دائما ما تبرز علاقة المثقف مع السلطة ضمن حالة سياقية تتصل بالمكان والزمن اللذين يحددان خصوصيته الحضارية، لكن تعريف المثقف بوصفه جزءاً من تمثيل دور رسولي قد يبقى أمراً قابلاً للكثير من الجدل، من حيث تحقيق المعيارية اللازمة، كون أي اهتزازات في تعريف المثقف، وممارسة دوره يمكن أن تعصف بهذا التعريف القيمي، ومن هنا نستحضر المقصد العميق لكتاب جوليان بندا «خيانة المثقفين» في ما يتعلق بدور المثقفين في عصره، فقد انتقد التخلي عن القيم من أجل خدمة الأهداف العملية، أو الواقعية المتصلة بنزعات قومية عمياء.
وعلى الرغم من أن حضور المثقف في السياق العربي قد يبدو قلقاً، وغير منجز نتيجة البيئة التي يتوفر عليها، والتي يمكن أن ننعتها ببيئة غير صحية بالكلية نتيجة غياب مناخات الديمقراطية، كما ارتفاع نسبة القمع، وصعوبات تتعلق بإكراهات تحقيق المصالح، كما معضلة تحصيل لقمة العيش نتيجة ارتباط المثقف بالسلطة، التي تتخذ من هذا البعد أداة من أدوات السيطرة على المثقف؛ بمعنى آخر غياب الاستقلالية التي تتيح نقد الممارسات، ما يجعل من وضع المثقف العربي بحاجة إلى الكثير من البحث والتعديل، كونه يرزح تحت نير منظومة قمعية لا تمكنّه من تعديل الرأي العام الذي يبدو غير متوفر في معظم البلدان العربية التي لا تقيم وزناً لما تريده الشعوب، إنما هي تخضع لسلطة القوى الخارجية لا الداخلية، وبناء عليه، فإن هذا لن يؤدي إلى تغيير في قرارات السلطات التي تعمل لمصالح ذاتها، ومع أن هذه الأعذار تبدو واهية، لكنها حقيقة تستجيب لمنطق، ولاسيما في ظل وجود أزمات حضارية وقيمية وأخلاقية، لكن يمكن أن ننقل هذه المشكلة إلى تموضع المثقف الغربي، حيث تجعلنا نتساءل عن دور المثقف الغربي.. غير المسكون بإكراهات واقعنا هنا، بالتوازي مع ادعاءات بتوفر مناخ حقيقي من الحرية، في حين أن القيم المؤسساتية تبدو أقل تدخلاً في تفكير المثقف، فالمثقفون الغربيون غير مسكونين بهذا القلق اليومي علاوة على حصار في قيم التعبير… فثمة فضاء أكثر صحية لممارسة المثقف دوره، وبالتحديد في ظل وجود أسئلة ومفاصل بخصوص ذلك، إذ تجعل من حقيقية هذا المثقف على المحك ضمن الظروف الراهنة.
ربما تكون الإشكالية في مرجعية الأكاديمي، إحدى أهم عوائق تمكن وعي المثقف من إدراك دوره وموضعه في نقد التوجهات السياسية نتيجة هيمنة الرؤية الحصرية لرؤية العالم، فثمة دائما العقل الأكاديمي الضيق، والمحصور، وإذا ما تجاوزنا هذا فإن واقع المثقف ضمن تعريفه المثالي يتقاطع مع مفهوم المثقف الرسولي، والثاني يبدو دوره أكثر حساسية، ففي ملاحظة وقائع ما يحصل من انحياز واضح من قبل الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، كما الغرب عامة لإسرائيل – على مستوى السلطة – ما يضفي على هذه الوقائع الكثير من الأسئلة، فما يحصل الآن من إبادة شاملة تجاه شعب يبحث عن قيمة يقدسها الغرب (الحرية) يتجاوز الخلاف على قضايا لا تبدو على قدر كبير من الجدل؛ بمعنى أنها ليست خلاف حول المنظور أو السياسة التي نتعامل فيها مع قضايا داخلية أو أيديولوجية… إنما هي تقع في صلب الموقف الأخلاقي لا بمعناه الضيق فحسب، بل بمعناه العام كونها قيمة إنسانية على المثقف أن يلمحها، ولا تحتاج إلى الكثير من البحث، لكن تحتاج إلى شيء من الشجاعة.
وإذا كان بعض المثقفين يرون في وجود إسرائيل جزءاً من الوجود المُشرعن إمبريالياً… فإن هذا يمكن أن يقودنا إلى نزاعات أيديولوجية، لكنه في النهاية لن يتصل بما يحصل في إسرائيل من حيث إدانة سلوكها الإجرامي، كونها آلة حرب وإجرام وإبادة … فثمة مواقف وقيم لا يمكن لاثنين أن يختلفا عليها.
وإذا كان المثقف غير قادر على تكوين فهمه الخاص تجاه بعض القضايا الإشكالية، فإن هذا يعني أن المثقف لا يمكن أن يتحقق على صعيد الممارسة، فالمثقف ينبغي أن يكون متعالياً على الذاتي، علاوة على التعالق العضوي لمصلحة تحقيق أهداف كيانات على حساب المبادئ الإنسانية، ومن ذلك ما نراه من جريمة أخلاقية ترتكبها إسرائيل بدعم من الساسة الغربيين، وبوجه خاص المؤسسة القيادية في الولايات المتحدة، وأوروبا؛ ولهذا ينبغي علينا أن نتساءل عن دور المثقفين الأمريكيين، أو الغربيين في إثارة هذه الأسئلة، وتوجيه نقد لصناع السياسة، ولاسيما حين نرى هذا القدر الكبير من تلاشي ما تدعيه الدول الغربية من خطابات إنسانية ذات منظور مزدوج، فضلاً عن عمليات التضليل الإعلامي؛ ما يعني تراجع الغرب على المستوى الحضاري الأخلاقي، فقد أخذت تقترب من واقع العالم العربي، حيث القيادة منفصلة عن شعوبها، وكل هذا يتعلق بنفي المعنى الإنساني عن الآخر غير المتصل بالتعريف الغربي؛ ولهذا نرى أن هذا الدعم لإسرائيل التي تقوم بجرائم حرب على الملأ، بل تحقق أرقاماً قياسياً بخصوص قتل الأطفال، يعني دعماً يتعلق بمنظور استعماري يكرس وجود إسرائيل كي تكون الامتداد الذي على الغرب صونه لأهداف جيوسياسية محضة؛ بغض النظر عن المعنى القيمي، وموقف شعوبها.
ولعل هذا يؤكده ما بايدن الذي قال، إذا لم يكن هذا الكيان موجوداً فإنه ينبغي أن نوجده، وبناء عليه، فإن مقولات تلاشي الاستعمار أو تصفيه الأنظمة الكولونيالية بات محض هراء، بل تنفيه الوقائع الآن على الأرض، فالغرب ما زال مؤمناً بدوره الاستعماري عبر البحث عن مصالحه على حساب الدماء، وإبادة شعوب لا تنتمي إلى الطيف الغربي، ومن هنا، فإن على نقاد ما بعد الاستعمار، كما الأحرار من المثقفين الغربيين أن يبدؤوا بتوجيه النقد لسياسة بلدهم، أو البلدان التي تتخذ من استخدام خطاب براغماتي مسكون بأيديولوجية بائدة، وفي حال تغييب المثقف عن هذا النقد أو ممارسته، فإن المثقف كما يرى جوليان بندا قد أصبح معنياً بالمادي على حساب المعنوي بداعي الارتهان لمتطلبات المؤسسة. وهذا يقترب من تجميد صمته لحساب السياسي لا لحساب الفكري أو المعنوي، وبذلك فإن هذا ينفي معنى المثقف بالكلية، فليس المثقف ذلك العقل الساذج الذي ينخدع بمظاهر السياسية وألاعيبها، وأن يخضع لمنظومة من الضغط بداعي وجود جماعات ضغط، إنما هو شخص لديه مرجعية معرفية، وقيم أخلاقية ينطلق منها.
وإذا كان بعض المثقفين يرون في وجود إسرائيل جزءاً من الوجود المُشرعن إمبريالياً… فإن هذا يمكن أن يقودنا إلى نزاعات أيديولوجية، لكنه في النهاية لن يتصل بما يحصل في إسرائيل من حيث إدانة سلوكها الإجرامي، كونها آلة حرب وإجرام وإبادة … فثمة مواقف وقيم لا يمكن لاثنين أن يختلفا عليها.
ولعل الخلاصة النهائية لدور المثقف ترتبط بأن هذا العالم حين يقوده سياسون لا يمتلكون ناصية الحكمة (نموذجه أمريكا – فرنسا – ألمانيا- إنكلترا) مع غياب منظور قيمي يعتمد السلطة بمعزل عن المبادئ، فإن على المثقف أن يمارس دوره في النقد، وإلا فإن العالم سوف يتهاوى، ولاسيما حين يتخلى قادة الفكر في العالم عن القيام بدورهم، انطلاقاً من معايير محددة تتصل بالموضوعية والقيم الأخلاقية لا البحث عن توافق الأيديولوجيات التي ستؤدي إلى المزيد من الدمار قد يطال الغرب عينه الذي يتهاوى حضارياً، بعد أن تراجعت القيم التي يتغنى بها.
إننا لا نمارس عملية مجانسة ووضع الغرب في صورة سلبية بالكلية، فثمة جوانب مضيئة، لكن تكمن المشكلة بأن تعاطيه مع كل ما يمكن خارج وجوده يبقى غير مؤنسن؛ ولهذا فإن خطابه يبدو أقرب إلى تكريس كل ما حاول أن ينفيه أو ينقيه من أفكار ذات طابع أيديولوجي وعنصري، وهنا لا يمكن إلا أن نستذكر دور نعوم تشومسكي في ممارسة أكبر دور في تعرية الفظائع التي نتجت عن حرب فيتنام، وسياسات أمريكا، وانحيازها الأعمى لإسرائيل، حيث كان لهذا دور في تجييش الرأي العالمي الغربي والأمريكي، خاصة وقف حرب فيتنام، ومن هنا نتساءل عن دور المثقفين والأكاديميين الغربيين في نقد سياسات بلدانهم المشبوهة كولونياً، ومنع بلادهم من أن تضحي بقيمها الأخلاقية الباقية ـ إن وجدت – لصالح كيان طارئ لن يبقى وجوده منطقيا وقيمياً، وما يحصل الآن دليل على ذلك بأن هذا التشوه القيمي لن يستمر طويلاً.
كاتب أردني فلسطيني