رام الله-غزة- «القدس العربي»: عاش قطاع غزة ليلة الجمعة فجر السبت يوما دمويا بامتياز، قطعت قوات الاحتلال الاتصالات وخدمات الإنترنت ووسط العتمة الكاملة انطلق مارثون القصف العنيف من جميع الجهات، برا وبحرا وجوا، على مدى ساعات، محدثا ما يصفه الباحث الفلسطيني خالد عودة الله باستراتيجية «الصدمة والرعب» shock and awe.
ويكمل عودة الله، وهو الباحث في العلوم الاجتماعية وفلسفتها، ومؤسس دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر، بإن الهجوم الصهيوني ليل أمس كان يهدف إلى تهجير المحافظات الشمالية ومحافظة مدينة غزة؛ فالقصف غير المسبوق والمتزامن براً وبحراً وجواً، مع قطع الاتصالات، ومؤتمر الحرب النفسية للناطق بلسان الجيش حول مستشفى الشفاء، واستثمار إشاعات الهدنة، كلها أمور تحقيق الصدمة وبث الرعب لدى سكان القطاع.
ويؤكد أنه لا ينطبق توصيف «الاستطلاع بالنار» على الغارات البرية الليلية المحدودة للجيش «الإسرائيلي» على طول السياج وأطراف غزة، وهو وفقا لذلك يراها عمليات نفسية دعائية بحتة، هادفة إلى رفع معنويات قواته واشغالها وإبقائها في حالة استعداد قتالي ومحاولة بائسة لمعالجة متلازمة «رِهاب الشجاعية».
ونفذت قوات الاحتلال مجزرة الشجاعية، وهي مجزرة ارتكبتها مدفعية الجيش الإسرائيلي صباح الأحد 20 تموز/يوليو 2014 خلال الحرب على غزة في حي الشجاعية المكتظ سكانيا، وراح ضحيتها أكثر من 74 شهيدا والهجوم كان يعتبر الأعنف، ومن بين الضحايا 17 طفلاً و14 امرأة وأربعة مسنين، ومئات الجرحى من المدنيين، وحسب وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون فإن تكثفت الهجمات في الشجاعية جاء من أجل إنقاذ عدد من الجنود المصابين برصاص وكمائن المقاومين الفلسطينيين.
وقتل في تلك المعركة 8 جنود إسرائيليين، كما تمكنت فصائل المقاومة من أسر أورون شاؤول.
تسمى برية وهي جوية
ويحلل عودة الله أن مثل هذه العمليات التي نفذها جيش الاحتلال خلال اليومين الماضيين متعارف عليها في حالات الجمود والانتظار على الجبهات وخاصة مواجهة الملل القارص لمعنويات الجيوش، في مقابل عمليات الاستطلاع بالنار والتي عادة ما تكون اقتحامية جريئة لاستفزاز القدرات الدفاعية للخصم.
ويكمل: «يلاحظ، أن الصور التي ينشرها الجيش الإسرائيلي لغاراته البرية لا تحوي على مشاهد لقتال بري وإنما في جلها صور لقصف جوي، تسمى برية وهي جوية!».
ونشر جيش الاحتلال «صورا لاقتحام بريّ!» يظهر فيها قادة قواته في غرف العمليات بعيداً عن الجبهة، وهو ما يعزز من هدفها الدعائي و«بطريقة هوليوودية» في محاولة ترميم واستعادة ثقة المجتمع الصهيوني بقيادة ما.
وحسب موقع إكسيوس الأمريكي فإن مسؤولين أمريكيين يقولون إن جو بايدن شارك بنيامين نتنياهو مخاوفه بشأن الخطة الإسرائيلية للهجوم البري على غزة، ويريد أن يكون الهجوم أقرب لما حدث بالموصل عام 2016 وليس الفلوجة عام 2004.
وأرسلت أمريكا في سبيل ذلك فريقاً عسكريا استشاريا من خبراء حروب المدن لمساعدة الجيش الإسرائيلي في التخطيط للعملية البرية في غزة بقيادة العميد جيمس غلاين الخبير في حرب المدن والعمليات الخاصة بسجل عملياتي حافل في العراق وسوريا.
غير أن رئيس حركة حماس في الخارج، خالد مشعل، الذي أكد أن «الحرب البرية على قطاع غزة قادمة» عاد وأكد مشاركة «الولايات المتحدة في المعركة حيث هناك 4 آلاف من قوات الدلتا الأمريكية إلى جانب جيش الاحتلال» وهو ما تعمل الولايات المتحدة على نفيه.
بدء الحرب
البرية على القطاع
وعاش قطاع غزة على مدى ساعات من مساء أمس وحتى فجر السبت حالة من القلق بفعل هجمات متزامنة على مناطق متفرقة من شمال القطاع، فيما أعلنت جهات عربية رسمية عن بدء الحرب البرية على القطاع فيما صرح مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أن ما تم تنفيذ هو مرحلة من مجموعة مراحل متدحرجة ستشكل معا العملية البرية التي يتحسب لها جيش الاحتلال الإسرائيلي كثيرا.
وشدد مشعل في تصريحات صحافية أن «واشنطن اليوم تسير بالتخطيط والإدارة المشتركة وبالمشاركة النوعية في المعركة لتحقيق حرب برية أو مناورة للوصول ما يريدون بأقل خسارة، لأن إسرائيل لا تتحمل خسارة مماثلة في 7 تشرين الأول/أكتوبر».
وتعتبر معركة الموصل 2016 بمثابة هجوم مشترك لقوات الأمن العراقية مع الحشد الشعبي، وقوات البيشمركة في كردستان العراق، وقوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية والتي تعتبر عاصمته. بدأت الحرب البرية في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2016 وانتهت بتاريخ 20 تموز/يوليو 2017.
ويرى مايكل نايتس، وهو زميل في برنامج الزمالة «ليفر» في معهد واشنطن ومقره في بوسطن، ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج، أن هناك مجموعة من الدروس المستفادة من معارك المدن في العراق وسوريا، وهو يستخلص مجموعة منها في مقال حمل عنوان: «التحدي الذي تطرحه حرب المدن في غزة: الدروس المستفادة من الموصل والرقة» أولها: من شبه المستحيل تجنب تدمير المناطق الحضرية، وثانيا، أن التكتيكات والتوقيت وجودة القوات لها أهمية كبيرة في هذه الحروب حيث لا رحمة في المعارك الحضرية بشكلٍ خاصٍ عند ارتكاب الأخطاء والشعور بالخمول وعدم تمتع القوات بجودة عالية. وثالثا، غالباً ما كان يتم توفير مخرج للعدو، ففي كل من منبج والرقة والفلوجة وعدة معارك صغيرة أخرى، عادةً ما كان يُترك لقوات تنظيم الدولة الإسلامية ممرا للهروب، وهو أمر كان مفيدا للتشظية، ورابعا: لقد دعمت الولايات المتحدة المعارك الحضرية الطويلة والمدمرة. فالحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، التي دعمتها الولايات المتحدة استمرت لمدة 277 يوماً في الموصل، و90 يوماً في الرقة، و23 يوماً في منبج.
وحسب عودة الله فإن المفارقة تكمن في أن الجيش الإسرائيلي قدم ذاته لجيوش العالم بعد عملية السور الواقي في الضفة (2002) بصفته الخبير الأول في حرب المدن، وقام بتحويل مركز تدريب حرب المدن في بئر السبع إلى مركز تدريب دولي لهذا الفن وساهم ضباطه كاستشاريين في معركة الفلوجة 2004 وغيرها من المعارك، ولكن من الواضح أن زلزال الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر قد أطاح بموقعه وسمعته العالمية في هذا المجال كما هو حال المجال الاستخباراتي.
ويشدد الباحث عودة الله أنه «لا جديد تحت شمس فلسطين، فمنذ ثورة 1936 على الاحتلال البريطاني وفلسطين تعتبر مختبراً عالمياً لتطوير وتجريب وافشال عمليات مكافحة التمرد الاستعمارية (أي قمع الثورات والحروب اللامتكافئة)».
ويعلق على مصطلح حرب المدن الذي ظهر مؤخرا بكثرة بإنه «منذ عشرين عاماً، بدأت الأدبيات العسكرية الاستعمارية تتكاثر حول ما سُميّ بالانعطافة المدينية في الحروب المعاصرة، والتي تشير إلى أنّ المدن والمناطق عالية الكثافة السكانية ستكون المسرح الرئيسي للعمليات العسكرية للجيوش الاستعمارية في مواجهة حركات مسلحة تتخندق في هذه المناطق، ومن ثمّ يجب تطوير فن/علم الحرب الاستعماري للتعامل مع هذا التحوّل، ومن هنا بدأ سيل من الكتابات والمؤتمرات وانشاء مراكز للتدريب لتأهيل قوات خاصة مقتدرة على خوض حرب المدن والتي كان عليها بالمختصر أن تعمل بنفس منطق حركات المقاومة، بأسلحة خفيفة ومجموعات صغيرة قادرة على التعلم والتأقلم والانغماس في النسيج المديني بإسناد جوي تكتيكي بالطائرات المسيرة أساساً وخرائط الذكاء الصناعي».
ويضيف: «على كل، وبعد كثير من الضجيج حول فن حرب المدن، لقد أوصلته إسرائيل إلى قمة تطوره، يمكن اختزاله في مقولة: فن حرب المدن هو ألا تكون هناك مُدن».
تهجير أم تقليص
ويعلق عودة الله على تفاصيل وتحولات الهجوم البري على قطاع غزة بإنه «صدرت العديد من التصريحات الإسرائيلية حول أهداف الحرب على غزة؛ والتي منها تدمير بنية المقاومة، وخلق واقع أمني جديد بسلطة جديدة» ويضيف: «بصرف النظر عن قدرة إسرائيل على تحقيق الهدفين الأولين، تبقى مسألة السلطة الجديدة هي المسألة الأعقد من هنا لا يبقى أمام إسرائيل سوى العمل على خلق واقع جديد أقل طموحا مما أعلنته في قطاع غزة».
ويرى أن شكل هذا الواقع والذي يمكن أن تقدمه كإنجاز فهو تقليص مساحة القطاع الحالية (360كم) إلى 200 كم مربع تقريبا وحشر 2.3 مليون مواطن غزّي فيها، ومساحة الـ 200كم هذه هي مساحة القطاع جنوبي وادي غزة بعد اقتطاع الجزء الشمالي بمساحة 135 كم (محافظتي شمال غزة ومدينة غزة تعداد سكانها 1.1 مليون) والتي سيتم اقتطاع منها حوالي 30 كم كشريط أمني- حدودي.
ويشدد عودة الله أن «هذا الهدف هو ما يسعى لتحقيقه بعمليات القصف التدميري المنتظم وتحويل القطاع الشمالي إلى منطقة غير قابلة للحياة (قصف المستشفيات والأسواق والمخابز وقطع المياه والكهرباء) وفي الوقت ذاته تحويل القطاع الجنوبي إلى منطقة جذب للبقاء على قيد الحياة ومن ثمّ تطويره لاحقاً إلى منطقة تدخل إنساني دائم بتوليفة أممية-عربية».
ويرى مراقبون أن ما جرى ليلة أمس يعزز هذا التصور حيث تركز القصف العنيف في مناطق متفرقة في شمال القطاع.
ويشدد الباحث عودة الله أن «أهداف إسرائيل النهائية للحرب كما فصلها وزير الحرب غلانت: الانفصال الكامل عن غزة، وإنشاء نظام أمني جديد في القطاع.. وهي أهداف لا يمكن تحقيقها بدون تحالف عربي مساند بعملية سياسية تحت عنوان حل الدولتين.
ويخلص: «بالطبع، كل هذا مرهون بنجاح إسرائيل في عملياتها العسكرية وهو أمر مستبعد».
وفي وقت سابق، كشفت صحيفة إسرائيلية عن وثيقة منسوبة إلى وزيرة المخابرات في حكومة الاحتلال تتحدث عن مخطط لتهجير الفلسطينيين، من قطاع غزة، إلى سيناء.
والوثيقة المسربة منسوبة إلى وزيرة المخابرات في حكومة الاحتلال، جيلا غمالائيل، وفيها تتناول مخططاً لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وإعادة البناء الاستيطاني فيه.
ورغم ذلك يرى محللون إسرائيليون وغربيون أن الأهداف التي يرفعها بعض قادة الاحتلال من الحملة العدوانية على قطاع غزة قد تكون «غير قابلة للتحقق».
وفي تقدير الباحث عودة الله، فإنّ كل الأحاديث عن خلافات ما بين قادة الجيش ونتنياهو وحول ضغوطات أمريكية لتأجيل العملية البرية مبالغ فيها (وربما تضليل إعلامي) وهو يقول: «لا أرى منطقاً في أن يغامر جيش يتمتع بالسيطرة الجوية المطلقة، وبمساندة دولية وعربية رسمية للمجزرة الجوية، وغير واثق بقدراته الاستخباراتية بالقيام بعملية برية. من الغباء أن تستعجل إسرائيل القيام بعملية بريّة وهي تقوم بتنفيذ مجازر يومية بالقصف الجوي بكل أريحية بمساندة دولية وعربية، سياسية وعملياتية»؟.
ويرى «أن هناك تناقضا بين الممارسة والقول في الجيش الإسرائيلي، حيث يُصدّر جنرالات الجيش الإسرائيلي للإعلام خطاباً عسكرياً احترافياً؛ صار الهجوم البري فيه يسمى مناورة برية، وفيه حديث عن مراحل عقلانية لتطوير العمليات العسكرية.. بينما في حواراتهم الداخلية لا يتجاوز خطابهم ثلاثية: الانتقام ورد الشرف والهيبة».