القاهرة ـ «القدس العربي»: في ظل غياب أي دور فاعل للجامعة العربية في مختلف الكوارث التي تحل بالعالم العربي منذ عقود، يفرض السؤال نفسه، ألا يشعر كبار المسؤولين في ذلك الكيان الميت الذي لا يغري سوى موقعه المطل على النيل، أن الراتب الذي يتقاضونه من لحم المواطن العربي مشكوك في مشروعيته؟ كالعادة ومنذ أن بدأت الحلقة الأحدث في الصراع العربي الإسرائيلي متجسدة في الحرب التي ترتكب خلالها إسرائيل أبشع الجرائم غاب أي تأثير للجامعة التي باتت نسياً منسيا، ولا يتذكرها أحد ولو من قبيل الترحم عليها، لأجل ذلك يبدو مقترح البعض وجيها بشأن ضرورة أن يُسأل الأمين العام للجامعة وكبار مساعديه على الفتوى الشرعية حول مدى مشروعية دخله الشهري؟ وبدوره قال السفير سامح شكري وزير الخارجية، إن ما يتعرض له المدنيون في قطاع غزة من حرمان من حقوقهم في الوصول للمياه النظيفة، هو فعل يتسم بعدم المشروعية، وفقا للقوانين والمواثيق الدولية، التي تحدد حقوق المدنيين خلال النزاعات المسلحة.. وكشف السفير أحمد أبو زيد، أن سامح شكري أكد المخاطر الجسيمة التي تكتنف مسار توسيع القوات الإسرائيلية لعملياتها البرية في غزة، مشددا على ضرورة بذل جهود دولية منسقة، والبناء على مباحثات القادة ومسؤولي الحكومات خلال قمة القاهرة للسلام، من أجل وقف الحرب الدائرة، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين، وهو ما اتفقت معه وزيرة خارجية بلجيكا، باعتبار ذلك أولوية ملحة لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.. وقال السفير حسام زكي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، إن ما تفعله قوات الاحتلال الإسرائيلية في قطاع غزة جريمة، ومخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة. وأضاف أن القانون الدولي فيه شق يطلق عليه القانوني الدولي الإنساني، الذي يتضمن 4 اتفاقيات تعرف باتفاقيات جنيف الأربع، موضحا أن هذه الاتفاقيات اعتمدت بعد الحرب العالمية الثانية، حتى تكون معيارا إنسانيا لأي حرب تندلع بعد ذلك. وفي ما يتعلق بمسألة التهجير القسري للفلسطينيين، أكد أن موقف مصر صلب في هذا الشأن، لافتا إلى أن الفلسطينيين فهموا الدرس من 1948 ولذا هم متمسكون بأرضهم ولن يتخلوا عنها أو يرحلون إلى غيرها. وأوضح أنه لا يحق للمحتل نقل السكان في الدولة الواقعة تحت الاحتلال، أو طردهم خارج حدود بلدهم، وهذا معناه التهجير القسري، مشيرا إلى أنه لا يحق للدولة المحتلة أن تأتي بسكانها وتجعلهم مقيمين في الدولة التي تحتلها، وهذا هو الاستيطان، وفقا لاتفاقيات جنيف. ولفت إلى أن وضع الاحتلال الإسرائيلي كان مزريا يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول وما حدث كان هزيمة وانكسارا، مؤكدا أن الكل مؤمن بأنه سيأتي يوم ويكون هناك حل سياسي للقضية الفلسطينية، لكن الآن الجانب الإسرائيلي لا يريد هذا، وبعض الدول لا تريد إغضابه، لكنها متضررة من هذا الأمر. وشدد على أن حديث إسرائيل وزعمها بالقضاء على حماس واقتلاعها هو مجرد كلام فارغ، ولا يرقى لمستوى المسؤولية والحدث، وإلا كانت فعلت ذلك الأمر منذ سنوات. وقالت رئيسة حزب الدستور جميلة إسماعيل، إن العالم قبل يوم 7 أكتوبر، غير العالم بعد هذا اليوم، هذا ما ندركه بالتدريج وعلى مستويات مختلفة. وأضافت، بعد تلك الليلة التي عزلت فيها غزة عن العالم، واختفت من نطاق التغطية ليلة 27 أكتوبر/تشرين الأول «بدأت بهذه المرحلة جرائم تتم في الظلام ضد التوثيق، وفي عماء كامل من العالم، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعملية إبادة جماعية، يحركها جنون اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يتحرك بكروت خضراء من العالم الذي يصف نفسه بأنه حر ومتحضر وإنساني».
ومن الانشطة الداعمة للفلسطينيين: افتتحت جمعية محبي الفنون الجميلة معرضا لفن الكاريكاتير بعنوان.. (غزة في قلوبنا) بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير. ومن المقرر أن يستمر معرض «غزة في قلوبنا» حتى 16 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
لم نستيقظ بعد
ليس جديدا ولا مفاجئا، على حد رأي الدكتور أحمد عبد ربه في «الشروق» أن يتكرر فشل وعجز النظام الدولي في استخدام أدوات القانون الدولي والدبلوماسية الدولية في حماية أكثر من مليوني شخص مدني أعزل في قطاع غزة، فلا مجلس الأمن ولا الجمعية العمومية للأمم المتحدة قادرين على فرض قواعد القانون الدولي على إسرائيل وداعميها في العالم الغربي أكثر من مشروع قرار أمام الجمعية العامة ومجلس الأمن بلا طائل، إما بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) أو بسبب عدم إلزامية القرارات الأممية التي تصدر من الجمعية العامة. فشل النظام الدولي من قبل في إلزام إسرائيل بقبول القرارات الأممية بخصوص حل الدولتين، وبخصوص قضايا اللاجئين، وبخصوص المستوطنات غير الشرعية، وبخصوص وضع مدينة القدس الشرقية، تعلم إسرائيل جيدا هذا العجز، وتعرف أن لديها ضوءا أخضر لفعل ما تريد وكيفما تشاء بسبب الدعم الأمريكي والغربي، وبسبب عجز المنظومة الدولية عن فرض عقوبات عليها كونها الطفل المدلل للغرب، الذي لا يمكن عقابه أو محاسبته، أو حتى منعه من مواصلة خرق القوانين، لكل هذا ثمن معروف، وهو ثمن ربما أخطر مما يعتقده الساسة والدبلوماسيون في الغرب، أو ربما يعلمونه، لكنهم أضعف من أن يقولوه صراحة، هذا الثمن ببساطة هو الفوضى والمزيد من عدم الاستقرار، وانتشار العنف ليس فقط في الشرق الأوسط، لكن في دول العالم أجمع. إن أول ملامح نتائج هذا العجز الدولي ستتبلور في تأصيل فكرة العنف كوسيلة للمقاومة والخلاص ليس فقط بين الشعب الفلسطيني، لكن بين الكثير من العرب والمسلمين وغيرهم من الشعوب المغلوبة على أمرها.
إسرائيل لا تعترف بالضعفاء
إذا كانت إسرائيل لا تعرف ولا تحترم سوى الأقوياء، كما أوضح الدكتور أحمد عبد ربه، وإذا كان القانون الدولي لا يخضع له سوى الضعفاء، فإن النتيجة المباشرة لهذا هو احتضان الشعوب لفكرة العنف، كوسيلة للاستقواء والتمكين وتغيير المعادلات الظالمة بالنسبة لهم. هنا تتخطى المشكلة حماس أو الجهاد، نحن نتحدث عن انتشار هذه القناعات بين الأفراد والجماعات من غير الدول، وبالتالي فإن تحطيم آلة حماس العسكرية بفرض حدوثها لن تكون هزيمة لحماس، كما يعتقد الجانبان الإسرائيلي والغربي، لأن حماس هنا ستكون الفكرة لا التنظيم، وهنا يأتي ثاني نتائج هذا العجز الدولي والمتمثل في اشتعال سريع لمنطقة الشرق الأوسط ودخولها في نفق الحروب، سواء تلك الاعتيادية، أو تلك التي يتم خوضها بين وكلاء الدول المتحاربة فالمشكلة هنا ستكون أكبر من دخول إيران في حرب إقليمية، لكن ستكون تحول المنطقة إلى ساحة للفوضى ينتشر فيها السلاح بين الجماعات العنيفة من غير الدول، فيضرب العنف والإرهاب المنطقة ويضرب معها الاستقرار الإقليمي الهش بطبيعته مع مزيد من الانهيارات والثورات والحروب الإقليمية أو الأهلية أو كليهما، وهنا فإن الفوضى العارمة المنتظرة في الشرق الأوسط لن تقتصر عليه، فالشعوب العربية والإسلامية وغيرهم منتشرون في أرجاء العالم، ما يعني أن ما سيطال المنطقة من عنف وإرهاب سينتشر بسرعة كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة، وسيطال مصالح وقواعد هذه الدول في العالم أجمع، وهو سيناريو كابوسي، أشبه بسيناريو الحادى عشر من سبتمبر/أيلول، لكنه سيناريو محتوم لطالما عجز النظام الدولي عن اتخاذ أي قرارات حياله لفرض الشرعية الدولية، ولطالما تخاذلت الدول الغربية عن نصرة الحق الفلسطيني تحت دعوى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، هذا يعني أيضا أننا من المنتظر أن نشهد خلال السنوات القليلة المقبلة تصاعدا قويا في الأصوليات الدينية والأيديولوجية، وهو ما يحيي نظرية صامويل هنتنغتون الشهيرة عن صراع الحضارات أن إسرائيل بعدوانها على غزة ومجازرها بحق المدنيين، والأطفال والنساء، والصحافيين والمستشفيات تجر المنطقة والعالم إلى مرحلة جديدة من الفوضى الدولية، وما لم يقف المجتمع الدولي وقفة حازمة لكبح الغطرسة الإسرائيلية في الأيام المقبلة فإن الندم العالمي مقبل لا محالة، لأن الخسائر وقتها ستطال كل مكان في العالم، إما إيقاف الآلة العسكرية الإسرائيلية الآن، وإما فوضى حتمية مقبلة.
لا يعرفون المسيح
فلسطين ليست مجرد أرض أو وطن، هي أكبر من ذلك وأسمى، فهي كما أوضح الدكتور ناجح إبراهيم في «الوطن» مسرى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وفي القدس صلى الرسول «صلى الله عليه وسلم» بالأنبياء جميعا، وإلى فلسطين هاجر إبراهيم أبو الأنبياء، وإليها هاجر لوط بعد أن نجاه الله ومن معه من العذاب، وفيها عاش سيدنا داود وبنى محرابه، وفيها عاش سيدنا سليمان وحكم العالم إنسه وجنه وطيره وقصته مع وادي النمل معروفة، وهي الآن قريبة من عسقلان، وفي بيت لحم في فلسطين ولد المسيح، وفى الناصرة عاش فيها مع أمه، وفي الناصرة والقدس كان آل عمران جميعا، ومعهم سيدنا زكريا ويحيى، وقصة طالوت وجالوت حدثت في فلسطين. فلسطين كانت القِبلة الأولى للمسلمين قبل التوجه إلى الكعبة، فلسطين لن تستطيع قوة أن تمحو ذكراها من نفوس العرب والمسلمين، فلسطين في القلب لدى الجميع الطائع والعاصي والمتدين وغير المتدين والليبرالي واليساري. أفضل عنوان كُتب عن أحداث غزة كان في مجلة «صوت الأزهر» وهو «لا مسيح في الغرب ليحيي كل هذه الضمائر الميتة» وتحته صور عشرات الأطفال الغزاويين القتلى في أكفانهم. «فداك يا رب» كلمات بسيطة قوية رائعة قالها شاب فلسطيني وهو ينعى ابنه الجميل الذي استشهد بقذائف جيش الاحتلال، الحمد لله، فداك يا رب، فداك يا رب، ويشير إلى ابنه قائلا: شوفوا زي القمر، ويردد «فداك يا رب» مرات ومرات. كلمات لا تصدر إلا من ولي عظيم من أولياء الله فليست الولاية إلا بالتسليم الكامل لله، وبحسن التوكل والإنابة إليه.
لا تحزنوا
الولاية الحقيقية، كما قال الدكتور ناجح إبراهيم ليست لحية طويلة أو سبحا متعددة أو دندنة لكلمات تسقط تحت وقع أي اختبار لشهوة أو شبهة. حسبك يا بني ما انطلق به لسانك تعبيرا عن قلب جميل صاف محب لله. لا تحزن فنصر الله آت، لا تحزن فإن الله سيخلفك خيرا، لا تحزن فإنه شفيعكم يوم القيامة، لا تحزن فالملائكة تقف معكم وتناصركم وملايين المسلمين قلوبها معكم. جيش الاحتلال الذي لا يقهر لا مهمة له سوى قتل الأطفال والنساء والمدنيين. جيش الاحتلال يدمر مدنا بالكامل ويجتثها من فوق الأرض لأنه يخشى من اجتياحها بريا، هذه أكبر جرائم الحرب في التاريخ الحديث، تاريخ الآلة العسكرية لدولة الاحتلال مشحونة بمذابح الأطفال والمدنيين بدءا من دير ياسين مرورا ببحر البقر وقانا وصبرا وشاتيلا. تل أبيب أسوأ نموذج للاحتلال، وهضم حقوق الآخرين فلم يبق للفلسطينيين الآن سوى 22% من أرضهم، وترفض حتى أن يقيموا دولة منزوعة السلاح عليها، إنه الظلم والبغي حقا. أثبت باسم يوسف وطنيته وذكاءه الإعلامي وحقق نصرا إعلاميا لقضية فلسطين، في حواره مع بيرس مورغان، ونال إشادات غربية واسعة، وحقق أعلى نسب مشاهدة في تاريخ البرنامج، حيث تجاوز 15 مليون مشاهدة. الخطاب الإعلامي للعرب الموجه للغرب ضعف ضعفا شديدا منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول المجيدة، التي حقق فيها العرب أعظم نجاح عسكري وإعلامي. لك أن تتصور طفلا صغيرا يشهد قصفا جويا بأحدث الطائرات والقذائف تنهال على منزله وتقتل أسرته، هذا الطفل الغزاوي تبكى عليه وهو يرتعش من الخوف والهلع، هل يتحمل كل هذه المصائب وهو في هذه السن، سلام عليكم يا أطفال غزة.
صدمة متأخرة
اكتشف عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» أن هناك صدمة لدى بعض الحكومات العربية، بعد أن اكتشفت الوجه الأكثر إجراما ووحشية لدى إسرائيل، وأظن أيضا أن رهانات بعض العرب على إسرائيل قد سقطت تماما بعد ثلاثة أسابيع من العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة ردا على عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. الحكومات وليس الشعوب، مدوا أيديهم بالسلام مراهنين على أن ذلك سيغير من الطبيعة العدوانية لهذا الكيان الأكثر إرهابية في العالم أجمع. نعلم أن مصر مثلا هي أول دولة عربية بادرت بمد أيديها بالسلام حينما زار الرئيس الأسبق محمد أنور السادات القدس في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1977 وخاطب الكنيست الإسرائيلي عارضا عليهم السلام العادل، ثم وقع معهم اتفاقيات كامب ديفيد في سبتمبر/أيلول 1978 وبعدها بشهور تم توقيع معاهدة السلام في 25 مارس/آذار 1979. في عام 1993 اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني بإسرائيل وقبلت بالقرار 242 و338، ووقعت مع إسرائيل اتفاقيات أوسلو، بعد مفاوضات مدريد التمهيدية نهاية عام 1991، ثم وقعت الأردن اتفاقيات وادي عربة عام 1994. ونعلم أن الدول العربية وبعد ممانعات كثيرة طرحت المبادرة العربية للسلام عام 2002 عقب قمة بيروت، ونعلم أيضا أن العديد من الدول العربية أقامت علاقات مع إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة مثل، المغرب والبحرين والإمارات والسودان. ورأينا زيارات متبادلة كثيرة وتوقيع العديد من الاتفاقيات في العديد من المجالات.
عبيد أمامها
الحكومات العربية من وجهة نظر عماد الدين حسين ربما تكون فعلت ذلك لأسباب مختلفة لدى كل دولة، ومعظمها يقول إننا حاولنا التأثير في الرأي العام الإسرائيلي وإقناعه بأن العرب يمدون أيديهم بالسلام للإسرائيليين، بل وإزالة الصور المترسخة في الأذهان الإسرائيلية، بأن العرب قوم متوحشون يريدون إبادة الإسرائيليين وإلقاءهم في البحر، طبقا للمزاعم والدعاية الصهيونية، لكن ومع هذا العدوان البربري فقد اتضح أن إسرائيل لم تتغير إطلاقا، بل اتضح لمعظم العرب أنها أكثر عدوانية مما ظنوا. والأخطر أن الإسرائيليين ينظرون للعرب في سرهم وعلنهم باعتبارهم كائنات دونية لا تستحق العيش، ولا يفرقون في ذلك بين مقاومة مسلحين ومعتدلين مسالمين. ورأينا وزير الدفاع الإسرائيلي أولاف غالانت يصف المقاومين الفلسطينيين بأنهم «حيوانات بشرية». وثبت يقينا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأكثر إجراما وتطرفا وتحلم بتطبيق إسرائيل الكبرى من النيل للفرات. اتضح للحكومات العربية ما كان واضحا ومعروفا ومكشوفا لكثيرين، وهو أن إسرائيل لا تؤمن بفكرة الأرض مقابل السلام، بل حتى لا تؤمن بفكرة السلام مقابل السلام، لأن سوريا مثلا المنشغلة بحرب أهلية وبمواجهة الإرهاب، ولديها هضبة الجولان المحتلة، لا تسلم من اعتداءات إسرائيلية متكررة تكاد تكون أسبوعية وأحيانا يومية. لدى إسرائيل عقيدة ثابتة لا تتغير وهي، أن يظل العرب متفرقين منقسمين ضعفاء. طبعا لا نلوم إسرائيل على ذلك بقدر ما نلوم العرب الذين يعطونها الفرصة لذلك، فمجمل سلوكها لم يكن إطلاقا يهدف للعيش في سلام، بل أن تكون سيدة المنطقة. والباقون أو «الأغيار» يعملون لديها عبيدا أو حراسا لأمنها، وهو الأمر الذي يؤمن به بعض الصهاينة.
دهاء حماس
بدأت تتجمع في وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية معلومات مثيرة للارتباك اهتم بها أحمد عبد التواب في «الأهرام» عن خلفيات ما يحدث في إسرائيل، لأنه قد توافر الآن لعموم المتابعين ما يؤكد أنه كان لدى إسرائيل معلومات من مصادر موثوق بها، منها أجهزة استخبارات إسرائيلية، عن أن حماس كانت تخطط لضربتها في 7 أكتوبر/تشرين الأول، قبل الضربة بفترة كافية، تسمح لإسرائيل أن تقوم بتدابير التصدي والتعامل مع الضربة، إلا أنها لم تفعل وهذا ما يثير التعجب حول لماذا لم تفعل، مما يطرح احتمالات تتراوح بين عدم اقتناع صناع القرار الإسرائيليين بصحة المعلومات، أو أنهم اقتنعوا وقرَّروا إتاحة الفرصة للضربة ليتخذوها مبررا للإقدام على خطوات مخطط لها سلفا، مثل تصعيد هجومهم ضد غزة، وقد يكون من التصعيد أن يتدخلوا بريا بعمليات شديدة العنف، لدفع أهل غزة للفرار، فيتحقق حلم صهيوني قديم بإخلاء القطاع. من هذه المعلومات الأخيرة ما وصل للقيادة الإسرائيلية، قبل شهر من بدء ضربة حماس، حيث التقط جنود إسرائيليون على حدود غزة صورا لحشود عسكرية لمقاتلي حماس يظهرون بالعين المجردة، وأبلغ الجنود قادتهم أن عناصر حماس تخطط لهجوم كبير، لكن القيادة تجاهلت كلامهم، وقالت إن هذا تمرين روتيني لمقاتلي حماس وهناك معلومة أخرى قد يكون فيها ما يفسر هذا الخطأ، حيث أذاعت قناة (كان 11) الحكومية المجانية، التي تُدار من قبل هيئة البث الإسرائيلي، أن بنيامين نتنياهو شخصيا وقع في خدعة من حركة حماس، لأنها، وبينما كانت تقوم بتجهيزات ضربتها الكبرى، أبلغته برسائل أعلنت فيها عن استعدادها للمضى قدما في صفقة تبادل أسرى تُفرِج فيها عن جنديين إسرائيليين لديها من عام 2014، مع جندي ثالث أسروه بعدهما، مقابل الإفراج عن أسرى لحماس. ثم دخل الطرفان في مفاوضات مكثفة غير مباشرة، جرت عبر وسطاء على أعلى مستوى سياسي في إسرائيل، وأدارها مسؤولون من مكتب نتنياهو وهذا يفسر كيف لم يتخذ نتنياهو تحذيرات جنوده وغيرهم بجدية، ظنا منه أن حماس راغبة في التهدئة لإبرام صفقة تبادل الأسرى. بعض خصوم نتنياهو في إسرائيل يرون أنه يهدف من وراء تصعيده الرهيب ضد غزة، أن يُغَطِّى على فشله الفادِح في توقع ما جرى، وعلى عجز خبرائه عن فهم طبيعة ما يدور واحتمالاته.
حقائق لا تغيب
أكثر ما يزعج إلهام عبد العال في «المشهد» أن تضطر لشرح القضية الفلسطينية ومدى أحقية الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال لعربي لا يرى أن للفلسطينيين حقا في المقاومة، أو إقامة الدولة الدولة الفلسطينية، يظل يجادل معتبرا المقاومة اعتداء، ومعتقدا أنه بهذا إنما ينظر بعين العقل والحكمة والعدل إلى حقيقة الصراع، يرى أن من حق الإسرائيلي العيش آمنا مطمئنا، لكنه لا يجهد نفسه بالبحث عن حقيقة ما يعيشه الفلسطيني من معاناة. يجهل أو يتجاهل هذا العربي المحايد أبسط حقوق الإنسان التي يتمتع بها هو في بلده، أو في البلد الذي يعيش فيه. إسرائيل قوة احتلال غاشمة لم تلتزم حتى بالقرارات التي أقرتها الشرعية الدولية. قوة غاشمة استمرت تحتل وتتوسع في إقامة المستوطنات على الأراضي التي احتلتها. قوة احتلال تركت للمستوطنين حق الإستيلاء على بيوت وأراضي الفلسطينيين دون حق، بل وكثيرا ما عاث المستوطنون في الأرض عدوانا وإيذاء وقتلا للفلسطينيين، وإفسادا وسرقة للأراضي والمنازل، ولم يردعهم قانون أو سلطة. لا يدرك مدعو العقل والحياد مدى الظلم الواقع على شعب تم تقسيم أرضه إلى «كانتونات» بعيدة عن بعضها بعضا، تتوسطها المستوطنات المحاطة بأسوار عازلة ما يمنع انتقال الفلسطينيين من منطقة لأخرى، دون إذن مرور وتفتيش من قوات الاحتلال، تجعل المسافة التي تستغرق نصف ساعة في زمننا هذا في أي دولة من العالم، قد تستغرق اثنتي عشرة ساعة داخل الأراضي المحتلة، حيث يقف الفلسطيني في نقاط التفتيش ساعات طويلة لا يحددها قانون أو قواعد. زيارة الأهل لبعضهم بعضا غاية في الصعوبة داخل الأراضي المحتلة، فما بالنا بالسفر خارج الحدود؟
السجن الكبير
واصلت إلهام عبد العال التأكيد على حقائق تغيب عن أذهان الكثيرين: الفلسطيني داخل الأرض الفلسطينية سجين لا يمكنه الخروج من تلك المناطق إلى بلاد أخرى، إلا بموافقة قوات الإحتلال، فتلك المناطق سجون مفتوحة، نعم مفتوحة في داخلها، لكنها مغلقة بأسوار حولها تمنع الخروج منها أو الدخول إليها. عندما تعيش داخل الأراضي الفلسطينية فأنت لست مواطنا في دولة تتمتع بحرية السفر والترحال، إنما أسير داخل تلك القطعة من الأرض، معرض في كل لحظة لدخول قوات الاحتلال إلى بيتك أو بيت جارك، وإذا دخلت قوات الاحتلال فأنت لا تملك لنفسك أو لأهلك شيئا، فلا قانون يحكم ولا سلطة قانون تراقب. هذه الحياة داخل الأراضي المحتلة أو التي تمتعت بحكم ذاتي منقوص، ليست بحياة آدمية ولا يقبلها إنسان. وهؤلاء الذين يظنون أنفسهم أشخاصا عاقلين محايدين، هم في الواقع لا يدركون مدى معاناة الفلسطينيين، وينقصهم كثير من الحقائق. من حق الشعب الفلسطيني إقامة دولة مستقلة كاملة السيادة على أراضيه، حسب قرارات الأمم المتحدة، التي حددتها بالقرار 242. من حق الشعب الفلسطيني أن يتمتع بكامل الحقوق التي يتمتع بها البشر في كل دولة من دول العالم. من حق الفلسطيني أن يتنقل داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها كأي إنسان يعيش على كوكب الأرض. وعلى إسرائيل الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967. وأنت يا عزيزي العربي إذا وجدت في نفسك شيئا من الحياد وأنت تنظر إلى هذه القضية، فاعلم أنك بحاجة إلى تحري الحقائق على أرض الواقع.
سيدفع الثمن
من المؤكد أن الرئيس الأمريكي بايدن سوف يدفع ثمن حرب غزة وحده، سواء من رصيده أو من تاريخه ومستقبله السياسي، وهو أضعف الإيمان.. أما الفاتورة القاسية، فقد تكون وفق ما تنبأ به محمد أمين في «المصري اليوم» عمليات في العمق الأمريكي، أو على السفارات الأمريكية في مختلف دول العالم.. وأذكر هنا ما قاله الرئيس الأسبق بارك أوباما أن الموقف في غزة قد يؤدي إلى تصلب الموقف الفلسطيني لأجيال قادمة.. وهذه حقيقة فماذا يفعل الإسرائيليون والأمريكيون مع الأطفال الذين شاهدوا الدمار في مناطقهم والشهداء من ذويهم؟ هل هذا التصور كان سببا في التغير «الظاهر» في الموقف الأمريكي إزاء ما تفعله إسرائيل من تدمير لقطاع غزة؟ المراقبون لديهم تساؤلات حول هذا التغيير، فهل هو تغيير يعكس تحولا فعليا أو مجرد تحول في الخطاب استجابة لحالة الإدانة الشعبية، والمظاهرات التي ضربت بعض المناطق في أمريكا وشلت حركة المواصلات ومحطات المترو الرئيسية؟ بالتأكيد المظاهرات الدولية عبر العالم، والداخلية في أمريكا لأيام عديدة وبكثافة عالية كانت السبب، فضلا عن الموقف في غزة نفسه، وفشل تنفيذ الهجوم البري حتى الآن، وربما وقوع ضباط برتبة كبيرة في الأسر، غيّر الموقف الأمريكي، ولا مانع أن يكون للضغوط الدولية والعربية تأثيرها أيضا. كل هذا أدى لتغيير الموقف الأمريكي على الأرض.. أضف إلى ذلك التهديد باستخدام سلاح البترول مرة أخرى، خاصة مع دخول فصل الشتاء.. وارتفاع عدد الشهداء.. وكان من أخطاء بايدن أنه ردد مقولة إن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، بعد عملية طوفان الأقصى.
المواقف ستتغير
يكاد محمد أمين يجزم بأن المواقف ستتغير أكثر كلما سقط ضباط وجنود آخرون في الأسر، وصعوبة تحرير الأسرى الذين تحتجزهم الفصائل، والغضب الواضح المتزايد من الدول العربية، ومن الحلفاء الأوروبيين وبعض الأمريكيين في الداخل، قد دفع فريق بايدن إلى دعوة للتوقف الإنساني لهجمات إسرائيل والتركيز على إيصال المساعدة للفلسطينيين. ويحسب للعرب تحركاتهم لوضع هدنة إنسانية بقرار أممي، وكانوا جميعا صوتا يمكن أن يحسب له حسابه، إلا أنني ما زلت لا أعرف تفسيرا واضحا لموقف العراق وتونس من القرار اللذين امتنعا عن التصويت عليه؟ صحيح أن مصادر عراقية قالت كلاما غير مفهوم، لكن ما حجة تونس التي تقف متظاهرة طوال الليل ثم يقوم مندوبها بالامتناع عن التصويت؟ هل البعض يكتفى بالتظاهر فقط؟ هل يتصور هؤلاء أنهم يتظاهرون على الملأ، ويصوتون في الغرف المغلقة؟ ألا يعرفون أن الشارع يعرف في اللحظة نفسها، بعد تطور وسائل الاتصال؟ هل يعتقدون أننا ما زلنا في الستينيات؟ وأخيرا، هل أدرك بايدن أن كثيرين من أنصاره قد يتخلون عنه في الانتخابات المقبلة إذا تصاعد تدهور الوضع الإنساني بشكل خطير؟ وأن ما يحدث في غزة قد يأتي برد فعل عكسي؟ وهل كانت تصريحات أوباما عن تصعيد الموقف وتأثيره في أمريكا لأجيال قادمة، وجدت آذانا صاغية عند بايدن، الذي ربما لا يدفع الثمن وحده؟
الأوروبيون معنا
انتبه الدكتور ياسر عبد العزيز في «المصري اليوم» لحقائق لا يدركها الكثيرون: على عكس ما يعتقد البعض في العالم العربي، فإن الشارع والإعلام الغربيين أقل انحيازا لإسرائيل، وأكثر ميلا للتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني بشكل عام، ومع أهل غزة الذين يتعرضون لعدوان بشع وقتل ممنهج من آلة الحرب الإسرائيلية بشكل خاص، مقارنة بالمواقف السياسية الغربية المُعلنة وغير المُعلنة. لا يجد الحديث عن وجود قدر، ولو ضئيل، من التعاطف، أو التفهم، بين أوساط الرأي العام والإعلام في الغرب أنصارا في العالم العربي، لكن هذا القدر الضئيل سيظهر بكل تأكيد إذا ما قورن بالجفاء والتصلب الباديين في المواقف السياسية الغربية. فهذه المواقف تبدو حتى هذه اللحظة غاية في الصلابة، في ما يتعلق بإدانة «حماس» وتفهم «حق إسرائيل» في الدفاع عن نفسها، وعدم الرغبة في اتخاذ إجراءات من شأنها إيقاف العمليات العسكرية الدائرة راهنا، والتى أسقطت الآلاف من المدنيين والأطفال الفلسطينيين، ودمرت مقدرات الحياة في مناطق عديدة بقطاع غزة. لكن وجود بعض التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في مدن غربية، وبعض التغطيات الإعلامية الغربية التي تجتهد، على استحياء، لإحداث التوازن في نقلها للأحداث وتحليلها، وقيام السلطات في دول غربية عدة، مثل ألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، وغيرها، بقمع تلك التظاهرات أو التضييق عليها، يشير بوضوح إلى هذا التباين بين المواقف السياسية الغربية ومواقف الرأى العام والإعلام حيال الصراع الدموي الراهن. ويبدو أن الموقف السياسي الغربي الراهن، كما يظهر في تصريحات وبيانات القادة والمؤسسات الرسمية والأحزاب الرئيسية، يتسم بدرجة من الصرامة والصلابة كافية لمساعدة إسرائيل في إنفاذ أجندتها حيال تلك الحرب ومستقبل الصراع مع «حماس». وفي هذا الموقف سنجد توافقا ظاهرا على اختزال القضية الفلسطينية في ما حدث يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، واعتبار أن ما جرى يومذاك هو «هجوم وحشي إرهابي» يُحتم الوقوف إلى جانب إسرائيل و«الشعب اليهودي» الذي «لم يتعرض لمثل هذا العدوان منذ المحرقة».
آلة الموت
لأجل ما سبق أن ذكره الدكتور ياسر عبد العزيز يتوافق الغربيون الرسميون على ضرورة إدانة «حماس» وعدم إدانة إسرائيل، مهما تجاوزت في «الرد» وغالت في «الدفاع عن النفس» وقتلت المدنيين والأطفال، الذين هم «مجرد دروع بشرية ألقت بهم (حماس) في أتون الصراع» وجعلتهم مجرد «أضرار جانبية» كما يقول ساسة غربيون بوضوح. لذلك، فإن المواقف الرسمية الغربية ستتضافر لكي تمنع صدور أي قرار بوقف إطلاق النار، كما حدث في «قمة القاهرة للسلام» وفي مجلس الأمن، وستحرص أيضا على أن تستمر العمليات العسكرية لحين إتمام إسرائيل «مهمتها» المتمثلة في القضاء على «حماس» وإخراجها من حسابات الصراع. صحيح أن الموقف السياسي الغربي الرسمي قد لا يمانع في الحديث عن ضرورة وجود ممرات إنسانية لتقديم قدر من المساعدات للفلسطينيين، الذين يواجهون آلة الموت والتجويع والحصار، ولن يمانع، على الأرجح، في عقد هدن إنسانية مؤقتة ومحدودة، لكنه سيحرص على ألا يمثل هذا عائقا ميدانيا أمام خطط إسرائيل لتنفيذ مراميها من العملية العسكرية بقدر الإمكان. سيوفر الغربيون المساعدات لإسرائيل بكثافة، وسيشمل هذا أنواع الدعم السياسى والقانوني والعسكري واللوجيستي، وسيحرصون على عدم تبلور أي إجراء أممى يمكن أن يقوض «حق» إسرائيل في «الدفاع عن النفس ومقاومة الإرهاب». وعندما سيبرز أي قيادي أممي مثل أنطونيو غوتيريش ليتحدث عن أن «هجوم (حماس) لم يأت من فراغ» وأن الفلسطينيين يعانون منذ 56 عاما من «العنف والحصار والخنق والتدمير» أو يتحدث زعيم سياسي مثل حمزة يوسف، الوزير الأول في أسكتلندا، عن ضرورة وقف فوري لإطلاق النار، فلن يُعول عليهما، ولن يتم التجاوب مع أطروحاتهما بصورة عملية أو إيجابية. هناك انحياز سياسي غربي راسخ ومُقيم لوجهة النظر الإسرائيلية حيال مُجمل الصراع، وهو أمر تعززه مصالح عملية ومواقف أيديولوجية ودعاوى أخلاقية، وكان من الممكن التعامل مع هذا الانحياز وتخفيف غلوائه في مواقف سابقة، استطاع الفلسطينيون خلالها إظهار موقفهم الحقيقي كشعب مُحتل يتعرض للعنف والحصار والتدمير والتشريد من قوة احتلال، لكن ما حدث يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول منح هذا الانحياز طاقة فعل كبيرة، فضلا بالطبع عن شعور غربي بالخذلان من الموقف العربي، الذي لم يكن متماهيا بما يكفي مع الرؤية الغربية للحرب الروسية – الأوكرانية.