إنها أجاثا كريستي مرة أخرى، فبعد الحملة الإعلانية الكبيرة التي شملت مقالات في أشهر الصحف ومواقع الإنترنت الغربية وبعد طول انتظار من قبل هواة أفلام أجاثا كريستي، عرض أخيرا فيلم «الأرواح في البندقية» A Haunting in Venice الذي أخرجه ومثل الدور الرئيسي فيه البريطاني كينيث براناغ، وتدور أحداثه في مدينة البندقية الأيطالية الساحرة، ولكن هل كان فعلا اقتباسا من رواية للكاتبة الشهيرة؟ وهل كان ناجحا في تماشيه مع أسلوبها المعروف؟ لا يستطيع المرء إلا أن يشك في هذا.
قصة الفيلم
تدور أحداث الفيلم عام 1947 حيث قرر المحقق الشهير «هركيول بوارو» Hercule Poirot (كينيث براناغ) التقاعد في مدينة البندقية الإيطالية رافضا أي قضية جديدة، ومبتعدا عن أي اتصال بالمجتمع، حتى إنه عين حارساً شخصياً فظاً، كان يعمل ضابطا في الشرطة المحلية. ولكنه يستلم زيارة من صديقته القديمة الكاتبة الأمريكية «أريادني أوليفر» (تينا فَي) في يوم عيد «هالوين»، التي تقنعه بحضور جلسة تحضير أرواح تقيمها خبيرة شهيرة في قصر مغنية الأوبرا المعروفة «روانا درَيك» (كيلي رايلي) كي يكشف خداع خبيرة الأرواح ويفضحها. وكان سبب الجلسة أن صاحبة القصر ترغب في الاتصال بروح ابنتها التي انتحرت بعد أن فسخت خطوبتها، ويحضر المناسبة كل من له علاقة بالفتاة المنتحرة. وسرعان ما يكتشف بوارو حيلة خبيرة الأرواح ويفضحها، كما يفضح شريكين لها في الاحتيال. ولكن الخبيرة لم تتراجع، بل طلبت من «بوارو» أن يكون أقل جدية في الحياة. ويغادر الجميع القاعة لقضاء الليلة في غرفهم حيث أن جلسة أخرى ستقام في اليوم التالي. وما أن بقي «بوارو» في القاعة بمفرده حتى حاول أحدهم مهاجمته من الخلف وقتله عن طريق طمس رأسه في وعاء مليء بالماء دون نجاح، إذ فر المهاجم فجأة قبل إتمام المهمة. ولم يعرف «بوارو» من هاجمه، ولكن خبيرة الأرواح تُقتَل بطريقة بشعة بعد ذلك مباشرة.
وهنا يبدأ «بوارو» تحقيقه، حيث لا تستطيع الشرطة الوصول ألى القصر لكونه محاطا بالمياه وهبوب عاصفة جعلته معزولا عن العالم الخارجي، وسرعان ما يكتشف «بوارو» أنه كان ضحية مكيدة من تدبير صديقته الكاتبة الأمريكية وحارسه الشخصي، لتأليف كتاب تبين فشله في اكتشاف خدعة خبيرة الأرواح. ويستمر التحقيق الذي عانى «بوارو» وآخرين خلاله من سماع أصوات أطفال ومشاهدته طفلة غامضة تظهر وتختفي فجأة وكأنها شبح. ويكتشف «بوارو» أن القصر كان في الماضي ملجأ للأيتام توفي الكثيرون منهم بوباء الطاعون، فهل ما كان يشاهده «بوارو» هي أرواح هؤلاء الأطفال؟ وينهار أحد المدعوين، الذي كان طبيب الفتاة المنتحرة، فتضعه صاحبة القصر في غرفة مقفلة وأعطت المفتاح الوحيد لـ»بوارو». وكان الطبيب قد حضر أصلا مع ابنه الصبي، ولكن الطبيب يُقتَل في تلك الغرفة بطريقة أثارت دهشة الجميع. ويكتشف «بوارو» في نهاية المطاف أن ابنة صاحبة القصر لم تنتحر، بل قُتِلَت على يد والدتها التي حاولت قتله وقتلت خبيرة الأرواح وأجبرت الطبيب على الانتحار حيث خشيت أن تقوم خبيرة الأرواح بكشف سر مقتل ابنتها، بينما أجبرت الطبيب على الانتحار عندما هددته بقتل ابنه في القصر لظنها أن الطبيب قد أرسل إليها رسائل ابتزاز. واكتشف «بوارو» أيضا أن سبب سماع ومشاهدة الأطفال كان وضع صاحبة القصر مادة مهلوسة في شراب المدعوين لاسيما «بوارو». وعندما تجد صاحبة القصر نفسها محاصرة على شرفة القصر من قبل «بوارو» تظهر أشباح غاضبة أثارت رعب «بوارو» وصاحبة القصر التي تقفز لتلقى حتفها. وفي النهاية تأتي الشرطة ويصرح «بوارو» بأن رسائل الابتزاز لم تكن من الطبيب، بل من ابنه الصبي. ويعود «بوارو» إلى نشاطه السابق في حل القضايا في مدينة البندقية وينتهي الفيلم.
إذا وجد المشاهد الفيلم ضعيف المنطق، فهو على حق تماما، فإن القصة غير مترابطة وطريقة كشف «بوارو» لخفايا القضية كانت مضحكة على عكس روايات الكاتبة البريطانية، حيث كانت تحوي بعض المنطق كي يستطيع القارئ متابعتها. ولكن صانعي الفيلم لم يعيروا للمنطق أي أهمية.

نال الفيلم نجاحا ملحوظا بالنسبة لشباك التذاكر ورد فعل النقاد، ولكن هذا النجاح لا يعد سببا كافيا لدراسة تسويق الأفلام بطريقة تجعل المشاهد، وحتى الناقد، لا يلاحظ كيف تم خداعه بطريقة مدروسة بعناية، على الرغم من الهفوات الجسيمة في منطق القصة وتسلسل الأحداث، فمثلا كان إقحام اسم الكاتبة البريطانية الذائعة الصيت أجاثا كريستي في الفيلم، حيث أدعى صانعو الفيلم أن قصته مقتبسة من رواية لها باسم «حفلة الهالوين» Halowe’en Party التي نشرت عام 1969، وكانت إحدى أقل روايات الكاتبة نجاحا وشهرة، حيث تميزت بركاكة حبكتها. ولكن التشابه بين الفيلم والرواية، اقتصر على حدوث جريمة قتل يوم الاحتفال بعيد هالوين، أما بقية التفاصيل فمختلفة تماما، ولذلك، فإن جعل «هركيول بوارو» بطل الفيلم كان خدعة لتسويق الفيلم وضمان حضور هواة الأفلام المقتبسة من أعمال الكاتبة البريطانية، وكان أحد الأفكار التسويقية. تناول الإعلام الفيلم بشكل طفيف، ثم تصاعدت الحملة الإعلامية بسرعة. وعُرض الفيلم بعد تجاوز عدد مشاهدي فيلمي «أوبنهايمر» و «باربي» الذروة. وبذلك لم يتأثر الفيلم، وكان من أكثر أفلام السنة نجاحا، على عكس فيلم «مهمة مستحيلة (الجزء السابع) Mission Impossible للممثل توم كروز الذي عرض في فترة عرض الفيلمين الشهيرين، ما أدى إلى التقليل من نجاح الفيلم. وفي الوقت نفسه استفاد الفيلم من نجاح الفيلمين لأنهما شجعا الجمهور على الذهاب الى دور العرض.
طالما أن «هركيول بوارو» كان من المنطقة الناطقة بالفرنسية من بلجيكا، فقد اضطر الممثل تصنع اللهجة الفرنسية، ولكنه لم يكن موفقا، حيث كان الاصطناع واضحا. وكان من الأفضل الاستعانة بممثل ناطق باللغة الفرنسية كي تبدو اللغة وطريقة حركته أكثر طبيعية.
اعتمد الفيلم على أسلوب أفلام الرعب لجذب المشاهدين الشباب، وكذلك الأجواء المظلمة بشكل ملحوظ. وللأجواء المظلمة أهمية خاصة، إذ تحولت في السنوات الأخيرة إلى سمة مميزة للأفلام السينمائية لعدة أسباب، فالظلام يسبب توترا طفيفا لا إراديا لدى المشاهد، يجعله أكثر تشوقا.. وبسبب الظلام يستطيع المخرج السيطرة على ما يركز عليه المشاهد على الشاشة، لأن المشاهد سينظر بشكل تلقائي إلى الأشياء المضاءة بقوة حسب خيار المخرج مثل وجه الممثل أو سلاح الجريمة. وتنجح الأجواء المظلمة كذلك في جعل المشاهد يستنتج حسب خياله ما يدور في الظلام، ما يقلل من عمل المخرج ويزيد من جذب المشاهد للفيلم. وأخيرا يوجد سبب اقتصادي للجوء إلى الأجواء المظلمة، ألا وهو الديكور المستعمل لكل مشهد، فالأجواء المظلمة تجعل الحاجة إلى الديكور الجيد غير ضرورية، مما يقلل من تكاليف الإنتاج.
كانت فكرة جعل أحداث قصة الفيلم تدور في مدينة البندقية الإيطالية، التي تعد أحد أشهر المعالم السياحية في العالم ذات تأثير إيجابي، فأجواء البندقية بقنواتها المائية وأبنيتها القديمة، أضفت جمالها على المشاهد، كما زادت من التشويق عندما ظهر القصر محاطا تماما بالماء، على الرغم من عدم وجود قصر بهذا الشكل في المدينة، حيث يمكن الوصول إلى كل قصورها برا. وفكرة الاستعانة بمدينة سياحية بارزة دائمة النجاح، فأشهر أفلام الممثلة أودري هيبورن وودي آلن دارت أحداثها في أشهر المدن السياحية مثل، روما وباريس وسَانت بطرسبورغ وغيرها. طالما أن نجم الفيلم كان المحقق الشهير «هركيول بوارو»، فعلينا تحليل مدى نجاح الممثل كينيث براناغ في أداء هذه الشخصية الشهيرة في ثلاثة أفلام متتالية قام بإخراج كل منها، وحسب روايات أجاثا كريستي، كان «هركيول بوارو» قصيرا وبدينا، على عكس الممثل كينيث براناغ. ولكن ما يثير الانتباه في هذه النسخة للمحقق الشهير ذلك الشارب الغريب، فروايات أجاثا كريستي ذكرت الشارب المميز للمحقق، ولكن شارب الممثل كان مبالغا جدا به بالنسبة للحجم والشكل، واحتاج الأمر إلى توظيف خبيرة لتقوم بإعداده وتركيبه على وجه الممثل، واضطرت تلك الخبيرة إلى أن تستعمل رأس تمثال مطابق للممثل وتجربة الشارب عليه قبل إلصاقه على وجه الممثل.
ويلاحظ المشاهد أن الممثل كينيث براناغ عندما يؤدي دور الشخصية «هركيول بوارو» لا يضحك أو يبتسم أبدا، على الرغم من أن الشخصية في روايات أجاثا كريستي امتازت بخفة الظل. والسبب هو سقوط الشارب عند الابتسام أو الضحك، فقرر الممثل تجنبهما ما جعل الشخصية ثقيلة الدم بوضوح وقلل من دقة التمثيل. وكان أصعب مشهد بالنسبة للخبيرة ذلك الذي عرض محاولة قتل «بورارو» عن طريق إغراقه في الماء، حيث أتلف ذلك الشارب تماما، ولا نعلم كم شاربا ستُعمِل كي يتم تصوير المشهد بنجاح. ومن الجدير بالذكر أن مقارنة بسيطة بين مظهر الممثل في هذا الفيلم ومظهره عندما مثل الدور نفسه في فيلم «جريمة قتل في قطار الشرق السريع» (2017) الذي تدور أحداثه في أوائل الثلاثينيات تثير استغراب المشاهد، حيث نجد أن الشارب في الفيلم القديم كان أكبر بكثير، وتميز بالشيب، بينما قامت الخبيرة في الفيلم الجديد بصبغه باللون الأشقر لإعطاء «بوارو» مظهرا أكثر شبابا لأن الممثل في الثانية والستين من عمره بينما كان من المفروض أن يحدث العكس، فالإنسان يكبر في العمر ولا يصغر.
طالما أن «هركيول بوارو» كان من المنطقة الناطقة بالفرنسية من بلجيكا، فقد اضطر الممثل تصنع اللهجة الفرنسية، ولكنه لم يكن موفقا، حيث كان الاصطناع واضحا. وكان من الأفضل الاستعانة بممثل ناطق باللغة الفرنسية كي تبدو اللغة وطريقة حركته أكثر طبيعية.
الأرواح
من الغريب في الأمر أن جلسات تحضير الأرواح تقليد يؤمن به البعض في العالم الغربي، وكان السومريون في العراق أول من ذكره، وهو موجود بوضوح في الفكر الغربي حيث أخذ طابعا دينيا وكذلك أدبيا، إذ تحوي مسرحيات الكاتب المسرحي البريطاني وليام شيكسبير على شخصيات الأرواح حتى أنها من يكشف الحقائق المخفية فيها. ولكن الأمر تطور في الولايات المتحدة الأمريكية في أربعينيات القرن التاسع عشر لتصبح جلسات تحضير الأرواح تقليدا اتبعته الطبقة الراقية هناك، لاسيما أثناء الحرب الأهلية الأمريكية حيث ظن بعض الأمهات أن بإمكانهن عن طريق هذه الجلسات الاتصال بأرواح أبنائهن الذين قتلوا في الحرب. وكانت هذه الجلسات بإشراف شخص يعمل وسيطا بين الأرواح المزعومة والناس. وما تزال هذه الجلسات تقام حتى الآن من قبل من يؤمن بها أو على سبيل الترفيه.
باحث ومؤرخ من العراق