاصّة لإقامة مستوطنات أو توسيع مستوطنات قائمة. لقد ازدادت إسرائيل تطرّفاً في تطبيق هذه السّياسة منذ تولّي الحكومة الحاليّة السّلطة حيث يمنح وزراؤها الشرعيّة التامّة لهذه الممارسات ويشجعّونها ويدعمونها». ويؤكد التقرير أن هذه السياسة تشكل نقلاً قسرياً ممنوعاً لسكان مدنيين في منطقة محتلة. وفقاً للقانون الدوليّ – الذي التزمت به إسرائيل، بل وتعهّدت بتطبيقه – يُحظر تحت أيّ ظرْف ترحيل سكّان أرض محتلّة عن منازلهم. وحقيقة أنّ التهجير لا يتم بواسطة جنود يدهمون منازل السكّان ويطردونهم بأنفسهم لا تغير شيئاً من هذا الواقع، إذ يكفي أنّ الدولة تخلق الظروف القسريّة التي لا تترك أيّ خيار للسكّان الفلسطينيّين سوى الرّحيل. لقد تُرك الفلسطينيّون ليواجهوا مصيرهم وحدهم دون أيّة حماية من أيّ طرف. ويردّ الجيش والمستوطنون على محاولاتهم الدّفاع عن أنفسهم بالعُنف. وإزاء هذه الظروف يقع على عاتق المجتمع الدوليّ واجب ممارسة كلّ ما يملكه من آليّات التأثير من أجل وقف تهجير السكّان ووقف العُنف الموجّه ضدّهم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية