“مبادرة فرنسا” إزاء غزة… بين الأفق السياسي وقواعد اللعب على الأرض

حجم الخط
2

التقارير الواردة عن استعداد حماس لتنفيذ صفقة تبادل كامل للمخطوفين مقابل السجناء، ونشر صور للمخطوفات الإسرائيليات الثلاث، اعتبرتها إسرائيل “إرهاباً نفسياً” وبحق. مع ذلك، ستحتاج إسرائيل في الوقت القريب إلى فحص هذا العرض بشكل فعلي، لأن حماس ليست الوحيدة التي تنشر هذه الرسالة، فهذه رسالة تسمعها واشنطن وباريس والقاهرة والرياض. 

وفق تقرير نشر أمس في موقع أخبار مقرب من “حزب الله”، فإن فرنسا تدفع قدماً بخطة عمل تستهدف ما بعد وقف إطلاق النار الإنساني وتسوية أوسع، ستشمل تحرير المخطوفين. غير واضح في التقرير هوية الجهة أو الجهات التي صاغت هذه المبادرة، وإذا كانت تعكس موقف الرئيس إيمانويل ماكرون، وما إذا عرضت على الرئيس الأمريكي أو تم تنسيقها معه. لا يعرف إسرائيل شيئاً عن هذه المبادرة. مصدر سياسي في إسرائيل قال للصحيفة إنه لا تتم مناقشة أي خطط على المدى البعيد في هذه المرحلة. المعركة العسكرية في الذروة، وهي التي ستحدد المعايير لأي اتفاق مستقبلي”. 

ووفق هذه المبادرة، سيتم الإعلان عن وقف إطلاق النار من جميع الأطراف، وعلى جميع الجبهات، هذا في المرحلة الأولى، وفيها سيتم إعداد قوائم مفصلة للمخطوفين والسجناء الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم. بعد ذلك، سيتم التوقيع على اتفاق، بحسبه ستطلق حماس سراح كل من لديها، بما في ذلك المخطوفون والمفقودون من حروب سابقة، مقابل إطلاق سراح جميع السجناء الفلسطينيين، بمن فيهم السجناء في الاعتقال الإداري، وستتعهد إسرائيل بعدم اعتقال المحررين مرة أخرى كما فعلت بعد صفقات تبادل سابقة. سيتم تنفيذ التبادل دفعة واحدة بإشراف الأمم المتحدة والصليب الأحمر وضمانة الدول الوسيطة. في الوقت نفسه، سيتم التوقيع على اتفاق حول إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، التي ستشرف الأمم المتحدة على توزيعها على المحتاجين. وقف إطلاق النار هذا، حسب “اقتراح فرنسا”، سيكون هو المرحلة الأولى في تمهيد الأرض لسيطرة السلطة الفلسطينية في غزة. 

كلما طالت مدة القتال فإن الضغط السياسي على واشنطن، التي هي نفسها لم تبلور بعد أي موقف حول الحل بعيد المدى المطلوب، ولا تعرف ما هي خطة إسرائيل لليوم التالي. بدأ الآن سماع أصوات غضب من مصر الرسمية، التي تتهم إسرائيل بوضع عقبات أمام قوافل المساعدات في معبر رفح. المتحدث بلسان وزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زياد، نشر أمس بياناً استثنائياً أكد فيه أنه “يجب على كل الأطراف أن تعرف أن مصر لا توفر أي جهد من أجل تسريع إدخال المساعدات للإخوة الفلسطينيين. العقبات التي تضعها إسرائيل هي التي تعيق إدخال المساعدات”. 

هذه أقوال جاءت رداً على بيان اللوم الذي أصدره موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي في حماس، الذي طلب فيه من القاهرة “التخلي عن موقف المراقب عن كثب، واتخاذ خطوات حازمة لإدخال المساعدات إلى غزة في أسرع وقت”. ولكن البيان موجه بشكل شخصي للرئيس الأمريكي، الذي توصل إلى اتفاق ملزم حول المساعدات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. 

في هذه الأثناء، لا تريد مصر التصادم مع إسرائيل، لكن كلما ازداد الضغط العربي والدولي فإن ربما تقرر مصر “فتحاً واسعاً” لمعبر رفح بدون موافقتها. وهي خطوة قد تضع إسرائيل في وضع غير محتمل، سيكون عليها فيه التقرير ما إذا ستسمح بزيادة حجم المساعدات لتجنب مواجهة سياسية مع مصر، أو البدء بضرب قوافل المساعدة كما فعلت في بداية الحرب. ومن ثم تحولها هي نفسها إلى هدف للضغط الدولي، لا سيما الأمريكي، والمخاطرة بشرخ جدي مع القاهرة.

السعودية تعتبر دولة أخرى “متهمة” بالتخلي عن قضية غزة وعن القضية الفلسطينية بشكل عام، خاصة إزاء انسحابها كما يبدو من المبادرة العربية وحل الدولتين في المفاوضات التي أجرتها مع الولايات المتحدة حول التطبيع مع إسرائيل. قررت الرياض في الحقيقة تجميد النقاشات، لكن توقعات العرب منها هو إلقاء ثقلها الإقليمي والدولي لتحقق وقفاً لإطلاق النار على الأقل. بشكل استثنائي، نشر في جميع وسائل الإعلام الرسمية عن المحادثة الطويلة التي أجراها وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، التي تم تكريسها لمناقشة الوضع في غزة، والحاجة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل انتشار الحرب إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط. 

هذه هي المرة الثانية التي تكشف فيها السعودية وإيران بشكل علني أنها تجري نقاشات حول القضية الفلسطينية بشكل عام والحرب في غزة بشكل خاص. كانت المرة السابقة قبل أسبوعين عندما أجرى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المحادثة الهاتفية الأولى بينهما منذ استئناف العلاقات بين الدولتين في آذار الماضي، وطلبا وقف إطلاق النار. 

لا تملك السعودية أي أداة ضغط مباشرة على حماس مثلما هي لقطر أو مصر. وحتى الآن، ابتعدت السعودية عن أي قضية تتعلق بفلسطين. ولكن عندما ترتفع الحرب درجة وتتحول إلى تهديد إقليمي قد يشعل ساحات أخرى، لا سيما ساحات تحضر فيها إيران مثل لبنان وسوريا واليمن، فلن تسمح السعودية لنفسها بالاكتفاء بموقف المراقب وإصدار تصريحات حسن نية. قد لا تبادر السعودية إلى أي عملية سياسية، لكن يمكنها الوقوف وراء خطة تظهرها منطقية وعملية، خطة تعيد على الأقل المواجهة إلى مستواها المحلي. هذا التطلع ربما يضم السعودية إلى المبادرة الفرنسية طالما بقيت ذات صلة، لأن فيها عدة أسس قد تقبلها إسرائيل وواشنطن. أحد هذه الأسس هو المبادرة إلى “إعادة تنظيم” السلطة الفلسطينية بصورة تمكنها من إدارة غزة أيضاً. 

من غير الواضح ماذا سيكون التفسير العملي لـ “إعادة التنظيم”. ولكن إذا اعتمدنا على اقتراح رئيس الحكومة السابق في رام الله، سلام فياض، كما عرضته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية هذا الأسبوع، فإن الحديث يدور عن توسيع م.ت.ف بحيث تشمل أيضاً ممثلين عن حماس و”الجهاد الإسلامي” وفصائل أخرى، كي تحصل على الشرعية من الجمهور. بدون ذلك، كما يعتقد فياض، لن تستطيع السلطة الفلسطينية تحمل مسؤولية السيطرة على غزة. هناك شك كبير إذا كانت فرنسا أو أي دولة أخرى، بالأحرى إسرائيل، ستوافق على هذه الخطة التي تذكر بشكل كبير بمشاركة “حزب الله” في الحكومة اللبنانية. معنى ذلك، أن حماس لن تنهار، بل ستكون أيضاً عاملاً له مكانته في أي اتفاق. 

مع ذلك، من الجدير فحص البنود الأخرى المشمولة في اقتراح فرنسا: إبعاد جميع الموظفين الذين عينتهم حماس ويستبدل بهم موظفون مسجلون في السلطة الفلسطينية؛ وإعداد قوة شرطة فلسطينية كبيرة تحت سيطرة السلطة لإدارة الشؤون الأمنية في القطاع؛ ووضع خطة لإعادة إعمار قطاع غزة بإشراف السلطة. في موازاة ذلك، يتم وضع قوة متعددة الجنسيات، غربية وعربية وإسلامية، تشكل منطقة فاصلة بعمق 3 كم بين إسرائيل والقطاع، يخدم فيها جنود لدول لها علاقات مع إسرائيل، مثل الأردن ومصر والإمارات وتركيا. في الوقت نفسه، تبدأ المفاوضات حول الاتفاق النهائي الذي يهدف إلى إقامة الدولة الفلسطينية بروحية تصريحات الرئيس الأمريكي، جو بايدن. 

سواء اقتراح فرنسا أو تلك الأفكار التي تطرحها جهات رفيعة في الإدارة الأمريكية وإسرائيل، فإنها تستند إلى تمسكها بالسلطة الفلسطينية على اعتبار أنها الأمل الوحيد لليوم التالي. “سلطة الإرهاب”، كما تسمى هنا، من ربما تستدعى للخدمة الآن. من أصيب بالذعر حين علم بنقل بضع سيارات مصفحة للسلطة، سيستشيط غضباً عندما ستتسلم هذه السلطة السلاح والسيارات المصفحة الجديدة وميزانيات ضخمة، وتحصل على مكانة دولية لإنقاذ إسرائيل من الحاجة إلى السيطرة المباشرة على غزة. 

في ظل مبادرة سياسية، إسرائيلية أو أمريكية، ستصبح الساحة السياسية ساعة مفتوحة للعب، وسيرغب في دخولها كل من روسيا والصين وتركيا والاتحاد الأوروبي. وإذا تم رفض جميع المبادرات، فستضطر واشنطن إلى صياغة قواعد اللعب السياسية في نهاية المطاف، وتلائم بحسبها سلوك إسرائيل على الأرض.

 تسفي برئيل

هآرتس 31/10/2023



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية