وائل الدحدوح… الطائر الجريح

وجْه اخترق الخراب، والتحق بمسرح المصائب، كتب ووصف، أخبر وحذر، وبعيدا عن الرياء والحسابات الضيقة، يصف مجريات الحدث بكل نزاهة ووفاء، تراه تحت القصف، تحت السماء تمطر ماء أو حجارة ودخانا، ولا يبالي، دأبه أن تصلنا أخبار الإخوان من كل مكان، واجه عواصف الخريف وعواصف البارود وعواصف من لا يعرف للإنسانية أي معنى، باستمرار تراه حريصا على تقديم الخبر مفرحا يعلوه النصر، أو محزنا يعلوه ضباب الحزن، في ذاكرته ترتسم صرخات الأطفال وعلامات الرعب على وجوههم البريئة، وهم يحرمون من دفء المسكن ليلوذوا إلى جحور للهوام والحيوان وليست للإنسان، في قلب فلسطين يطلعك على الحدث يصف الجموع المواجهة للقصف، يصف الأشلاء، والاعتداء، يصف الكائنات والممكنات، يصف الواقع والمحتمل، يصف اتجاهات الأحداث وهو يتمنى نزول السلم لتضمد الجراح، وتكفكف الدموع…
لم نشاهده يوما يتجول في حديقة يستمتع بمشاهد الأزهار وأناشيد الأطيار، لم نشاهده يوما في مقهى يحتسي الشاي أو القهوة مستمتعا بما يجري حوله، لم نشاهده يوما في رحلة إلى غابة للاستجمام.. لقد شاهدناه دوما بخودته التي تدل على خطورة العوالم التي يلجها، وعلى ما قد يحدث من انحراف يُودِي بحياته كما العشرات والمئات، كبارا وصغارا ذكورا وإناثا، بغض الطرف عن هوياتهم ومهنهم. فها هو اليوم في قلب الحدث تخنقه العبارات وهو يودع أغلى ما يملك عائلته البريئة، بنته وابنه وزوجته، فبأي ذنب قتلوا.
ولد وائل دحدوح في غزة، وعاش كسائر الأطفال في خضم المعاناة، ليعتقل كسائر المعتقلين المدافعين عن حقوقهم وحقوق الإنسان بصفة عامة، في غزة قضى حياته الدراسية، ولم يتمكن من تحقيق أمنيته المتمثلة في أن يصير طبيبا، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن. فقد سدت أمامه سبل حلمه، ليقبع محروما من حريته سبع سنوات في السجن الإسرائيلي…تخرج بعد نيله حريته من الجامعة الإسلامية بغزة، ليتخرج منها بدرجة الباكالوريوس في الصحافة والإعلام. وهكذا شرع في عمله المهني كمراسل في غزة عبر منابر وقنوات إعلامية كثيرة، قبل التحاقة بمكتب الجزيرة مراسلا في قلب فلسطين الجريح… غطى معظم المواجهات التي جرت بها، قبل أن تنال آلة البغض التي لا قلب لها من أسرته البريئة.
فعزاء لك يا دحدوح، وكتب الله أسرتك من الشهداء. وعلى لسان الشاعر(اللواح) نقول لك:

      عزاء وصبراً كل شيء فهالك
سوى من له تعنو النجوم الشوابك
      فما الناس إلا هالك وابن هالك
وعاقبة الموت النجا والمهالك
      ولا سابق إلا وعقباه لاحق
سبيل الردى كل له فهو سالك
      فلا يأمن المغرور يبقى معمرا
وإن أوسعت في العمر منه المسالك
      فقد مات لقمان وماتت نسوره
وما عمرت أعمارها والمسالك
      وما الموت إلا منهج أي منهج
مخوف وفيه كلنا فسوالك
      فما عاش مملوك بأنكد عيشة ولا
عاش في أهنى المعيشة مالك
      تموت الرجال الأغنياء رواغماً
أنوفاً كما مات الرجال الصعالك
      نروح ونغدو كالبهائم رتعا
ومخلب كف الموت للعمر شابك.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية